اقتراح علي حسن خليل… يوقظ وحش “تصحيح الرواتب”؟

 

عماد الشدياق – أساس ميديا

أن يقدّم النائب علي حسن خليل اقتراح قانون ولا يدرجه رئيس مجلس النواب نبيه بري على جدول أعمال جلسة المجلس النيابي، يعني واحدًا من أمرين: إما أنّ الاقتراح لاقى رفضًا عارمًا فجرى التخلّي عنه  في أقلّ من 24 ساعة، أو أنّ الاقتراح لم يكن جِدّيًّا بقدر ما كان الهدف منه تحريض موظفي الدولة، بدءًا بالعسكريين، وصولًا إلى المتعاقدين والمتقاعدين والمياومين والنقابات… علّ فتح نقاش تصحيح الرواتب والأجور يُضاف إلى مطاب الثوّار ويخلق موجة جديدة من الاحتجاجات في الشارع، بعدما تراخى الشارع وتراجع ارتباط اللبنانيين به في الآونة الأخيرة. وبالطبع سيندرج هذا في إطار الضغط على الرئيس ميشال عون وصهره، لعلّه يؤدي إلى الإسراع في تشكيل حكومة طال انتظارها.

وبالفعل، فإنّ اقتراح وزير المالية السابق منح مليون ليرة شهريًا للعسكريين، على ستة أشهر، كان كفيلًا بإطلاق تلك الشرارة في صفوف القطاعات كلها. فالمتعاقدون عادوا إلى المطالبة بمستحقاتهم، ورابطة موظفي الإدارة العامة دعت السلطة إلى ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة، من أجل “حماية معيشة الموظف وكرامته التي أصبحت في الحضيض”، وطالبت بمنح جميع الموظفين “من دون استثناء”، دفعة على غلاء المعيشة “لا تقلّ عن مليون ليرة لبنانية”، معلنة نيّتها الإضراب العام والشامل والمفتوح، ابتداءً من يوم الإثنين المقبل.

إذًا، رقم المليون هذا، هو نفسه الذي ورد في اقتراح علي حسن خليل تحت مسمّى “سلفة على غلاء المعيشة”، ويُرجّح أن يُغضّ النظر عنه… فتستمرّ موجة المطالبة به أو بما يشبهه، وتتوسع إلى القطاعات الأخرى.

معلومات خاصة بـ”أساس” مصدرها أوساط مصرف لبنان، كشفت “امتعاض المركزي” من هذا الاقتراح، خصوصًا أنّه جاء ليلقي كالعادة بالمسؤولية على المصرف المركزي من دون السلطة السياسية، التي تنتظر من مصرف لبنان عند كل أزمة، أن يتدخل بالنيابة عنها، وعلى حساب خزينة الدولة وسعر الصرف.

الأوساط كشفت أيضًا أنّ خطوة كهذه ستكون كفيلةً بـ”إطلاق موجة تضخّم أعنف” مما شهدناه منذ بداية الأزمة على مدى الأشهر الـ18 الماضية. متوقّعة أن يكون الرقم المتوخى لتغطية هذه السلفة، “قرابة 630 مليار ليرة لبنانية على 6 أشهر، أي بمعدل 105 مليارات شهريًّا”.

وتعتبر الأوساط أنّ “الشيطان يكمن في التفاصيل” وأنّ حجم السلفة مؤهل لأن يرتفع أكثر، في حال انسحب على المتقاعدين أو على ذوي العسكريين المتوفّين المستفيدين من المعاشات التقاعدية.

وفي هذا الصدد، يقول الخبير الاقتصادي في “بنك بيبلوس” نسيب غبريل، إنّ أحدًا ليس ضدّ فكرة دعم القدرة الشرائيّة لعناصر الجيش اللبناني، إلّا أنّ خطوة من هذا النوع قد تكون “بحاجة إلى بحث عن مصادر تمويل”، ويسأل في هذا الخصوص: “هل ستكون الأموال من خزينة الدولة؟ هل تمتلك الخزينة هذه الأرقام؟ أم إنّ المهمة ستوكل إلى مصرف لبنان الذي سيطبع تلك الأموال، وتتسبب بمزيد من التضخم؟”، مستبعدًا في الوقت نفسه، أن يكون مصرف لبنان قد وُضع مسبّقًا في جوّ هذا الاقتراح.

غبريل كشف أنّ الرقم المتوقّع لتغطية هذه السلفة سيتراوح بين 600 و800 مليار ليرة لبنانية، وهو رقم كبير وقد لا يؤدي إلى الهدف المرجوّ منه (تعزيز القدرة الشرائية)، بسبب التضخّم الذي سيتسبّب به حكمًا، وأنّه كان سيشعل أسعار السلع حتى قبل ضخّ الأموال في السوق، مشددًا على أنّ “قرارات كهذه لا تُتخّذ إلاّ ضمن دراسة جدوى كاملة وسلة اصلاحية دقيقة، تتعلّق بدراسة النفقات والإيرادات وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومكافحة التهريب، وتنتهي بالجلوس مجددًا على مائدة التفاوض مع صندوق النقد الدولي”.

وقد يسأل البعض ألا يُعدّ رقم 105 مليارات متواضعًا مقارنة بالتريليونات التي يضخها شهريًّا مصرف لبنان في السوق؟ فمنذ اندلاع الأزمة الاقتصادية في 17 تشرين الأول 2019 يقوم مصرف لبنان بضخّ ما معدله 2.2 تريليون ليرة لبنانية شهريًّا في السوق.

هذا التساؤل يجيب عنه خبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي، لـ”أساس”، فيؤكد أنّ هذه السلفة (105 مليار شهريًّا) سيكون وقعها التضخّمي عظيم جدًّا وأكبر من وقع التريليونات التي ضُخّت منذ بداية الازمة، لأنّها ستكون للاستهلاك المباشر في المواد الغذائية والأطعمة والحاجات اليومية.

أما تلك التريليونات (2.2 تريليون شهريًّا) فيرى فحيلي أنّ أغلبها ناتج عن سحب الودائع الدولارية بالليرة اللبنانية، وأنّ “أغلبها لا يذهب إلى الاستهلاك المباشر في السوق، وإنمّا إلى التخزين في المنازل وفي الشركات التجارية”، مذكّرًا بأنّ مصرف لبنان “طلب من المستوردين تأمين الأموال نقدًا في المصارف، من أجل بيعه الدولارات المدعومة في عمليات الاستيراد، وبالتالي فإنّ هذا الأمر يعني أنّ جزءًا كبيرًا من هذه الأموال غير موجود في التداول، وإنّما مخبّأ في الخزنات”.

يعتبر فحيلي أنّ “أهمية التخزين تكمن في أنّ المواطن يسحب وديعته ضمن السقوف التي تسمح بها المصارف، بغضّ النظر إن كان بحاجة إليه أم لا، أولّا أنّ الثقة بين المصرف والمودعين منهارة بالكامل، وهذا ما يدفعهم إلى القيام بذلك، وثانيًا لأنّ المودع لن يكون مضطرًّا إلى الرضوخ لأهواء المصرف”. وبالتالي فإنّ السلفة المفترضة سيكون وقعها أشدّ، على الرغم من أنّ الأخيرة تمثّل 20 ضعفًا من الأموال الناتجة عن سحب الودائع فقط، لكنّ وجهة استعمالها مختلفة كليًّا وهنا مكمن الخطر.

كل هذا ويبقى السؤال معلّقًا: ما الذي حرّك وزير المالية السابق للتقدم بهذا الاقتراح؟

المعلومات تؤكّد أنّ أكثر المتضررين من الأزمة هم فئات اللبنانيين الذين يحصلون على رواتبهم بالليرة اللبنانية، ولم يحصلوا على أيّ زودات. هذه الفئة جلّها من القطاع العام  الذي ضاق ذرعًا من تأخير تشكيل الحكومة. فلا ننسى أنّ شرارة الاحتجاجات بدأت الأسبوع الفائت من المناطق المحسوبة على “حركة أمل”، في حين نظيرة هذه البيئة هي تلك البيئة المحسوبة على “حزب الله”، والتي تقبض بـ”الدولار الحلال” ولا تجد نفسها متضرّرة كثيرًا من الأزمة.

علي حسن خليل فتح صندوق باندورا، وتصحيح الرواتب قد يصير حديث الناس في الفترة المقبلة، حتّى بعد سحب الوزير خليل لاقتراحه من التداول.

Exit mobile version