الحدث

حرب إدارة بايدن الناعمة والصلبة بغطاء حقوق الإنسان: هل تنجح في استعادة دور أميركا القيادي بعد سقوط هيمنتها؟

} حسن حردان-البناء

انقضى شهر على تسلّم إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مقاليد السلطة في الولايات المتحدة، اتضحت خلاله طبيعة الاستراتيجية التي قرّر اعتمادها في الخارج، بديلاً عن استراتيجية الإدارة الجمهورية السابقة برئاسة دونالد ترامب..

ويبدو انّ استراتيجية إدارة بايدن قرّرت الارتكاز على اعتماد سياسة خارجية تقوم على استخدام كلّ أسلحة القوة الأميركية، التي يمكن توظيفها في ساحات الصراع الأساسية.. تمزج بين نوعين من هذه الأسلحة بغية تحقيق الأهداف الأميركية:

النوع الاول، المزج بين الحرب في الميدان الناعم والميدان الصلب في بعض الأماكن، على غرار ما تقوم به في شمال شرق سورية والعراق، حيث تستخدم أسلوب إثارة التناقضات الداخلية ودعم القوى الموالية والضغط الاقتصادي لمنع الاستقرار، وتقوم باستخدام القوة العسكرية لتعزيز الجماعات التابعة لها، على غرار العدوان الذي قامت به أخيراً في شرق سورية على الحدود مع العراق، واستهدف مواقع لفصائل المقاومة العراقية..

النوع الثاني، اعتماد الحرب في الميدان الناعم في أماكن أخرى، غير متاح إمكانية استخدام القوة العسكرية فيها، ولو بحدود معينة.. وهو ما تتبعه في الصراع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية..

هذه الإستراتيجية البايدنية التي اعتمدت في عهد الرئيس باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، يجري تنفيذها اليوم بغطاء الدفاع عن حقوق الإنسان من خلال محاولة الظهور بمظهر من يسعى إلى تحقيق العدالة في جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، والحدّ من قمع حرية الرأي والتعبير في المملكة السعودية.. إلى جانب إظهار الحرص الخدّاع على السعي لاخراج الشعب اليمني من أزمته الإنسانية الناتجة عن الحرب الأميركية السعودية، التي يتعرّض لها منذ ست سنوات، والدعوة لوقف هذه الحرب،

وتسعى إدارة بايدن من وراء هذه الإستراتيجية، الى تلميع صورة السياسة الأميركية، والتمكن من تمرير الأهداف الأميركية المتمثلة في الآتي:

اولا، الحدّ من تداعيات فشل الحرب العسكرية والإرهابية على النفوذ الأميركي والأنظمة التابعة لواشنطن في المنطقة.. من خلال العمل على تحقيق التالي:

ـ التوصل إلى تسوية في اليمن تعيد تعويم القوى الموالية للولايات المتحدة والسعودية، وتحول دون تحرّر اليمن نهائياً من الهيمنة الأميركية السعودية.

ـ  رهن إنهاء الحرب الإرهابية في سورية وانسحاب القوات الأميركية المحتلة، بقبول الدولة السورية بحلّ سياسي يحقق إصلاحات سياسية تمكّن القوى التابعة لواشنطن من المشاركة في السلطة، والموافقة على إقامة حكم انفصالي في شمال شرق سورية، للقوى الكردية، المدعومة أميركياً.

ـ ربط سحب القوات الأميركية من العراق بموافقة الحكومة والبرلمان على إقامة قواعد عسكرية دائمة تحت عنوان محاربة الإرهاب، وتمكين الشركات الأميركية من الاستئثار بعمليات استخراج وبيع النفط العراقي..

ـ فرض تعديل الاتفاق النووي بما يحقق أهداف واشنطن وتل أبيب لتقويض البرنامج الصاروخي الإيراني وتشديد القيود على البرنامج النووي، كشرط لعودة الإدارة الأميركية إلى الاتفاق والالتزام بتعهّداتها فيه..

ثانيا، استعادة الدور القيادي الأميركي على الصعيد الدولي، بعد أن شهد تصدّعاً وتراجعاً ملحوظاً، وعزلة دولية.. تبدّى هذا التراجع في تصويت أغلبية اعضاء مجلس الأمن الدولى برفض مشاريع قرارات أميركية لإعادة فرض العقوبات الدولية على إيران، كما ظهر من خلال فشل الولايات المتحدة في التصدي لوباء كورونا داخلياً من ناحية، وفي لعب دور عالمي لتنسيق الجهود الدولية في مواجهته من ناحية ثانية.. فيما برز في المقابل تقدّم الصين للحلول مكانها في لعب هذا الدور في مساعدة الدول على مكافحة الوباء.. وادّى ذلك إلى إحداث أزمة في العلاقات الأوروبية الأميركية، زاد منها حرب ترامب التجارية، التي لم توفر دول الاتحاد الأوروبي.. هذا التوجه لاستعادة الدور الأميركي تمثل في مسارعة إدارة بايدن إلى إصلاح الخلل الذي أصاب العلاقات الأميركية الأوروبية، لإعادة اللحمة إلى التحالف الأميركي الأوروبي باعتباره ركيزة أساسية للتنسيق المشترك في كيفية إحياء العمل بالاتفاق النووي مع إيران، ومواجهة التهديد الصيني الروسي للدور القيادي الأميركي.. ولهذا فإنّ أنتوني بلينكن وزير الخارجية الأميركي، أكد على ضرورة تغيير نمط إدارة الأزمات والقضايا الدولية من «المقاربة الأحادية» التي كان يعتمدها ترامب إلى مقاربة «الشراكة مع الحلفاء».. وهو ما تراهن عليه برلين وباريس وبروكسيل لإخراج العلاقات الأطلسية من مستنقع الشكوك والخلافات التي ظهرت في عهد إدارة ترامب، وإعادتها إلى سكة التنسيق والتعاون العميق… لكن هذا الرهان سيتمّ اختباره في مستوى المفاوضات التجارية وفي صلب حلف الناتو وفي ملفات أخرى مثل إدارة العلاقة مع روسيا والملف النووي الإيرانيوهو اختبار أيضاً لتوجهات الأوروبيين الذين يبدو أنهم أخذوا عبرة من أزمات عديدة وخصوصاً سورية وليبيا، بالسعي لبناء قوة أوروبية مستقلة عن أميركا التي تريد أوروبا أداة في خدمة مصالحها، دون مراعاة الحدّ الأدنى للمصالح الأوروبية..

لكن هل تنجح هذه الإستراتيجية البايدنية في تحقيق أهدافها المذكورة؟

الوقائع والمعطيات في المنطقة والعالم تؤشر إلى ما يلي:

أ ـ إنّ الولايات المتحدة التي فقدت هيمنتها الأحادية بعد فشل حروبها العسكرية المباشرة في أفغانستان والعراق، وإخفاق حربها الإرهابية غير المباشرة في تعويض هذا الفشل وإعادة تعويم مشروع الهيمنة الأميركي، لم تعد قادرة اليوم على فرض أهدافها بسبب التغيّرات في موازين في مصلحة دول وقوى حلف المقاومة الذي ازداد قوة وتوسع بعد أن نجحت المقاومة اليمنية في إحباط أهداف الحرب على اليمن.. وباتت قوة تحرّرية يُحسب حسابها من قبل واشنطن التي اضطرت مكرهة إلى دفع أبواب الحوار للتوصل إلى تسوية سياسية في اليمن..

ب ـ انّ محاولة إدارة بايدن استخدام القوة لفرض لتثبيت احتلالها وتحقيق أهدافها في سورية العراق، سوف تؤدي إلى فتح معركة المقاومة الوطنية ضدّ قواتها مما سيضعها أمام خيار من اثنين، أما التعجيل بالانسحاب من دون شروط، أو التورّط في حرب استنزاف وإرسال المزيد من القوات وهو ما لا تريده لأنها لا تستطيع احتمال كلفة مثل هذه الحرب، والتي لن تكون نتائجها سوى هزيمة جديدة للولايات المتحدة وتداعيات سلبية أكبر على سياساتها تضعف أكثر نفوذها الاستعماري في المنطقة..

ج ـ انّ الولايات المتحدة عندما خسرت معركة تعويم هيمنتها في المنطقة، فشلت أيضاً في السيطرة على موارد الطاقة والتحكم بامداداتها، وبالتالي أخفقت في التحكم بشريان الاقتصاد العالمي، وسقط مشروعها لمحاصرة الصين وروسيا وإسقاط هدفهما في السعي لإقامة نظام عالمي متعدّد الأقطاب..

غير أنّ سقوط مشروع الهيمنة الأميركية الأحادية على العالم، أدّى إلى عودة روسيا بقوة إلى الساحة الدولية عبر حضورها العسكري القوى في سورية والانتصارات التي حققتها سورية وحلفائها في مواجهة الحرب الكونية الإرهابية، واستعادة موسكو لجزيرة القرم الإستراتيجية إلى كنف الاتحاد الروسي، فيما الصين فرضت حضورها كقوة اقتصادية كبرى لا سيما بعد نجاحها في مواجهة كورونا ومدّ يد المساعدة لدول العالم، في وقت أخفقت فيه أميركا في لعب أيّ دور.. أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية فقد باتت أقوى مما كانت عليه عام 2015 عندما وقع الاتفاق النووي معها، وأصبحت قدراتها الردعية على المستويات كافة قادرة لإجبار إدارة بايدن على الرضوخ والتسليم بحقوقها..

انطلاقا من ذلك فإنّ موازين القوى العالمية وفي المنطقة، اقتصادياً وعسكرياً، عدا عن أنها تؤشر إلى انتهاء زمن هيمنة الإمبراطورية الأميركية إلى غير رجعة، فإنها أيضاً جعلت إمكانية عودة أميركا إلى قيادة العالم إمكانية مستحيلة، وهو ما كان حذر منه مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغنيو بريجنسكي في كتابه «الاختيار.. السيطرة على العالم أم قيادة العالم».. فلا أميركا بوش نجحت في فرض السيطرة، ولا أميركا بايدن الآن قادرة على قيادة العالم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى