البنوك اللبنانية تفقد إحدى ركيزتَي العمل المصرفي ولا خلاص قبل الإنطلاق بإعادة الهيكلة الشاملة “مظلّة” المصارف يجب أن تفتح أيام الشتاء… وليس في الأيام المشمسة

زحمة لافتة على المصارف (رمزي الحاج)

خالد أبو شقرا-نداء الوطن
فقدت البنوك اللبنانية بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية إحدى الركيزتين اللتين يقوم عليهما العمل المصرفي. فمع بدء تدهور سعر الصرف عشية 17 تشرين الأول 2019 وتراجع الأعمال، انكفأ القطاع الخاص عن الاقتراض. وتوّجت الحكومة مسيرة التوقف عن الاستدانة تلقائياً، مع إعلانها الشهير بالتخلف عن سداد الديون مطلع آذار 2020.

شكّل تمويل المصارف لديون الدولة مصدر الربح الأوفر لها وللمودعين، طوال العقود الثلاثة الأخيرة. القصة التي أصبحت أشهر من “نار على علم”، جذبت الرساميل من آخر أصقاع الارض، طمعاً بفائدة غير مسبوقة على العملة الصعبة. وقد استفحلت هذه السياسة في السنوات الست الأخيرة مع العروض المغرية لأصحاب الرساميل، مع بدء تداعي “البونزي سكيم”. فالهرم لم يعد قادراً على تحمل “كرات منجنيق” فشل الدولة الحديدية، حيث تسارعت وتيره “دكّه” مع استمرار إهمال الاصلاحات والخلاف السياسي وإطالة الفراغ الرئاسي والحكومي. كما بدأت بوادر تخلّف القطاع الخاص عن سداد ديونه تلوح في الأفق، مع تراجع نسب النمو ودخول البلد في فترات من الإنكماش، تطول وتقصر طبقاً “للهوى” السياسي. ومع هذا استمر الإقراض للقطاعين العام والخاص واستمرت الرساميل بالتدفق.

العودة إلى أصول العمل المصرفي

بلغ تمويل المصارف للقطاعين العام والخاص في نهاية العام 2018 حوالى 93 مليار دولار، موزعة بين 34 و59 ملياراً على التوالي. شكلت هذه القروض التي تبلغ ما يقارب ضعف الناتج المحلي الاجمالي، المقدر وقتذاك بـ 56 مليار دولار، مصدر ربح وفير لاصحاب الرساميل. ومع اندلاع الأزمة وتوقف الاقراض، توقف الاقتراض تلقائياً، وتحول العمل المصرفي إلى صندوق دفع وقبض. فهل يستطيع هذا القطاع الضخم الاستمرار في تمويل نفقاته أولاً، قبل الحديث حتى عن تمويل الاقتصاد، وهل استعادة الثقة مرتبطه به وحده، أم تتخطاه إلى ضرورة وجود دولة قادرة؟ ومن سيعاود وضع أمواله في المصارف اللبنانية وبناءً على أي شروط وسياسات؟

أسئلة كثيرة تنبع من واقع الحاجة إلى قطاع مصرفي سليم، واستحالة بناء اقتصاد من دون وجود مصارف قوية. أمّا الجواب عليها فيأتي من رئيس تجمع رجال الاعمال اللبنانيين والمصرفي فؤاد رحمة بان “خطة العمل المصرفي المستقبلي لا يمكن ان تكون منفصلة عن برناج إصلاحي للمالية العامة وبدء المفاوضات الجدية مع صندوق النقد الدولي من جهة، والدائنين من جهة الثانية. وهذا ما يتيح للمصارف واصحابها معرفة قوانين اللعبة. ومتى تحددت القوانين، تتحدد الاستراتيجية التي ستقوم بها وتعتمدها البنوك. لا مجال لان ينمو مصرف ما، ويجذب رؤوس الاموال ويشجع المستثمرين على زيادة حصصهم، ما لم يعُد إلى العمل المصرفي. فـ”لا يوجد “مصرف”، إذا لم يقرض ويأخذ مخاطر”، يقول رحمة. “وهذا ما يتطلب من المصارف وضع استراتيجية واضحة، والاتفاق مع زبائنها على السياسات لاستعادة ثقتهم. وهذه الثقة لا تستعاد إلا عندما يبادر المصرف الى القيام بواجباته وتحمل المخاطر مع زبائنه ليعود الزبائن ويتحمّلون المخاطر معه”.

الشفاء ممكن… ولكن!

على الرغم من كل التحديات والمشاكل التي تواجه البنوك اللبنانية، فان استعادتها زمام المبادرة ما زال ممكناً بالنسبة للبعض منها ولو بالحد الأدنى. وعلى سبيل المثال تشكل مبادرة بنك بيمو “برنامج حماية ودائع جديدة”، التي أطلقها في 23 شباط 2021، خطوة باتجاه استعادة الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني. حيث دفع تزايد حدّة الأزمة وتأثيرها على الزبائن والاقتصاد والمجتمع بالبنك إلى إطلاق برنامج حماية ودائع جديدة بالتعاون مع “BEMO Europe – Banque Privée”، وذلك لتأمين الحماية للودائع الجديدة بالعملات الأجنبية للأفراد والشركات، إلى حدّ 50,000 دولار أميركي. وبرأي رحمة فان “هناك أكثر من طريقة لاعادة استقطاب الرساميل وقلب المعادلة والبدء بالعمل المصرفي السليم، ومنها:

– إقراض أموال طازجة للمغتربين اللبنانيين للمباشرة بمشاريع داخلية، أو حتى الاستثمار في العقارات وغيرها. فماذا يمنع المصارف التي أمّنت سيولة بنسبة 3 في المئة من حجم ودائعها بالعملات الأجنبية، أن تعيد اقراضها إلى غير المقيمين ممن يتقاضون أجورهم أو يحصلون أرباحهم بالعملة الصعبة؟ ومتى شعر العميل بالثقة وحسن التعامل قد يعيد وضع أمواله في المصرف اللبناني.

– مشاركة المصارف للقيمة المضافة المجمعة لديها، نتيجة استحواذها على العقارات والاصول والممتلكات كـ”إيفاء عن عوض أو استرداد للدين” مع زبائنها، حيث من الممكن تحويل العقارات إلى شركة تملك الاصول من البنك ويستفيد الزبائن من الربح الناتج عنها، فيشعر الزبون بان البنك إلى جانبه ويساعده. ويعطي بذلك المصرف مجالاً لزبائنه للاستفادة من خارج لعبة الفوائد والريوع.

– إعادة اقراض الشركات المصدرة أو تلك الوطنية التي تغطي الحاجة في السوق المحلي، كالصناعات الغذائية والدوائية والمعقمات وغيرها.

قطاع مصرفي أصغر وأكثر فعالية

في الوقت الذي انخفضت فيه مختلف المؤشرات المالية، زادت الحاجة الاستثمارية للكثير من الشركات لمواجهة المحن. فالمؤسسات التي لا تنوي الاقفال يتوجب عليها بحسب رحمة “إعادة التموضع والتقليل من الاكلاف”. وهذا من الممكن ان يتم بالنسبة للمؤسسات التجارية بالانتقال من التجارة التقليدية إلى التجارة الالكترونية. كذلك الأمر بالنسبة إلى المؤسسات الصناعية التي يتوجب عليها الانتقال لتغطية حاجات السوق، وان تحل منتجاتها بديلاً جدياً عن السلع المستوردة. وهذه القطاعات بحاجة إلى تمويل، يجب “تأمينه من المصارف، ومن اعادة ضخ الحياة في الأسواق المالية”، بحسب رحمة. ولكن هذه العملية لن تحصل ما لم يتم وضع استراتيجية لاعادة هيكلة قطاع المصارف، في ظل خطة واضحة المعالم من الحكومة في ما يتعلق بالمالية العامة والاصلاحات. والأكيد بحسب رحمة أن “هناك الكثير من المصارف التي تفوق موجوداتها مطلوباتها ستترك السوق طواعية، ضامنة تحقيق بعض الارباح وتقليل المخاطر. وهناك مصارف ستندمج أو تنتقل من التجارية إلى الاعمال أو العكس صحيح. وعليه فان القطاع سيصغر ولكن سيصبح بعد اعادة الهيكلة الصحيحة أكثر فعالية التزاماً بالمعايير العالمية للعمل المصرفي”. وهذا ما بدأت معالمه بالظهور مع تراجع قيمة الودائع من 170 مليار دولار إلى أقل من 137 ملياراً في ظرف سنة أو أقل، وتراجع ديون القطاع الخاص من 59 ملياراً إلى 30 مليار دولار.

ما يُنتظر من المصارف التي ستتقيد بأصول العمل المصرفي السليم هو “فتح الشمسية في أوقات الشتاء وليس إعطاؤها على طبق من ذهب يوم يكون الطقس مشمساً”، يقول رحمة. باشارة إلى ضرورة الإنتقال من التمويل السهل إلى التمويل الحقيقي للقطاعات الاقتصادية المنتجة، ولو كانت المخاطر فيها أعلى. وعلى هذا الأساس فان الانتهاء من خطوة رفع الرساميل وزيادة البعض نسبة سيولته في المصارف الخارجية، هي مجرد البداية لمسيرة يتوقع ان تكون مكللة بالأشواك والكثير من العقبات.

Exit mobile version