«هيدي قدّيش سعرها؟»، تسأل سيّدة كبيرة في العمر في إحدى السوبرماركات عن «اسفنجة جلي» من القياس الصغير. تُعيدها إلى مكانها، مُتأفّفة من سعرها المرتفع جدّاً ومن «السرقة» التي يُمارسها التُجّار، «وإذا بدّي جيب الأرخص، بكبّها بعد أول استعمال». من الاسفنجة إلى قالب جبنة الحلّوم الـ 250 غراماً الذي ارتفع سعره من 5 آلاف ليرة (بالحدّ الأقصى) إلى 17 ألف ليرة، وكيلوغرام الأرز ودفتر المدرسة والزيت ومواد العناية بالنظافة الشخصية وحليب الأطفال… كلّ المواد بات شراؤها «مُوجِعاً» للسكّان في لبنان. إلا أنّ المتلاعبين بالأسعار، والذين يُخزّنون المواد المدعومة لبيعها بأغلى من ثمنها، ليسوا وحدهم المسؤولين عن مُضاربات السوق السوداء التي تؤدّي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار، ما يمثّل ذريعة لـ«تبرير» رفع الأسعار. فأصحاب المصارف التجارية يبيعون شيكات بـ 29% من قيمتها (كانت النسبة في كانون الأول الماضي 36%)، ويشترون الدولارات من الصرّافين بأسعار مرتفعة. وبذلك، هم شركاء في انهيار سعر صرف الليرة.
تُزاحم المصارف للحصول على الدولارات «الحقيقية»، لأنّها أمام استحقاقات مصرفية عدّة. المصرف المركزي فرض عليها زيادة 20% على رأسمالها، وإعادة تكوين حساباتها لدى مصارف المراسلة (لكلّ بنك محلّي وكيل له في الخارج) وضخّ الدولارات فيه بما لا يقلّ عن 3% من مجموع الأموال بالعملات الأجنبية المودعة في المصارف اللبنانية (تنتهي المُهلة في 28 شباط). ورغم أنّ مصرف لبنان مدّ الحبل لجميع المصارف حتى يسحبها من القعر، عبر إصدار تعاميم بشروط «مُخفّفة»، إلا أنّ المصارف إما وقفت عاجزةً أمام الاستحقاقات، أو اختارت الالتزام بها ولكن عبر تدفيع السكّان الثمن. فمع دخولها «السوق السوداء» طالبةً الحصول على مئات آلاف الدولارات، ساهمت المصارف (مع عوامل أخرى) في زيادة انهيار قيمة الليرة ورفع سعر الصرف الذي بات على عتبة الـ 9000 ليرة للدولار. فهل المصارف فعلاً مُفلسة و«مضطرة» إلى مدّ يدها إلى مُلك غيرها لتُنقذ نفسها؟ أم أنّها ذلك البخيل الذي تفيض جيوبه بالمال وبيته بالمأكل، ولكنّه يواظب على تناول الوجبات لدى الجيران لادّخار ما يملك؟
في سنة 2018 وحدها، حقّقت المصارف أرباحاً صافية بقيمة 2 مليار و205 ملايين دولار، ووزّعت منها ملياراً و148 مليون دولار كأنصبة أرباح على مالكيها، حصل منها حملة الأسهم العادية على 897.5 مليون دولار. وشكّلت أنصبة الأرباح الموزعة على مالكي الأسهم العادية لدى كلّ من «بنك عوده» و«بنك لبنان والمهجر» وحدهما حوالى 51% (بلغت 49% في الـ 2017) من مجموع أنصبة أرباح جميع المصارف في لبنان. مبالغ الـ 2018، معطوفةً على أنصبة أرباح السنوات السابقة، تكفي المصارف لتزيد رأسمالها بنسبة 20%، وتُعيد تكوين حسابات خارجية لدى المصارف المراسلة، من دون أن تلجأ إلى الألاعيب للتفلّت من القيام بواجبها. ولكنّ مالكيها فضّلوا «تهريب» أرباحهم. لم يُقرّر سلامة «لَجم» هذه اللعبة إلا في 4 تشرين الثاني 2019، مع إصدار التعميم الوسيط 532، «يمنع» بموجبه المصارف من توزيع أرباحها عن السنتين الماليتين 2019 و2020، وهو التعميم نفسه الذي تضّمن زيادة 20% على رأسمالها كما هي بتاريخ 31/12/2018، «وذلك عن طريق مقدمات نقدية بالدولار الأميركي». يومها، قُدّر مجموع الزيادة التي على كلّ المصارف إضافتها إلى رساميلها بنحو 4 مليارات دولار، وكان الحاكم رياض سلامة مُدركاً لامتلاكها هذا المبلغ… «وحبّة مسك». كيف؟

في تشرين الأول 2019، تسلّم سلامة من لجنة الرقابة على المصارف تقريراً عن توزيع أنصبة أرباح المصارف للأعوام 2011 حتى الـ 2018، وتبيّن فيه أنّ إجمالي الأرباح التي وزّعتها المصارف على مالكيها وحاملي أسهمها في تلك الفترة، بلغ 7 مليارات و246 مليون دولار أميركي (وهي جزء من إجمالي الأرباح المحققة، لا كلّها). وبحسب التقرير، ارتفعت نسبة التوزيع في الـ2016 و2017 و2018 ليبلغ معدّلها 45% مقارنةً مع معدّل 36% ما بين 2011 و2015. معظم المصارف، ولا سيّما «الكبيرة»، وزّعت أنصبة أرباح عن سنة 2018 بما يوازي أنصبة الأرباح الموزعة سنة 2017، باستثناء «بنك البحر المتوسط» الذي وزع فقط أنصبة أرباح لمالكي الأسهم التفضيلية، و«فرنسبنك» خفّض قيمة التوزيع لمالكي الأسهم العادية بنسبة 51% عن الـ 2017، رغم تحقيقه أرباحاً موازية، علماً بأنّ بعض المصارف حافظت في الـ 2018 على نفس قيمة أنصبة الأرباح الموزعة في الـ 2017، بالرغم من انخفاض النتيجة الصافية المُحققة، وأبرزها بحسب التقرير «بنك عوده وبنك سوسيتيه جنرال». فالأخير، استخدم 18 مليون دولار من الأرباح السابقة المدوّرة (الجزء من الأرباح غير الموزّع على المُساهمين)، ليتمكّن من توزيع أنصبة أرباح بالقيمة عينها كما كانت في الـ 2017، ويُفيد أصحاب المصرف وكبار المُساهمين به. أما بالنسبة إلى «بنك انتركونتيننتال» و«البنك اللبناني السويسري»، فقد ارتفعت قيمة أنصبة الأرباح الموزعة، مع الارتفاع في صافي الأرباح المُحقّقة.ما المُبرّر لهذه القفزة؟ «فتحت الهندسات المالية التي نفذها سلامة شهيّة توزيع أنصبة الأرباح على مالكي المصارف. هذه الأرباح كانوا يحصلون عليها بالليرة، ثمّ يشترون بها الدولار من مصرف لبنان، ليُحوّلوها إلى خارج البلد»، يقول مسؤول سابق في السلطة النقدية. كلّ المعنيين كانوا على علمٍ بتحقيق كبار المُساهمين أرباحاً خيالية يُسارعون إلى إخراجها من قطاعهم المصرفي، لـ«حمايتها» في بلد آخر. لم «تُهرّب» كلّ أنصبة الأرباح خارج الحدود، فبعض المساهمين (مالكو المصارف) «استخدموها لإطفاء ديون متراكمة عليهم في مصارف أخرى». لم يستمع سلامة إلى «التحذيرات» في هذا الخصوص، «وحجّته أنّ عدم توزيع أنصبة أرباح تحول دون استقدام مُساهمين جُدد إلى القطاع»، علماً بأنّ المصارف «بعددها الأكبر، أبقت على دائرة مالكيها ضيّقة، من دون أن تنفتح على جذب مساهمين كبار».

توسّع توزيع أنصبة الأرباح بين الـ 2015 والـ 2018، وتحقيق حملة الأسهم العادية أكثر من 3 مليارات دولار، كان يُفترض به أن يؤدّي إلى زيادة «سلسة» لرأسمالها وتكوين حساب خارجي. إلا أنّ المصارف تمرّدت، وأجبرت «المركزي» في 26 آب 2020 على إصدار التعميم الوسيط 567، المُتعلّق بتمديد فترة زيادة الـ 20% إلى نهاية كانون الأول 2020 (كانت مُحدّدة بحزيران 2020)، والسماح لها بأن تكون نصف زيادة الرساميل عن طريق عقارات (المادة السادسة مُكرّر من التعميم الأساسي 44)، بعدما كانت كلّها «نقداً» وبالدولار. ترجمة هذا الكلام النقدي والتقني، أنّ المصارف «تملك المال لزيادة 20% نقداً عبر استخدام أموال أصحابها وكبار المُساهمين فيها، من دون اللجوء إلى زيادة خادعة عبر العقارات أو ممارسة المزيد من الضغط على سعر الصرف. فهذه النسبة هي أدنى المطلوب منها». ولكن يبدو أنّ أي التزام، مهما كان مُتساهلاً، لم يعد نافعاً «إلا في حال خلق مصارف جديدة برأسمال جديد والإتيان بدولار حقيقي». هو الحلّ الوحيد مع مصارف اكتفت بأن تكون «شركة تجارية عائلية»، استفادت من بيئة محلية مُلائمة لمراكمة ثروات شخصية، من دون الاهتمام بأداء دور في الاقتصاد الوطني، ووجدت «جنوداً» في «دولة المال» (بالتزامن مع تعيينها مباشرةً في مناصب وزارية ونيابية) يُسهّلون لها مهمتها.


سلامة يتجاهل تقرير «الرقابة»
التقرير الذي يُبرز كم وزّعت المصارف أنصبة أرباح بين الـ2011 والـ2018، وصل إلى طاولة حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، في تشرين الأول 2019. ثبت لسلامة (وهو العارف أصلاً)، بتقرير رسمي صادر عن لجنة الرقابة، أنّ المُساهمين الرئيسيين في هذه المصارف يملكون الدولارات في الخارج. على الرغم من ذلك بقي مُتمسّكاً بسياسته تجاه المصارف كما لو أن شيئاً لم يكن. ففي 11 تشرين الثاني 2019، أعلن «المركزي» إقراض المصارف دولارات بفائدة 20%. بلغت قيمة هذه القروض في تموز الماضي، قرابة 8 مليارات دولار. وقد استفاد منها كلّ من: عودة، بلوم بنك، سوسيتيه جنرال، البحر المتوسط، بنك بيروت، الاعتماد المصرفي، سرادار، سيدروس، فيدرال بنك، بنك الشرق الأوسط وأفريقيا، بنك مصر ولبنان، بنك التمويل، فرست ناشيونال بنك، بلوم للاستثمار، والبنك اللبناني للتجارة. أما الدولارات التي أخرجها أصحاب المصارف من لبنان، فاكتفى «المركزي» بالطلب إلى المصارف «حث» أصحابها ومودعيها على إعادة نسبة منها إلى لبنان. وهذا الحث لا قيمة قانونية له، ولم تكن له نتائج عملية ذات أثر على أحوال القطاع المصرفي.


ما هي أنصبة الأرباح؟
هي الحصّة من أرباح المصرف التي تُدفع سنوياً لكلّ شريك أو مُساهم فيه، بعد التصديق على الميزانية وحساب الأرباح والخسائر. نوعان من المُساهمين يستفيدان من أنصبة الأرباح:
– حملة الأسهم التفضيلية، أي الذين يتمتعون بحقّ الحصول على الأرباح وامتياز نَيل عائدات تصفية المصرف في حال إفلاسه قبل الأسهم العادية، من دون امتلاك أي حقوق في إدارة المصرف.
– حملة الأسهم العادية، أي عملياً مالكي المصرف، ومن يملك الحقّ في انتخاب أعضاء مجلس الإدارة والتصويت على سياسات المصرف. هؤلاء لا يحصلون على الأرباح إلا بعد حاملي الأسهم التفضيلية والسندات والزبائن.