الحدث

التدويل… “إعادة إنتاج” معارضي حزب الله

“ليبانون ديبايت” – عبدالله قمح

لم يكن من قبيل الصدفة بتاتاً، أن يطالب الشيعة المعارضين لـ”حزب الله” بحماية دولية. الموضوع قديم، لا هو يتصل بظروف اغتيال الناشط لُقمان سليم الآن، ولا أسلوب الإستخدام السياسي للفعل، والذي لا يقلّ وقاحةً عن الجريمة بحدّ ذاتها، ولا صلة للأمر قَطّ بخشية هؤلاء على أنفسهم من فعل يتّهمون الطرف الآخر بنية الإقدام عليها، القصة ليست سوى “أجندة سياسية” يُراد تمريرها بظرف يعتقدون أنه مؤاتٍ وسانح، وبصرف النظر عن الأضرار الجانبية المحتملة، و باستغلال حادثة ثمّة أكثر من علامة إستفهام و متّهم يقف خلفها أو يستفيد منها.

التدويل بالنسبة إلى هذه الجهة “مسألة طبيعية”، وأصلاً ما هو غير طبيعي ألّا يُطرح في هذا التوقيت، بعد كل الذي حصل في الاغتيال ومنذ ما قبل الاغتيال. طرحت المسألة كفكرة في الإمارات بداية عام ٢٠١٨، خلال إحياء مفاعيل مؤتمر”تفكيك شيفرة حزب الله” وقد لفّ حينَذك بإطار العسكرة والحصار ولأجله خلقت أو زرعت تبريرات شتى في محاولة لتأمين غطاء قانوني لها، بقى أن الهدف الاساس من وراء كل ما كان يحصل، كان محاولة إرساء نوع من المفاهيم الجديدة لدى جمهور بيئة معينة، وما انفك الحديث عن تلك التوجيهات أو المساعي يتردّد في أكثر من مناسبة داخلية وخارجية، وفي حلقات وخيم سرية وعلنية، وهو ما تجده تلك الجهة مقدّمة لإعادة أدلجة أو إعادة رسملة مفاهيم تخص بيئة، بل طائفة كاملة.

والتدويل مشروع يُراد تطبيقه إذاً، بصرف النظر عن التوقيت، هو مشروع متقدّم يتبنّاه هؤلاء جهاراً وتتحاشى أو تخشى قوى سياسية معروفة بمعاداتها لمبدأ المقاومة طرحه، والتدويل نفسه يطلّ، وإن اختلفت التكتيكات من “زاروب” الحكومة مروراً بقضية الإصلاح والتدقيق الجنائي والتحقيق بانفجار المرفأ والأزمة المالية وغيرها.

لقد راهن هذا الفريق السياسي على العامل الخارجي وما زال، بعدما أدرك منذ عام ٢٠١٨ وصعودأ، أن “التغيير” الذي يطمح إليه داخل البيئة السياسية الشيعية من خلال الإنتخابات، أمر غير ممكن إنجازه لطبيعة عدم حيازة هذا الفريق لأي شرعية شعبية تُذكر (بالاستناد إلى أرقام الإنتخابات) فضلاً عن عدم وجود مشاريع تؤهّل لخلق جو سياسي منافس ضمن بيئة “حزب الله”، إضافة إلى المشاكل الشخصية والسياسية التي تنخر هذه المجموعة، وهذا العجز قد أقرّ به أكثر من وجه شيعي معارض، ثم الجهات المموّلة لهم أميركياً، والتي عملت مؤخراً على تجفيف موارد، وتسكير حنفيات كانت تغزّي أكثر من شخص وجمعية وموقع إلكتروني، بعدما أيقنت بما لا يحمل على الشك، أن التغيير مُحال أن يتحقّق باتباع “المفهوم الديمقراطي”على النهج الغربي. من هنا، يمكن فهم أسباب تعزيز مفهوم العقوبات والحماسة التي يقارب فيها هؤلاء تلك المسألة، رغم أنها خلقت تباينات وقراءات متنافرة من قبيل أنها تطال في جوانبها البيئات الأخرى البعيدة عن الحزب، سياسياً وطائفياً.

ليس سراً أن مفهوم التدويل طُرح في أكثر من مناسبة، كانت تجمعها علامات تبني الفوضى أو السعي إلى تحقيقها. فمثلاً، طُرح التدويل للمرة الأولى في عزّ انتفاضة ١٧ تشرين كنوع من أنواع حماية الثوار من ما أطلق عليه حينذَاك “بطش قوى الأمن وأحزاب السلطة”، وفي الميدان عمل لأجله من زاوية تنمية مشاعر عدم الثقة بالسلطة والإستقلالية الجغرافية والسياسية حتى، ثم لاحقاً أعيد طرح المشروع بعيد تفجير المرفأ وإقحام “حزب الله” في المسؤولية عن شحنة عنبر الموت من النترات بالتوازي مع تعزيز أجواء عدم الثقة بالدولة وهو ما قاد إلى تحويل السلطة إلى “خادم ديليفيري” يعمل عند مؤسسات دولية قرّرت أن تقدم المساعدات إلى الناس مباشرة عبر NGOs وبمعزل عن صلاحية الدولة او رقابتها، وفي الطريق إلى ذلك كانت أصواتاً تخرج على الإعلام لتطالب بتدويل مع هامش أوسع من الاستقلالية، هذا فضلاً عن طلب إيداع التحقيق لدى جانب دولي، إلى تأمين حماية دولية عبر توسيع مهام “اليونيفيل” لتشمل الجزء الشرقي من بيروت، والآن يعود من بوابة عودة الإغتيال السياسي “المشبوه” من حيث التوقيت وبشكل أوقح، من خلال ادعاء المظلومية والخطر على حياة أكثر من شخصية، رغم أن بعضها يفتقر حتى إلى الإمكانات التي تدفع طرف ما للمبادرة إلى اغتيال.

كل ذلك، وعلى قساوته، مقبول لدى فئة المعارضة، وله تبريراته وتفسيراته وأسبابه، بينما يُمنع على حزب الله او بيئته حتى “الشك” بخلفيات كل تلك الطروحات او تكهن بما سيترتب عليها من مخاطر.

السمة التي جمعت المحاولات الثلاث كانت الدماء، وهذا يعيد إحياء نظرية أن التغيير في لبنان لا بد أن يروى بالدماء شرط أن يُستغل من مجموعة سياسية “أكثر متانة”، وهو ما ينمّي الشكوك حول وجود طرف دولي أو أكثر، له مصلحة في إدخال تغييرات أو تكتيكات جديدة من خلال استبدال الفريق القديم بآخر جديد عبر إنتاج فريق عمل عصري مختلف، وبعناصر ومفاهيم جديدة تولّدت من عمق الإنتفاضة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

وكالة نيوز على اخبار غوغل
زر الذهاب إلى الأعلى