تحقيقات - ملفات

وقاحة الموقف الإيراني من البطريرك تجعلنا أكثر صمودًا..

 

قاسم يوسف – أساس ميديا

إيران منزعجة جدًّا من الخطاب التاريخي للبطريرك الماروني بشارة الراعي، وقد عبّرت بشكل واضح ومباشر ولا لبس فيه، عبر واحدة من أهم أذرعها الإعلامية الرسمية، عن امتعاضها الشديد من جرّاء مضمون الخطاب، فيما كان لافتًا خروج الرد عن أبسط قواعد اللياقات والتهذيب، حيث لامس حدود اتهامه بالخيانة والعمالة، والارتماء في أحضان إسرائيل.

هذه الرسالة نشرها الموقع الرسمي لقناة “العالم” الإيرانية تحت عنوان: “ابن بطرس على خطى بن سلمان وبن زايد … إلى التطبيع دُر”، ثم عاد وحذفها بعد وصولها إلى من يعنيهم الأمر، وقد تمحورت حول مجموعة من النقاط الأساسية، التي لا بد من تفصيلها والإشارة إليها، لا سيما وأنها تنطوي على تهديدات وإهانات، وعلى اتهامات غير مسبوقة بحق البطريرك.

أولًا: ثمّة ربط مقصود بين مواقف البطريرك حول حياد لبنان وتدويل أزمته وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، وبين معركة إيران المفتوحة مع دول محورية وأساسية ضمن العالم العربي، في رسالة شديدة التكثيف والوضوح، مفادها: أنّ تمسّك البطريرك بهذه المواقف، يعني ارتصافه في المحور المناهض لإيران في المنطقة، وبالتالي فإنه يصير هدفًا طبيعيًّا ومشروعًا، حاله حال السعودية والإمارات وغيرهما من الدول، والشخصيات المناهضة للسياسات الإيرانية في المنطقة.

ثانيًا: التصويب على مواقف البطريرك، ليس باعتبارها ثوابت وطنية وتاريخية طالما استندت إليها بكركي والبطاركة في مقاربة الشأن اللبناني، بل انطلاقًا من تقاطعها مع السلوك السياسي للدكتور سمير جعجع، حيث حاول المقال أن يربط بين الموقفين، وأن يعتبر كلام البطريرك مجرد اندفاعة تسبب بها بعض “الجماعات اليمينية المعروفة بعلاقاتها الوثيقة مع إسرائيل”، وفق ما ورد حرفيًّا في المقال، وهذا بحدّ ذاته إهانة موصوفة، وإصرار غير مسبوق على الاستهداف الشخصي والاغتيال المعنوي، بعيدًا عن أيّ مناقشة محترمة أو هادئة لمضمون خطابه الاستثنائي والتأسيسي.

ثالثًا: الإصرار على اعتماد أدبيات سافرة ومتوترة وحاقدة، لمخاطبة رأس الكنيسة المارونية في لبنان وسائر المشرق، حيث يدرك القارئ فورًا أنه أمام بيان مكتوب بلغة شديدة الوضاعة، وهي لغة لا تستوي في الردّ على مرجعية دينية ووطنية بحجم البطريرك الراعي، لكنها مقصودة ومتعمّدة.

رابعًا: المغازلة الإيرانية اللافتة للتيار الوطني الحر، على خلفية رفضهم لمواقف البطريرك، و”هي مواقف حذر من مخاطر مآلاتها الخيّرون من أبناء لبنان، ومن بينهم تيار قويّ ومؤثر من الطائفة المارونية، الذي يزعم بشارة الراعي تمثيلها”، على حدّ ما ورد في المقال، وهذا ما يجب أن يدقق فيه المسيحيون جيدًا، لا سيما أولئك المفتونون بالتجربة الإيرانية، والمنشغلون بالتنظير لأحلاف الأقليات.

كلّ وسائل الإعلام الملحقة بالمحور الإيراني هي مجرد أدوات موجهة، وتُشكل جزءًا لا يتجزّأ من أذرعته الحربية في المنطقة، ولا بد من التعاطي مع كل ما يرد فيها، انطلاقًا من هذه الثابتة التي لا تقبل أيّ مواربة أو تأويل، وبالتالي فإنّ هذا النوع من الاستهداف الممنهج للبطريرك، لا ينطوي على رفض أو امتعاض من مواقفه وحسب، بل يتخطاه إلى التهديد المباشر، وهو تهديد طالما برعت إيران في تسويقه وفي تنفيذه، الفارق هذه المرة أنها صارت أكثر عدائيّة ووضوحًا، وأنّنا صرنا في ركاب البطريرك أكثر تصميمًا وقدرةً على الصمود وعلى المواجهة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى