توجهات إدارة بايدن: إيران

عادل رفيق -المعهد المصري للدراسات

مقدمة
هذه السلسلة تضم مقالات رأي وتحليلات كان بعض أعضاء فريق الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن قد قاموا بنشرها على منصات صحفية أمريكية بارزة على فترات متفاوتة وحول قضايا متعددة. وقد قام المعهد المصري بترجمة هذه المقالات والتحليلات بشكل حصري، لإتاحتها للباحثين والسياسيين الذين يرغبون في التعرف على ملامح توجهات وطريقة تفكير أعضاء فريق إدارة الرئيس الأمريكي الجديد من خلال بعض ما كتبوه في فترات سابقة. حيث نتناول اليوم مقالاً نشره جيك سوليفان عام 2018 عن ملف إيران النووي.

من هو جيك سوليفان؟
جيك سوليفان هو صانع سياسة أمريكي شهير ومحلل للشؤون الدولية وباحث أول غير مقيم في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي. شغل السيد سوليفان منصب مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس جو بايدن وقبل ذلك كان مديراً لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية في عهد وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، وهي الوظيفة التي شغلها في سن الرابعة والثلاثين. وخلال الانتخابات الرئاسية لعام 2016، كان جيك سوليفان كبير مستشاري السياسة الخارجية لهيلاري كلينتون. وفي عام 2020، تم تعيينه مستشاراً للأمن القومي لإدارة الرئيس جو بايدن. وقد ركز عمل سوليفان مؤخراً على الدور الحالي والمستقبلي للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة وكذلك السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه إيران وكوريا الشمالية. ومن بين إنجازات جيك سوليفان الدبلوماسية الرئيسية الانفتاح على إيران الذي أدى به إلى أن يكون عضواً في فريق التفاوض معها على الاتفاق النووي.. ومن هنا جاء مقال اليوم عن إيران.

ففي 19 مايو 2018، نشر جيك سوليفان مقالاً في مجلة ذي أتلانتك الأمريكية تحت عنوان “استراتيجية ترامب الوحيدة تجاه إيران هي معاقبتها: إدارة ترامب لا تريد صفقة كبرى مع الجمهورية الإسلامية. هم يريدون فقط تغيير الحكومة” ينتقد فيه الاستراتيجية التي كانت تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب في تناول الملفات المرتبطة بإيران، وخصوصاً الملف النووي. حيث يقول إن إدارة ترامب لم يكن لديها سياسة تجاه إيران بقدر ما كان لديها موقف تجاه إيران. ويضيف إنه عندما يفعل الرئيس شيئاً محفوفاً بالمخاطر مثل الانسحاب من اتفاقية دولية تم التفاوض عليها حسب الأصول، فإنه يجب أن يكون لديه هو وفريقه خطة حيال ذلك – وهو ما لم يكن موجوداً لدى إدارة ترامب.

وقد جاء اختيار جيك سوليفان مستشاراً للأمن القومي للرئيس الأميركي بايدن، ليفتح المجال أمام إمكانية تطبيق توجهاته فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، ومن هنا تأتي أهمية ترجمة هذا المقال للوقوف على توجهات إدارة بايدن، فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني.

وفيما يلي أهم ما تضمنه المقال:

بعد إعلان دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران (8 مايو 2018)، أعد اثنان من مسؤولي وزارة الخارجية إحاطة صحفية تحتوي على معلومات أساسية لشرح الاستراتيجية وراء اتخاذ هذا القرار. كانت قراءة نص الإحاطة شيئاً مؤلماً للغاية. فمن البداية إلى النهاية، كافح المسؤولون الذين لم يكشف عن أسمائهم للإجابة على الأسئلة الأساسية حول الغرض من إعادة فرض العقوبات على إيران، وما يتوقعون تحقيقه من وراء ذلك، ومن هم الحلفاء الذين تشاوروا معهم، وما إلى ذلك. وفي كل مرة حاول فيها أحد المراسلين أن يعيدهم إلى السؤال الأساسي وهو – الآن بعد أن تم إلغاء الصفقة، ماذا سيحدث بعد ذلك؟ – فإنهم كانوا يتمتمون ويتهربون من الإجابة.

وفي يوم 13 مايو، حاول الصحفيون مرة أخرى، من خلال إجراء مكالمة هاتفية أخرى مع مسؤول رفيع في وزارة الخارجية. ورغم ضغطهم عليه للحصول على تفاصيل حول ما سيتم عمله بشكل دقيق كما تقتضيه الخطة، إلا أن أقصى ما أمكنه تقديمه هو أن الولايات المتحدة ستمارس “كل الضغوط اللازمة للضغط على إيران لتغيير سلوكها والسعي إلى إطار جديد يمكن أن يزيل مخاوفنا”.. ومن الصعب أن تكون أقل تحديداً من ذلك.

وهذا بالطبع ليس سببه أن هؤلاء المسؤولين غير مطّلعين أو غير أذكياء، أو لأن الشخصيات الهامة في إدارة ترامب، مثل مستشار الأمن القومي جون بولتون، لم يفكروا في الأمر، ولكن السبب في ذلك يكمن في أنهم، ولسبب ما، لم يكن لديهم الحرية لتقديم الإجابة الحقيقية، وهي أن: فرض العقوبات فقط هي الاستراتيجية. أي أن الولايات المتحدة ستطبق المزيد من وسائل الضغط الاقتصادي لتشعر إيران في النهاية بآثار هذا القدر من الضغط الاقتصادي.

من الناحية النظرية، يجب أن يكون للعقوبات غرض محدد. نحن نفرضها رداً على سلوك معين من قِبل دولة أخرى، ونعرض رفعها مقابل تغييرات محددة في هذا السلوك. بعبارة أخرى، فالعقوبات تخلق نفوذاً يتم تحويله بعد ذلك إلى تنازلات على طاولة المفاوضات. وتلك كانت هي قصة الاتفاق النووي مع إيران، الذي ساعدتُ في التفاوض بشأنه، بما في ذلك من خلال فتح قناة خلفية سرية مع إيران والتي أدت إلى انطلاق الدبلوماسية بين البلدين.

لكن المدافعين عن انتهاج سياسة أكثر عدوانية ضد إيران، داخل إدارة ترامب وخارجها، كانوا ينظرون إلى العقوبات بشكل مختلف. ويبدو أنهم لا يشعرون بالحاجة إلى تقديم إجابات أكثر تحديداً حول ما تهدف العقوبات إلى تحقيقه على وجه الدقة، وذلك لأنهم كانوا يرون أن كل ما يمكن تحقيقه (من خلال العقوبات) سيكون أفضل من الوضع الراهن. فربما مع الضغط الكافي سينهار النظام. حيث ستكون هذه هي النتيجة المثالية، وهذا ما كان يشير إليه جون بولتون مؤخراً عندما قال، “الوضع الاقتصادي لإيران متزعزع حقاً، لذا فإن تأثير [إعادة فرض العقوبات] يمكن أن يكون له آثار دراماتيكية.” لكن ربما لا يحدث ذلك – وربما تؤدي العقوبات بدلا من ذلك إلى إضعاف النظام وإحباطه وتركيزه على الداخل. وهذا أيضا يبدو جيداً. ولكن ربما لا يحدث هذا أيضاً – فربما سيكون لدى النظام دخل أقل يمكن أن يُنفقه على المغامرات الإقليمية وبالتالي تقليل أنشطته في أماكن مثل سوريا واليمن. وهذا أيضاً ليس سيئا. لكن ربما لا يحدث هذا أيضاً – وربما سيكون من الصعب على إيران أن تصبح أقوى بسبب العقوبات، كنسخة من الاحتواء من الجانب الاقتصادي. وحتى هذا سيفي أيضاً بالغرض.

أو ربما، بدلاً من ذلك، ستدفع العقوبات إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، وقبول المطالب المتطرفة لإدارة ترامب فيما يتعلق ببرنامج طهران النووي، وبرنامجها الصاروخي، وأنشطتها الإقليمية. ومن المتوقع أن يلقي وزير الخارجية مايك بومبيو (آنذاك) خطاباً بعد أسبوع يدّعي فيه ظاهرياً بأن هذه هي الخطة. ولكن إذا حاولت تستوقف المدافعين عن ترامب للسؤال عن الشكل الذي يمكن أن تكون عليه “الصفقة الأفضل” من وجهة نظرهم – ما هي الشروط التي يجب أن تتضمنها بالتحديد – تكتشف على الفور أن هذا ليس أمراً جاداً على وجه الخصوص. فعلى سبيل المثال، يقولون في نفَس واحد إن الاتفاق على القضايا النووية ليس كافياً. وأنه من المطلوب تحقيق تسوية إقليمية أوسع. وفي اللحظة التالية، يقولون إن النظام الحالي لا يمكن أن يصبح لاعباً إقليمياً أكثر اعتدالاً. فالصقور في إدارة ترامب أمثال جون بولتون لا يريدون عقد صفقة كبيرة مع إيران، لكنهم في الحقيقة يريدون تغيير الحكومة في إيران.

ماذا عن دونالد ترامب؟ أين هو من كل هذا؟ حسناً، هو ليس موجوداً، حقاً. لقد كان اهتم كثيراً بتمزيق الاتفاقية وإلصاق كل شيء يخص هذه الأمر بباراك أوباما. إنه لا يهتم كثيراً بما سيأتي بعد ذلك. في الواقع، من المحتمل أنه سيحصل على صفقة مشابهة جداً لخطة العمل الشاملة المشتركة، كما يُعرف الاتفاق النووي مع إيران رسمياً، فقط إذا كان اسمه عليها. لكن فريقه يتولى المهمة من هنا، وبغض النظر عن خطابهم الدبلوماسي، فإنهم ينظرون إلى أي اتفاقية نووية جديدة مع إيران كنوع من التقييد وليس هدفاً يمكن العمل على تحقيقه.

لقد كانت اللحظة الأكثر إيضاحاً في الإحاطة الإعلامية آنذاك عندما قال أحد المسؤولين إن “مشكلة الصفقة هي أنها قللت من قدرتنا على الضغط على إيران”، مكرراً مرتين أن الصفقة حمت قطاعات الاقتصاد الإيراني من العقوبات. وقالوا إن التخلي عن الصفقة منحهم مجالاً واسعاً لممارسة الضغط الاقتصادي.

والآن، من العدل بمكان أن نسأل – ما الخطأ في كل هذا؟ فبعد كل شيء، يُعتبر النظام الإيراني الحالي نظاماً قمعياً ومسيئاً في الداخل وفاعلاً خبيثاً على مستوى المنطقة، فهو مسؤول عن قدر كبير من الفوضى والموت. لماذا لا نضغط عليهم بلا هوادة لفرض كُلفة عالية عليهم كحد أدنى وإحداث التغيير داخل إيران كحد أقصى؟

أنا أوافق على أن كبح ومواجهة سلوك إيران الإقليمي يمثل أولوية حاسمة للسياسة الأمريكية. لكن الجدل حول إيران ليس خلافاً حول ما إذا كان يجب مواجهة التأثير السلبي للجمهورية الإسلامية في المنطقة، ولكن الموضوع هو كيف يمكن أن يتم ذلك. حيث أرى عدداً من المشكلات الأساسية في النهج الذي تتبعه إدارة ترامب في هذه القضية.

قبل كل شيء، هناك الحماقة الفظيعة التي ارتُكبت في خرق الصفقة الإيرانية عندما كانت تعمل على النحو المنشود لتحقيق هدفها وهو: منع إيران من الحصول على قنبلة نووية. وفي هذه الحالة فإن انتهاء الصفقة النووية مع إيران يعني انتهاء قدرتنا على فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني من خلال وسائل أخرى غير الإكراه العسكري. فلا يمكننا أن نتوقع أنهم سوف يلتزمون من جانبهم بالصفقة إلى أجل غير مسمى عندما نتوقف نحن عن تنفيذ ما يترتب علينا حيال الاتفاق. ومن المحتمل أن يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى المضي قدماً في برنامجهم النووي من أجل كسب النفوذ ضدنا. لذلك فإن هذه الاستراتيجية قد ينتج عنها بسهولة مع الوقت أزمة نووية، وهي أزمة نكون قد كبّدناها نحن بأنفسنا لأنفسنا في ذلك الوقت.

لم يكن هذا ضرورياً على وجه الخصوص حيث لم تمنع الصفقة الولايات المتحدة وحلفاءها من اتباع استراتيجية أكثر عدوانية للتحقق من سلوك إيران الإقليمي – وفي الواقع، أبدى الأوروبيون استعدادهم للقيام بذلك. فإذا كنت تهتم بسلوك إيران في الشرق الأوسط، فإن قتل الصفقة هو عملية إلهاء في أحسن الأحوال. والآن سيتعين على العالم العودة إلى الشعور بالقلق تجاه برنامج إيران النووي الذي كان في السابق موصداً تماماً. أما اليوم، فيدور الحديث في أوروبا اليوم عن نهج واشنطن تجاه الاتفاق النووي، وليس نهج طهران تجاه المنطقة.

لكن حتى لو نَحَّينا الصفقة جانباً، فإن نهج الإدارة تجاه إيران ليس سليماً.

أولاً، لأن أي سياسة تفتقر إلى هدف محدد أو نهاية واضحة للُّعبة – والتي تقول في الأساس، دعنا نواصل زيادة الضغط ونرى ما سيحدث – تخاطر بالتسبب في أخطاء وخيارات سيئة وتصعيد في أوقات وأماكن لا يمكننا التحكم فيها. هذا صحيح بشكل خاص عندما يكون تغيير النظام جزءاً من المعادلة. إن التفكير بأنه يمكنك ببساطة تبديل حكومة بغيضة في بلد آخر تقدم دافعاً سحرياً لعملية اتخاذ القرار الاستراتيجي، مما يجعلها أقل صرامة واعتباراً للواقع على الأرض وأكثر عرضة للخطأ. حيث يميل أنصار تغيير النظام باستمرار إلى تقييم الأمر بأن النظام المعني “يوشك على الانهيار، إذا ضغطنا أكثر قليلاً وقمنا بالمزيد”. ويمكن أن يقود هذا التوجه خيارات السياسة في اتجاهات خطيرة ومضلِّلة، وهو ما حدث بالفعل في حالة إيران؛ فإلى جانب رفع القيود عن البرنامج النووي الإيراني، فإنه يجعل المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران أكثر احتمالاً. في الواقع، فإن بعض مؤيدي هذا النهج (وإن لم يكن جميعهم بالتأكيد) يستهدفون ذلك تماماً.

ثانياً، على الرغم من الكثير من الخطابات التي تشير إلى عكس ذلك، فإن الضغط الاقتصادي المتزايد الذي أمر به دونالد ترامب لم يكن، وربما لن يكون، مصحوباً بأي نهج متماسك في الساحات الرئيسية في الشرق الأوسط. هل هناك خطة للتعامل مع النفوذ الإيراني المتنامي في سوريا، والذي يعد نقطة الصفر لمغامراتها الإقليمية؟ عندما طُرح هذا السؤال على مسؤولي وزارة الخارجية لإدارة ترامب، قال أحدهم ببساطة، “تركيز الرئيس في سوريا ينصب على داعش”. وماذا عن الأفكار الجديدة للتعامل مع النفوذ الإيراني في العراق أو اليمن أو لبنان؟ لم ترد أية إجابات على ذلك. وهذا ليس مفاجئاً، بالنظر إلى أنه على مدار الفترة الماضية (16 شهراً)، لم يُعطِ ترامب أولوية كبيرة لمواجهة إيران في المنطقة؛ بل على العكس من ذلك، فقد أشار باستمرار إلى أنه يريد الخروج من هناك وترك النزاعات المستعرة للآخرين.

سوف يجادل المدافعون عن إدارة ترامب بأن الاتفاق النووي نفسه هو الذي دفع إيران إلى الانخراط في سلوك إقليمي أكثر عدوانية، لأنه منحهم إمكانية الوصول إلى الأموال التي لم تكن لديهم قبل ذلك. لكن الحقيقة أن المحرك الرئيسي لنشاط إيران في المنطقة لم يكن توافر السيولة – بل كان توافر الفرص. فعندما لاحت لهم فرص جديدة، استغلها الإيرانيون، سواء جاء ذلك في ظل العقوبات أو بدونها. لقد كان ذلك صحيحاً حتى قبل الاتفاق النووي، عندما كانوا متورطين بعمق في نشاط خبيث في جميع أنحاء الشرق الأوسط (بما في ذلك الدعم المادي للأسد في سوريا، وحزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والمعارضة المسلحة في البحرين، وكذلك قتل القوات الأمريكية في العراق). وكان ذلك صحيحاً أثناء التفاوض على الاتفاق النووي (عندما شن الحوثيون، وهم ميليشيات يمنية مرتبطة بإيران، هجومهم على العاصمة اليمنية). كان هذا صحيحاً عندما كانت الولايات المتحدة في الاتفاق النووي. وسيكون هذا صحيحاً في المستقبل. وبالفعل، فإن العديد من المعلّقين الذين يقولون الآن إن إيران أطلقت العنان لنشاطها في المنطقة بسبب الاتفاق النووي هم نفس الأفراد الذين اعتادوا على دق ناقوس الخطر بشأن سلوك إيران الإقليمي قبل سنوات من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ. الدرس المستفاد من كل هذا هو أن العقوبات ليست رصاصة سحرية، ومن المرجح أن يؤدي عدم الاتساق في نهج إدارة ترامب إلى مزيد من عدم الاستقرار وليس إلى تقليله.

ثالثاً، حتى إذا وصلت العقوبات إلى الحد الذي يمكن أن تساعد على تشكيل قرارات إيران، فإنها لن تكون فعالة بشكل حقيقي إلا إذا كان نطاق هذه العقوبات عالمياً إلى حد ما – أي عندما ينضم إليها جميع شركاء إيران التجاريين الرئيسيين. فعلى مدى سنوات عديدة، كان للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة تأثير ضئيل على إيران، بل وأدت حتى إلى عزل أمريكا، لأن بقية العالم اعتبرها مجرد إجراءات عقابية ليست هادفة. وخلال الفترة من عام 2010 إلى عام 2015، تمكنَّا من حشد المجتمع الدولي للانضمام إلينا في عقوبات أقوى بكثير لأننا أوضحنا للجميع أنها مصمَّمة لهدف محدد، وهو الحد من برنامج إيران النووي. والآن تطلب إدارة ترامب من الدول الرئيسية الانضمام إلى الولايات المتحدة مرة أخرى في حملة ضغط اقتصادي جادة على إيران، وفي نفس الوقت:

(أ) تخلينا عن الصفقة التي تفاوضنا عليها مع تلك الدول ذاتها.

(ب) تنظر هذه الدول إلى إيران بتعاطف أكبر الآن مما كانوا عليه في عام 2010، ويتعاطفون معنا بدرجة أقل.

(ج) نطلب منهم فرض هذه العقوبات، التي هي إلى حد كبير من أجل العقوبات نفسها، إلى أجل غير مسمى.

وهذه بالطبع ليست وصفة يمكن أن تقود إلى النجاح.

لكن فريق ترامب يرد على هذه المخاوف بالقول، بشكل أساسي، “فقط ترك الدول الأخرى تختار بين التجارة مع الولايات المتحدة والتجارة مع إيران، وعندها سيتعين عليهم فعل ما نقوله”. صحيح أن التهديدات والتنمُّر ستمنع عدداً من البنوك والشركات الأوروبية من التعامل مع إيران، لكن العقوبات تكون أكثر فاعلية عندما يتعاون العالم بحماس مع الولايات المتحدة للضغط على إيران، وتكون أقل فاعلية بشكل كبير عندما يتعاون العالم بنشاط مع إيران لإحباط خطوة الولايات المتحدة من خلال البحث عن حلول والتباطؤ في التطبيق. وعلى المدى الطويل، فإن نهج “اقبل أو اترك” هذا سيجعل من العقوبات نفسها قيمة ضائعة – ليس فقط مع إيران ولكن بشكل عام – حيث تقوم الدول الأخرى، بما في ذلك أصدقاؤنا، بتطوير تقنيات لمنع اقتصاداتها من أن تكون رهينة للآخرين.

أعتقد أنه لن تُحرك أي من هذه الحجج إدارة ترامب. ففي نهاية الأمر، ليس لديهم سياسة تجاه إيران بقدر ما لديهم موقف تجاهها. وكما قال ترامب مراراً وتكراراً، بما في ذلك ما يتعلق بإيران، “سنرى ما سيحدث”. لكن عندما يفعل الرئيس شيئاً محفوفاً بالمخاطر مثل الانسحاب من اتفاقية دولية يتم التفاوض عليها حسب الأصول، يجب أن يكون لديه هو وفريقه على الأقل خطة حيال ذلك (وهو ما لم يكن موجوداً مع إدارة ترامب).

Exit mobile version