نصرالله لا يضرب يده على الطاولة: فرصة حكومية.. ناقصة

حسين أيوب-180Post

فتح الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله كوة في جدار الأزمة السياسية. تحدث عن جهود جادة وجماعية ومن جهات متعددة، في الساعات الأخيرة، لتذليل العقبات أمام ولادة الحكومة الجديدة بعدما إستنفد البلد وقته وروحه. فماذا في التفاصيل؟

لم يأت تعميم المناخ الداخلي الإيجابي من الفراغ. إنه تعبير عن تقاطع الداخل والخارج معاً، بعدما إنتفت المسافات وصار باتريك دوريل، على سبيل المثال لا الحصر، شخصية يحضر إسمها في الصالوناتالسياسية اللبنانية، حاله حال سفراء دول كبرى، يصولون ويجولون ويقدمون أفكارهم الحكومية اللبنانية!

أولاً، تشي أجواء واشنطن بأن الإدارة الأميركية لم تبلور أية رؤية لسياستها اللبنانية. الدعم الأميركي للمبادرة الفرنسية ما زال قائماً. لا مصلحة للأميركيين بإنهيار الوضع اللبناني إلى حد تشكيل خطر على المنظومة الإقليمية. العقوبات الأميركية بحق شخصيات لبنانية ستبقى معلقة حتى أيار/ مايو المقبل، وهو تاريخ غير مقدس وقابل للتمديد أو الإختصار، تبعاً للمعطيات السياسية اللبنانية والإقليمية والدولية. اللافت للإنتباه أن لا مشكلة إسمها تمثيل حزب الله عند الأميركيين. سبق للأميركيين أن تعاملوا مع حكومات كان الحزب ممثلاُ فيها وهي قابلة للتكرار. ممنوع إختيار وزراء فاسدين من أي لون سياسي كان. السفيرة باربرا ليف ستحل محل ديفيد شينكر في موقع مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، في غضون الأسابيع القليلة المقبلة. الأميركيون جازمون في التأكيد أن لا حروب في المنطقة، من أي نوع كان، بإتفاق مع إيران أو من دونه. الأولوية للتحشيد ضد الصين أولاً وروسيا ثانياً. نقطة الخلاف المركزية مع إيران تتصل بتعهد الأميركيين للإسرائيليين بتعديل الإتفاق النووي لمصلحة بندي الصواريخ البالستية والنفوذ الإقليمي (دور إيران وأذرعتها في الإقليم)..

ثانياً، الفرنسيون أجروا مراجعة للوضع في لبنان والشرق الأوسط. ثمة مخاوف فرنسية متعاظمة عبروا عنها من إعادة صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في كل من العراق وسوريا ولبنان، وهم أبلغوا اللواء عباس إبراهيم ما يكفي من المعلومات التي تسند مخاوفهم. لذلك، لم يتراجع إهتمامهم اللبناني. الفشل في لبنان هو فشل لسياستهم الشرق أوسطية. لا ثوابت عندهم تتفوق على إستقرار لبنان ليس حباً بلبنان بل خشية إرتدادات الإرتطام اللبناني على أمنهم القومي (اليونيفيل، النزوح السوري، الغاز المتوسطي إلخ..). عقوباتهم التي يلوحون بها ليست من النوع الذي يوجع. هل يؤدي قرار منع السفر إلى كل دول الإتحاد الأوروبي إلى جعل شخصيات لبنانية من ضمن فريق رئيس الجمهورية تدفع بإتجاه التسوية في الداخل اللبناني؟ السؤال يطرحه الفرنسيون ولا يملكون جواباً، خاصة وأن من نال عقوبات أميركية مثل جبران باسيل لن تخيفه العقوبات الأوروبية نهائياً.

ثالثاً، يتعامل الإيرانيون مع الملف اللبناني بوصفه ملفاً يخص حزب الله بصورة خاصة. إستقبل السيد نصرالله في الساعات الأخيرة موفداً إيرانياً كبيراً لم يحمل أية رسالة خاصة بالوضع اللبناني. هذا الملف يقرر فيه نصرالله. هذا هو جواب طهران لكل من راجعها ويراجعها. أكثر من ذلك. قبل يومين، فشلت محاولة جمع الحوثيين والسعوديين في مسقط. السبب هو إشتراط الحوثيين دخول عشر بواخر محملة بالمواد الغذائية إلى ميناء الحديدة، لكن السعوديين أصروا على السماح بدخول باخرة واحدة، الأمر الذي إستدعى إستنجاد الرياض برئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي الذي راجع قيادة حزب الله، فكان الجواب هو نفسه الذي قاله السيد نصرالله في خطابه اليوم: الحوثيون هم من يقرر في هذه النقطة وفي الملف كله. رؤيتهم تقول بوقف النار وفك الحصار ونحن نؤيدهم.. لذلك، قولوا للسعوديين ألا يضيعوا وقتهم (إشارة مبطنة إلى ما يمكن أن يحصل من تطورات في مأرب في الساعات والأيام المقبلة).

رابعاً، لبنانياً، كان لافتاً للإنتباه حرص رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري على إرسال إشارات عبر بكركي والسفيرة الأميركية ورئيس مجلس النواب نبيه بري بأنه ليس مهماً أن تكون الحكومة من 18 أو من 24 وزيراً، لكن الأهم هو عدم التنازل عن ثابتتين: الأولى أن لا ينال أي طرف في الحكومة “الثلث العاطل” كما يسميه بري. الثانية، أن تضم الحكومة وزراء إختصاصيين.

هذه الإشارات الحريرية تلقفتها جهات عديدة بالمعنى الإيجابي. تردد أن رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر عُرضت عليهما صيغة تسمية ثمانية وزراء هم سبعة وزراء مسيحيين من أصل 12 بينهم ممثل حزب الطاشناق، بالإضافة إلى وزير درزي من حصة النائب طلال ارسلان. لم يقدم عون وباسيل موافقتهما النهائية حتى الآن، لكن الثابت إدراكهما أن الرابح الأكبر في الشارع المسيحي من إستمرار الفراغ أو الفوضى هو حزب القوات اللبنانية، وفي المقابل، لن تقتصر الخسارة عليهما بل على حليفهما حزب الله الذي لم يواجه وضعا مسيحيا اسوأ مما هو عليه اليوم في ظل تراجع شعبية التيار الحر من جهة وإفتقاده لرافعات مسيحية جدية بديلة، ناهيك عن الخسارات التي يتعرض لها في البيئات اللبنانية الأخرى.

ومن يقرأ ما قاله العماد ميشال عون يوم (الأربعاء) للزميل في قناة “الجديد” آدم شمس الدين، يدرك أن الرجل وصل إلى “خط النهاية”. الرئاسة كبلت “الجنرال”. سأله آدم شمس الدين “بين الجنرال التسونامي المتحرّر من كل قيد، والرئيس المكبل هل من مفاضلة”؟ فأجابه عون “من فترة قلتلها لمرتي (ناديا) يا ريت ورتت بستان جدي وما عملت رئيس جمهورية”!

لا يمكن البناء على هذه العبارة. يمكن البناء فقط على ضمانات مؤكدة بعدم تمسك جبران باسيل بالثلث المعطل، لكن المعضلة تتبدى في مكان آخر. باسيل ما زال متمسكاً بمعادلته التاريخية: “أتينا أنا وسعد.. ونذهب سوية”، أي أنه لا يريد للحريري أن يكون رئيساً للحكومة فكيف سيسمح له بالتأليف؟

من الواضح أن الضغط الأوروبي المستند إلى ضوء أخضر أميركي قد يعطل أية فرصة يريد أن يستنجد بها باسيل في المستقبل القريب لأجل “التحرر” من العقوبات الأميركية. قرار الأوروبيين بحظر السفر وتجميد الحسابات المالية لشخصيات لبنانية هو قرار أميركي في مضمونه، وهذا ما يؤكده أحد سفراء الدول الكبرى في العاصمة اللبنانية. هل تنجح صيغة الـ 24 وزيراً؟

أعطى السيد حسن نصرالله جرعة للناس، لكن من يقرأ خطابه والمندرجات التي تطرق إليها يدرك أن الحزب لم يصل بعد إلى مرحلة ضرب اليد على الطاولة. لذلك، تبدو الأفخاخ أمام صيغة الـ 24 كثيرة، وأبرزها أن عون وباسيل، ومن خلال التوسيع الحكومي، سيعطون الآخرين حق تسمية خمسة وزراء مسيحيين من أصل 12، فكيف ينال المسيحيون حقوقهم في هذه الحالة إذا أضافوا إليها وزيراً درزياً بينما تكون حقوقهم ناقصة في صيغة الـ 18 التي يسمي فيها عون وباسيل ستة وزراء من أصل تسعة ومن دون وزير درزي؟

الأفخاخ في صيغة الـ 24 وزيراً أكثر من أن تحصى وتعد (الحقائب والأثلاث وغيرها)، ولذلك، وجب الحذر والقول إن أوان التأليف الحكومي لم ينضج بعد، برغم حالة الإهتراء الإقتصادي والمالي والمعيشي، وهي حالة قابلة للتفاقم أكثر فأكثر مع وصول الإحتياطي الإلزامي لمصرف لبنان إلى 15 مليار دولار اليوم (الأربعاء) في الحادي والثلاثين من آذار/ مارس الجاري، الأمر الذي يجعل مصرف لبنان، بحاكمه ومجلسه المركزي، يدفع بإتجاه تسريع قرار رفع الدعم عن المحروقات والدواء والغذاء.. للبحث صلة.

 

Exit mobile version