معاهدة التعاوُن الاستراتيجي الصينية – الإيرانية: كابوس بريجنسكي يتحقّق

 

الأخبار- وليد شرارة

عندما تَحوّلت الولايات المتحدة إلى قوة دولية كبرى بعد الحرب العالمية الثانية، كان الهدف المركزي لاستراتيجيتها الكبرى، المستنِد إلى إسهامات كبار المفكّرين الجيوستراتيجيين من أمثال هالفورد ماكيندر وألفريد ماهان، منعَ تشكُّل فضاءٍ أوراسي متشابك المصالح ومتفاعل إيجابياً على المستوى السياسي، يحول دون هيمنتها على ما تُسمّيه “العالم القديم”. هي، بهذا المعنى، سعت إلى تطبيق مبدأ “فرّق تَسُد”، الذي استخدمه المستعمِرون داخل البلدان الخاضعة لسيطرتهم، ولكن على صعيد الكوكب بمجمله. ومن دون التقليل من أهمّية البعد الأيديولوجي في موقفها من الاتحاد السوفياتي، فإن البعد الجيواستراتيجي، أي بسط هيمنتها على بقية العالم، الممتدّ من أوروبا إلى آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بذريعة مقاومة الشيوعية، كان هدفاً بذاته. الهيمنة كانت الهدف، ومكافحة الشيوعية كانت الذريعة. وقد أكدت التطوُّرات التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي، هذه الحقيقة. لم يمنَع هذا السقوط واشنطن من المُضيّ في سياسة احتواء روسيا وتطويقها، واعتماد سياسة مشابهة في السنوات التي تلت، حيال الصين، وكذلك تجاه الدول المستقلّة في الجنوب، ومن بينها إيران.

كابوس بريجنسكي، وكبار الاستراتيجيين الأميركيين، في طور التحقُّق، والأنكى أن “الفضل” في ذلك يعود جزئياً إلى الإدارات الأميركية المتعاقبة (أ ف ب)

“غطرسة القوة” التي سادت لدى صنّاع القرار في قلب الإمبراطورية الأميركية عزّزت اقتناعهم بإمكان اتّباع سياسات عدائية ضدّ مجموعة من الأطراف التي تمتلك مقوّمات سياسية وعسكرية واقتصادية، وعمقاً تاريخياً وثقافياً في الآن نفسه، لحملهم على الإذعان لزعامتها الأحادية، والقبول بإملاءاتها التي تتناقض مع أمنهم القومي ومصالحهم الحيوية، بل هي استخفّت بهم إلى درجة أنها اعتقدت أن بإمكانها توسيع دائرة نفوذها العالمي والشرق أوسطي بحجّة الحرب على الإرهاب، وأن استعراض قوّتها النارية الهائلة خلال عملية غزو العراق في 2003، والتي سُمّيت عن قصد “الصدم والترويع”، سيكون كفيلاً بإحباط أيّ استعداد لتحدّي هيمنتها من قِبَلهم. بقيّة القصة باتت معروفة. غرقت الولايات المتحدة في حروبها في العراق وأفغانستان، وأتت الأزمة المالية – الاقتصادية في 2008 – 2009 لتُظهر هشاشة نموذجها الاقتصادي النيوليبرالي، ولتستغلّ الصين وروسيا وإيران، ودول أخرى في جنوب العالم، هذا السياق، ولو بدرجات متفاوتة، لتطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية، وكذلك دورها السياسي على الصُعُد الإقليمية وحتى الدولية.
عندما وصل باراك أوباما الى السلطة، والتفَت إلى تسارُع التحوُّلات في موازين القوى العالمية مع القوى المرشَّحة فعلاً لمنافَسة بلاده في مستقبل قريب على الريادة، أعلن “استدارته” الشهيرة نحو آسيا، مُصنِّفاً الصين تهديداً رئيساً، لكنه لم يتراجع عن خطّة تطويق روسيا عبر الإصرار على وصول “الناتو” إلى حدودها من خلال ضمّ جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف، ولا عن نشر المنظومات المضادّة للصواريخ في جوارها. في تلك المرحلة، حذّر بعض كبار المفكّرين الاستراتيجيين الأميركيين، من أمثال زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي للرئيس الأسبق جيمي كارتر، وبرنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي لجورج بوش الأب، وهنري كيسنجر، من مغبّة استعداء روسيا والصين في الوقت نفسه، لكن السياسات المُتّبعة من قِبَل إدارة أوباما، ومِن بعدها إدارة دونالد ترامب، وصولاً إلى إدارة بايدن الحالية، لم تُعِر انتباهاً إلى مثل هذه التحذيرات. التقارُب التدريجي بين روسيا والصين، وكذلك بين هاتين الدولتين وإيران، ارتبط أساساً باستهدافهم جميعاً من قِبَل الولايات المتحدة.

وهو انتقل من كونه، في بداياته، تقاطُعاً ظرفياً في المواقف والمصالح، إلى التنسيق المستمرّ في مواجهة العدوانية الأميركية، ليرتقي في السنوات الأخيرة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، والتي تُعبّر عنها راهناً الاتفاقية الصينية – الإيرانية، التي تفيد مصادر مطّلعة، “الأخبار”، بأن موسكو لعبت دوراً مهمّاً في تذليل بعض العقبات، حتى يتمكّن الطرفان من التوصُّل إلى تفاهم كامل تُرجم بتوقيعها.لقد كان للعدوانية الأميركية دور حاسم في دفْع أطراف لا مشتركات أيديولوجية بينهم إلى العمل على التعاوُن السياسي والعسكري، وعلى تنمية شبكة ضخمة من المصالح الاقتصادية في ما بينهم، تندرج في إطار مسار بناء فضاء أوراسي تلعب فيه الصين دور القاطرة المركزية. كابوس بريجنسكي، وكبار الاستراتيجيين الأميركيين، في طور التحقُّق، والأنكى أن “الفضل” في ذلك يعود جزئياً إلى الإدارات الأميركية المتعاقبة، جمهورية كانت أو ديمقراطية، وإلى أوهام القوة والسيطرة التي حكمت سياساتها الخارجية.

Exit mobile version