دائماً أكثر منه مجدداً، تأليف الحكومة في خبر كان. لا أحد يفكر فيها. لا أفكار ولا اقتراحات. لا وسطاء مفيدين وقادرين ويريدون في آن. الرئيس ميشال عون منصرف الى يوميات الرئاسة، والرئيس سعد الحريري سندباد، ما ان يحط يطير. عندما يعود الى البلاد لساعات، فإن سلال الأسفار خاوية. بذلك لم يعد الاستحقاق الحكومي ينتظر أحداً في الداخل، ولا أحداً في خارجٍ لا يعرف ما هو وكيف يكون، ولا يتوقع من المبادرة الفرنسية سوى تأنيب بعد آخر وتقريع تلو أسوأ منه. بل يكاد المشهد يُختصر في المعادلة الآتية: لا عون يريد الحريري رئيساً للحكومة، ولا الرئيس المكلف يريد تأليفها الآن.
في الأسابيع القليلة التالية لتكليف الحريري، بعد تبخر الآمال بتوقع تأليف الحكومة خلال 15 يوماً، بدا التعويل على الزيارة الثالثة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، صاحب المبادرة، لبيروت في كانون الأول 2020، فتأجلت. قيل إن الانتظار واجب وحتمي إلى ما بعد كانون الثاني 2021 مع تسلم الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن سلطاته، فتسلم وساءت الحال في البلاد. ثم قيل مجدداً بالاتكال على نيات حوار أميركي – إيراني حيال الملف النووي. يوماً بعد آخر، ظلت مرجعيتا التأليف على شروطهما وتصلبهما، فيما الانقسام الداخلي يتوسع من حولهما بين الأحزاب والكتل. كل من هذه يؤيد إحداهما ويبرر لها متطلباتها لتأليف الحكومة ومعاييرها وحصصها.
الآن ثمة مناسبتان اضافيتان لتكرار تأجيل التأليف مدداً زائدة. إحداهما الحوار الأميركي – الإيراني في فيينا، والحوار المستجد السعودي – الإيراني في العراق. واحد من القواسم المشتركة ما بين الحوارين، من غير أن يكون بالضرورة بنداً أول ومستعجلاً هو لبنان والانهيار الموشك عليه. بيد أن المقصود الفعلي بهذا القاسم المشترك حزب الله بالذات الذي يتقاطع الأفرقاء الإقليميون والدوليون من حوله: عند الأميركيين هو منظمة إرهابية قبضت على السلطة في لبنان وتمثّل تهديداً دائماً لإسرائيل. عند السعوديين الذريعتان نفسهما، ناهيك بوضع إيران من خلال حزب الله يدها على لبنان، ولذا تحجم المملكة عن مساعدته بعدما أضحت السلطة كلها بين يديه (من خلال سلاحه ووجود عون رئيساً ومهادنة الحريري له). عند الإيرانيين هو الموقع المتقدم للجمهورية الإسلامية في صراعها مع الأميركيين وإسرائيل. بذلك يمسي حزب الله المسمار الذي لا يزال صعباً إلى الآن خلعه. هو الى هذا الوقت مسمار صلب، سليم، واقف، غير مكسور، وليس – بحسب التعبير الريفي – «اقطش» كي يُعاد ترتيب التوازنات السياسية اللبنانية من جديد.

عند هذا الحد يكتسب الحواران المتوازيان في فيينا والعراق اهميتهما في أن يفضيا، أو أحدهما على الأقل، الى إخراج لبنان من دائرة الاشتباك الإقليمي الذي لا يكتفي بتعطيل تأليف حكومته، بل يدفعه الى الانهيار الشامل.
يستند المعوّلون على هذين الحوارين إلى بضعة تقديرات، منها:
1 – أن جلوس السعوديين والإيرانيين الى طاولة واحدة في هذا التوقيت، لا ينجم عن عدم، ولا هو ابن اقتراح بسيط عابر، لا أحد بينهما مستعد له أو يتوقعه أو يريده حتى. كذلك لا يسع البلدان، على صورتيهما هما بالذات، الاستمرار في حوار كهذا لا طائل منه، من غير أن يتزحزح أي منهما عن شروطه حيال الآخر في الدول الساخنة التي يتصارعان عليها. حصول الحوار لأول مرة منذ وقت طويل يُنبئ برغبتهما في الجلوس الى الطاولة، مع حد أدنى من الافكار المشتركة. مع ذلك، ليس مؤكداً أن العراق قادر على أن يمثّل لضيفيه الضمان الكافي لأكثر من إبقائهما الى الطاولة تلك. بيد أن المرحلة التالية تصبح الأكثر عرضة لاختبار القوة ما بينهما.
2 – كلا الرياض وطهران مستعجلان للاتفاق على اليمن الذي يستنزفهما. لا المملكة تريد الاستمرار في حربها فيه وأضحت تطاولها على أراضيها، ولا طهران راغبة – وهي تحاور الأميركيين في الملف النووي – في ترك تلك البلاد ورقة بين أيديهم من خلال دعمهم التحالف المناوئ للحوثيين.
3 – ليس العراق المتروك للتنافس الاميركي – الايراني، وليست سوريا الموضوعة تحت المظلة الروسية، البندين الأولين في ما يتوخاه الحواران الايراني – الاميركي والايراني – السعودي، بل مفتاحا السخونة الاقليمية: اليمن أولاً ثم لبنان. الأصح في لبنان أولاً بأول حزب الله.
4 – لا يسع حزب الله، وأمينه العام السيد حسن نصر الله بالذات، مراقبة مسار هذين الحوارين في حال تقدمهما، وينحو في وجهة معاكسة لهما. إذذاك لا مناص له من العودة الى الانخراط في اللعبة اللبنانية من باب المتساهل، كونه أقوى الأفرقاء، الأقدر تأثيراً على الآخرين حلفاء وخصوماً، بدءاً بمرجعيتي تأليف الحكومة رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، وانتهاء بانتظام السلطة والتوازنات الداخلية، ومن ثم الانتقال الى الملف الكياني لدى الحزب وهو سلاحه.
ما يبدو صحيحاً ان ليس في عقل حزب الله حلفاء واعداء على الطريقة اللبنانية. يولدون فجأة. يتقلّبون، يغادرون، يعودون نادمين صاغرين، يمتثلون، يطعنون في الظهر. في حسبانه ان هؤلاء – وهم الطبقة السياسية الحالية – يحتاجون إليه على الطريقة اللبنانية للوصول الى اوسع مساحة في السلطة والنفوذ والإثراء، على غرار ما فعلوا في الحقبة السورية، فيما عليه أن يزن هو الثمن البخس الذي يطلبونه بالكلفة العالية التي يريد تفاديها، لقاء انتفاخ حجمه في المعادلتين الوطنية والاقليمية.
منذ عام 2006 أرسى تحالفاً وطيداً مع أقوى الأفرقاء المسيحيين هو عون وتياره، لا يزال مستمراً دونما أن يتنصل منه موقّعاه، وإن أفرطا في الكلام المعلن عن ضرورة تطويره وتحسينه وملاقاة التطورات. منذ عام 2008، على إثر أحداث 7 أيار، أرسى تفاهم الضرورة مع الحريري وتياره ومع وليد جنبلاط، توخى حسن الجوار الشيعي – السنّي، والشيعي – الدرزي. مذذاك سُحب فتيل الصراع المذهبي من الشارع، وأضحى الحريري مرشحه المفضل لدخول السرايا تكريساً لتفاهم الضرورة. صار طبيعياً أن يقع الرئيس المكلف اليوم في فخ تفاهم الضرورة الذي احتاج إليه منذ عام 2008 كي يحتفظ بصورة السنّي المعتدل، الحليف الأفضل للثنائي الشيعي والشريك الحتمي له، الأقل ضرراً والأكثر استعداداً للتدرّب على يديه والنضوج.
مشكلة الفخ اليوم أن الحريري لا يريد تأليف حكومة لا ترضي حزب الله أو لا يتمثل فيها على نحو مباشر أو غير مباشر، وفي الوقت نفسه يعرف أن حكومة كهذه تبقي غضب الرياض مستعراً في وجهه وأبوابها موصدة حتماً. وهذا ما لا يقوى عليه أيضاً.