الراعي يُطيح بالمبادرة الفرنسية

“ليبانون ديبايت” – عبد الله قمح

إذاً، إرتفعت لغة إستدعاء التدويل لحلّ الأزمة اللبنانية، ولكل فئة نظرتها وتفسيرها: جهة تقول أنه عبارة عن مؤتمر، وأخرى تتوسّع في مخيّلتها إلى حدود تصل إلى فرض إدارة سياسية أجنبية، أي احتلالاً صريحاً. بين هذه وتلك، تُعَدّ المبادرة الفرنسية المتضرّرة الأولى، وبكركي الثانية، لأنها نزحت صوب الإنضواء ضمن بوتقة سياسية، عملاً بقاعدة “تزحيطها” بفخ سياسي أُعد سلفاً مضت إليه عن سابق إصرار وموقف!

وعلى سيرة “الفخ”، فقد زحط إليه المشاركون في “تجمّع السبت”، ولا جدل في أن فعلهم وصراخهم استبطن نوايا للتخلّص من “حزب الله” ومقاومته أكثر من أي شيء آخر، وقد اعتبر، بحكم ما تضمنه ذلك، العامل الأبرز للإستقطاب الذي خرجَ عن مفهوم الإعتراض السياسي، وتحوّل إلى حفلة شتائم.

ثم إن “سيد الصرح” ما كان يجدر به أن يضع نفسه في هذه الخانة، أو أن يقبل أصلاً بفكرة التجمّع، عملاً بمبدأ التباعد الإجتماعي وحظر التنقل، مع ذلك رضخ إلى رأي ثلة مستشارين وأطراف سياسية تريد أن تتظلّل عباءة بكركي للقنص تجاه الحزب . وبهذا المعنى، ضاع الراعي بين الجموع، وبدل أن يكون علامةَ جمع حرصاً على موقعه، بدا زاهداً به، وأضحى لسان تفرقة في أمرٍ ليس مخوّلًا البت به وحيداً، بل وأكثر، خسرَ في ضوء ما حصل صورته الدينية، وتحول إلى طرف سياسي يختزل قرار لبنانيين آخرين قد لا يشاطرونه موقفه.

الأسوأ، أن الراعي الذي يحمل مبادرة حكومية، وكانت الإتصالات والزيارات تنشط على خطه من أجل ضم قواعدها إلى مبادرات أخرى يقف “حزب الله” خلف جزء منها، قد فقد، وبعد ما صرّح به، القيمة من وراء تلك الإتصالات وأسّست إلى عزل بكركي عن أجندة أطراف سياسية أساسية، ثم “وجّه طعنةً إلى المبادرة الفرنسية التي كانت تعوّل على حراك داخلي معطوف على التطورات المستجدة في المنطقة كي تسفر عن تأمين اختراقة”، والكلام لمصادر سياسية بارزة.

والآن، يفترض أن يبدأ النقاش من نقطة، ماذا جنى البطريرك الراعي والبطريركية المارونية من وراء تلك المشاركة بما تضمّنته من حشد خجول نسبياً بالنظر إلى “ضخامة ما يُطرح”؟، وهل يدرك أن الحزب، ولو في نيته الردّ، لكان دعا إلى تظاهرة مليونية حوّلت “تظاهرة السبت” إلى ركام؟

عملياً، يميل “حزب الله” إلى تغليب خيار الإحتواء وتفعيل خاصية التجاهل، بدليل عدم تعليقه على كل ما ورد، رغم تضمّنه شتائم من أعيرة طائفية متنوعة ولغة سياسية غير مألوفة. في هذا الوقت، يُعمل سياسياً على محاولة تجنيب ملف تأليف الحكومة أي تبعات سلبية إضافية، سيما وأن كلام الراعي جاء في وقتٍ غير مناسب حيث كان قد أُعيد إحياء الإتصالات والمبادرات.

يسود الإعتقاد أن طلب التدويل أو استدعائه، ينمّ عن مسألتين متعارضتين: إما هو إقرار من جهة محدّدة أن صلاحية المبادرة الفرنسية قد انتهت ولم تعد ذات قدرة على استصلاح الوضع اللبناني، وإما أن الطلب يندرج في الخانة نفسها مع المبادرة الفرنسية، أي عملياً محاولة تحويلها إلى مبادرة دولية أوسع.

وليس سراً أن الإليزيه يطمح إلى سلوك هذا المسار كنتيجة للإستعصاء اللبناني وما راكمه من ضغط وإساءة على صورة السياسة الفرنسية عامة، ويجد قبولاً لضمّ الشركاء الآخرين إلى الملف “الورطة”، وإذا ما قُدّر لهم أن ينجحوا يمكن للفرنسي أن يحصد مكاسب من وراء الفوز من زاوية أنه صاحب الدعوة، وفي حالة الهزيمة يجري تقاسم الفشل على الجميع، وقد شهدت الأيام الماضية على محاولات في هذا الإطار.

أضف إلى ذلك، أن فرنسا اليوم باتت في حكم المُربَكة، في ضوء استمرار الرياض باعتماد سياسة إنكار وجود الرئيس المكلّف سعد الحريري، ما يحول دون تمكينه من تأليف الحكومة، ثم دخول ملف اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي البازار مجدّداً بدفع أميركي من زاوية التقرير الذي اتهم ولي العهد محمد بن سلمان بإصدار أوامر تصفيته، ما أحال الزيارة الماكرونية إلى قائمة ضحايا ملف خاشقجي.

وهنا، ثمة من يطرح علامة إيجابية من زاوية أن الحريري يمتلك فرصة إستثنائية للتقدّم بملف الحكومة، والتسلّل من خلف خطوط الرياض المشغولة بإحصاء الأضرار المترتبة عن التقرير ولملمة ما تبعثر في العلاقة مع واشنطن.

وفي الداخل، ثمة من يحاول مواكبة ما يحصل في الخارج. حِراك المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم يوحي بذلك. لدى ابراهيم مسعىً لإعادة ضخّ الأجواء الإيجابية في المسار الحكومي، كذلك لديه مصلحة في نقل الأفكار وتبادلها بين هذا الطرف وذاك إلى جانب طرح ما لديه من أفكار.

خلال الأسبوع الماضي دشّن مسعاه المستحدث في بكركي على بركة أن يكون تشاركياً. قال أنا أتولى جزءاً من المساعي وغبطته يتولى الجزء الآخر. فُسر ذلك في جملة لقاءات واتصالات جرت، قبل أن يوجّه الراعي صفعته في ضوء ما حصل السبت، وها هو الآن مُجبَر على تسيير “مسيّرات” رعويّة تجول على المرجعيات لشرح وجهة نظرها من طرحه المؤتمر الدولي.

على المقلب الآخر، ثمة مبادرة وطرح جاهزين: الأول تولى رئيس مجلس النواب نبيه بري تقديمه سابقاً، نواته تأليف حكومة من 18 وزيراً موزّعة على قاعدة 3 ستّات، ما يحول دون اعتماد الثلث المعطل لأي طرف، ومن ضمنها قاعدة لتبادل حقيبتي الداخلية والعدل موضع الخلاف بين رئيسي الجمهورية والحكومة المكلّف، وثمة طرح تولى الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله تظهيره ويتضمن فكرة لتوسيع الحكومة، يتطابق ومسعى بري في انتزاع الأثلاث المعطّلة.

كان مسعى اللواء ابراهيم يتضمن محاولة للدمج بين المسارات الثلاث، أي بكركي ـ بري وحارة حريك، وهذا يكفل توسيع الحكومة إلى حد أدنى يبلغ 20 مقعداً وأقصى 22، وهو ما يسمح بمنح رئاسة الجمهورية ما تريد، ورئاسة مجلس الوزراء ما تريد، وحلفاء “حزب الله” ما يريدون، والنائب السابق وليد جنبلاط ما يريد أيضا عبر توسيع حدود مشاركته، ويسمح بتبادل في حقيبتي الداخلية والعدل، ويتيح للبطريرك الراعي المشاركة في طبخة التسويق بمبادرة منه.

هذا التكامل بين الأفكار الثلاث يقود إلى حالة من فرض الهدوء السياسي نسبياً، ولكن، يبقى أن يؤدي إلى إقناع رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري به، وهذه مهمة متنوعة موزعة على أكثر من طرف من بينهم ابراهيم المؤازر في الخلفية من بري. لكن ثمة حاجز لا بد من تخطّيه، يتموضع فيه النائب السابق وليد جنبلاط، الذي أبلغ رفضه فكرة توسيع الحكومة، وفي سبيل ذلك، يمارس ضغوطاً على الحريري لدفعه إلى رفض أي خيار مماثل، وكلامه الإعلامي الأخير انطوى على نية في المواجهة، وقد بادر إلى تحويل المعركة صوب الهجوم على “حزب الله”، لكون المختارة تحمّل الحزب مسؤولية الوقوف خلف فكرة التوسعة وتسويقها ومحاولة الضغط على الحريري بها.

Exit mobile version