بالأرقام: السلع المدعومة مفقودة.. والأسوأ لم يحدث بعد

تواصل أسعار المواد الغذائية ارتفاعها المستمر ولا تزال الأسواق اللبنانية تنتظر ما ستؤول إليه التجاذبات السياسية بين الرؤساء الثلاثة، سواء لجهة الإنفراج أو التعقيد، إذ شهدت سوق الصرف تدهوراً ملفتاً بدرجة 650 ليرة لبنانية مقابل الدولار في أقل من 24 ساعة وما زالت تتمايل بين الزيادة والنقصان غير الممسوك، وفق ما ورد في “نداء الوطن”.

وفيما قررت عدة دول إعفاء السلع الأساسية من الرسوم الجمركية لمدة 6 أشهر بفعل ما تكبدته من خسائر بسبب جائحة “كورونا”، أو تخفيض نسبة الضرائب على المبيعات أو على الأقل فرض رسوم عقابية على المحتكرين للسلع من التجار بما ينعكس إيجاباً على سعر المبيع للمستهلك، تغيب الدولة اللبنانية عن طرح أي حلول جذرية في ظل غياب القدرة وزارياً على الضبط وتصريف الأعمال بما يتناسب مع المشاكل الإقتصادية حتى وصل الأمر بالتفلت الى صدور قوانين احتكارية هجينة في بعض السوبرماركات لا يُحاسب عليها أحد.

الترشيد بدأ.. المحروقات والمواد الغذائية

ولفتت صحيفة “الأخبار” الى أن مصرف لبنان بدأ ترشيد الدعم بشكل فعلي. وكشفت أن مستوردي المحروقات الذين كانوا يستوردون أربع بواخر شهرياً، على سبيل المثال، صاروا يستوردون ثلاثاً. لم يقلّصوا استيرادهم بإرادتهم، لكن مصرف لبنان، بعدما كان يعطي الموافقة على الدعم خلال أسبوع، صار يحتاج بين عشرة و15 يوماً أو أكثر للموافقة. الأمر نفسه يحصل بالنسبة إلى المواد الغذائية. بعد أن عمد المصرف إلى تقليص الكوتا المخصصة لوزارات الاقتصاد والزراعة والصناعة من 220 مليون دولار إلى 80 مليون دولار، صار بديهياً أن تُخفّض تلك الوزارات الكميات التي توافق على استيرادها.

وأشارت “الأخبار” ألى أن تجّارا عاملون في المواد المدعومة يشكون من تأخر مصرف لبنان في الدفع للموردين الأجانب، ما يؤدي أيضاً إلى تأخير وصول الشحنات وتوزيعها. وبحسب معلومات “الأخبار”، فإن هذا السلوك بدأ يشكّل عبئاً على المستوردين، الذين يعمد بعضهم إلى سحب الملفات المقدّمة إلى وزارة الاقتصاد للحصول على الدعم، بعد أن قرروا التوقف عن الاتجار بالمواد المدعومة.

كيلو اللوبيا بـ 19 ألفاً والثوم بـ 20 ألفاً!

على صعيد متصل، أفادت “الأخبار” أن سعر كيلو الفليفلة الحلوة، وصل أمس، إلى تسعة آلاف ليرة، وكيلو اللوبيا إلى 19 ألفاً، فيما تجاوز سعر كيلو الثوم الـ 20 ألفاً. بحسب أرقام جمعية حماية المُستهلك، طال ارتفاع الأسعار كل أنواع الحشائش ومعظم أنواع الفواكه. لكن هذه قد لا تكون إلا «بداية» الكارثة، مع توقع مزيد من الارتفاع في الأسعار في الأيام القليلة المُقبلة. فوفق رئيس تجمع مزارعي وفلاحي البقاع إبراهيم ترشيشي، «فرملة الأسعار مرهونة بتسيير معاملات المزارعين العالقة بين وزارة الاقتصاد ومصرف لبنان».

ترشيشي أوضح أن الدعم طال نحو 50% من معاملات المُستلزمات الزراعية من بذور وأسمدة وأدوية، «والمطلوب استكمال الدعم كي لا تتأثر أسعار المنتجات بشكل دائم بالارتفاع المتواصل لسعر الدولار في السوق السوداء»، مشيراً إلى إطلاق التجمع «مبادرة» لتثبيت «دولار الخضار والفواكه» على 3900 ليرة، مقابل تسيير بقية المعاملات، «لتبقى الأسعار شبه ثابتة في الفترة المُقبلة».

وبالتوازي، تواصل أسعار بقية المواد الغذائية التغيّر يومياً، بحسب سعر الصرف حيناً، ومزاج التجار أحياناً، فيما حذّر «مرصد الأزمة» في الجامعة الأميركية في بيروت من أن «الأسوأ لم يحدث بعد». وأوضح، في بيان، أن استمرار بعض الخدمات كالإيجارات والرسوم المتعلقة بالصحة والتعليم والمسكن وفق سعر الصرف الرسمي، ساهم بعدم ارتفاعها بشكل كبير، علماً بأن الإنفاق على الأبواب الثلاثة الأخيرة يشكّل 43% من موازنات الأسر في لبنان. لكن «الثبات» في أسعار هذه الخدمات لن يستمر في ظلّ نفاد الاحتياطيات بالعملة الأجنبية. لذلك، نبّه المرصد الى أن «رفع الدعم سيأخذ الأمور إلى منحى خطير بسبب التآكل التام في القيمة الشرائية وتلاشيها لمعظم اللبنانيين والعاملين في لبنان ممن يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية، كالعاملين في القطاع العام والأجهزة الأمنية والعسكرية».

كما تسارع ارتفاع أسعار السلع في السوبرماركات ليواكب هذا تحليق الدولار العالي والذي يزيد تضاؤل القدرة الشرائية والتضخّم وانهيار الليرة اللبنانية غير المسبوق، فلماذا عدّاد تسعيرة السلع لا يكلّ ولا يتعب ويسجّل ارتفاعات يومية لدى السوبرماركات؟

تقول المعادلة القائمة، بين التاجر والمستورد على التالي، بحسب “نداء الوطن”: “لا يمكن اتباع قاعدة اذا التاجر اشترى البضائع على السعر القديم، يجب أن يبيع السلع تلك على السعر نفسه”، أوضح رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي لـ”نداء الوطن”. وأضاف: “رأس مال المستورد هي البضاعة وليس سعرها بالليرة اللبنانية. فإذا كانت سلعة ما بقيمة دولار واحد، على المستورد أن يحصّل الدولار ليستورد سواها”. فاذا باع تلك السلعة على سعر 8000 ليرة وهو السعر الذي كان عليه الدولار عندما اشترى المنتج، وليس 10آلاف ليرة وهو السعر الحالي، فلا يمكن للمستورد أن يستحصل على المبلغ الذي يلزمه لشراء السلعة، وهذا يدرج ضمن مبدأ الـReplacement Cost، اذ ترتفع الأسعار تلقائياً عندما يزيد سعر صرف الدولار ولكن في المقابل، حتى ولو البضاعة احتسبت على سعر مرتفع وانخفض سعر صرف الدولار يجب خفض الأسعار بدورها”. الأمر الذي لا يحصل فعلياً على الأرض إلا بعد فترة من الوقت على الإستقرار على الإنخفاض.

وهنا عاد وأكّد بحصلي أن “مبدأ التسعير بين المستورد وتاجر التجزئة هو الدولار والصنف، وليس بدولار مرتفع وآخر منخفض، المبدأ تحصيل ثمن البضاعة التي سيستورد”.

مزيد من الإرتفاع

اذاً الأسعار ذاهبة نحو مزيد من الإرتفاع وذلك بسبب الأجواء التشاؤمية والمبشّرة بأن لا حدود لسعر الصرف. في هذا الإطار قال بحصلي: “دخلنا في حلقة جديدة من الزيادة في الأسعار الناتجة عن ارتفاع سعر الصّرف، وهذا المنحى متواصل منذ صعود الدّولار من مستوى 1515 ليرة إلى يومنا هذا، والمخيف اليوم، الإجماع الحاصل على استمرار الأجواء السوداوية ومعها ارتفاع الدولار”.

وبالنسبة الى السلع المدعومة، أشار الى أن “الدّعم إختياري، والتاجر غير ملزم على استيراد أصناف مدعومة، علماً أن بعض التجّار يفضلون استيراد السّلع من رأسمالهم، نظراً الى تأخيرات مصرف لبنان بصرف الأموال”.

هذا وأثار شح المواد الغذائية خلال الفترة الماضية، مخاوف الأسر من استمرار الوضع، ما دفع البعض إلى شراء كميات من المواد والسلع الأساسية و”المونة” وتخزينها في المنازل، وهو ما فاقم الوضع، كما تقول لارا عبد الملك وهي تعمل كبائعة في أحد أكبر المتاجر في بيروت لـ”نداء الوطن” وتتابع “أولاً علينا الإعتراف أن أهالينا، وبخاصة منهم من كان في لبنان خلال الحرب الأهلية، يعانون من “تروما” بعض الشيء والخوف من الغد، ويميل البعض إلى تخزين المواد التي يمكن تخزينها، كالعدس والفاصوليا والأرز والحمص… كما أنهم بعض الشيء على حق، إذ أن اسعار السلع تتغير بشكل شبه أسبوعي وبدرجات جد مؤسفة”. ورداً على سؤال “ما هي أكثر السلع التي تظنين أن أسعارها باتت خيالية” قالت إنها “الفوط الصحية” حيث وبحسبها باتت غالبية الفتيات يشترين فوط الأمهات، لأنها الأرخص وفيها عدد أكبر من الفوط، بالرغم من أنها ليست مناسبة للخروج” وتتابع “لم تعد فقط ضريبة زهرية، باتت ضريبة وجودية”.

Exit mobile version