هنري شاوول لـ”أساس”: لا احتياطات في “المركزي” والدعم من ودائع الناس

 

إيفون أنور صعيبي -أساس ميديا

رحلت “Alvarez & Marsal”. لملمت أغراضها وغادرت ببساطة من دون أن تحقّق شيئاً. انسحبت من التدقيق المحاسبي الجنائي بعدما رفضت مهلة الثلاثة أشهر لاستلام بيانات مصرف لبنان. هكذا، يكون البنك المركزي وجمعية المصارف وبعض القوى السياسية قد أسقطوا المحاسبة الجنائية رغماً عن أنوف الجميع، فأطاحوا بالإصلاحات.

كان سبب المغادرة عدم حصول الشركة على المعلومات والمستندات المطلوبة للمباشرة بتنفيذ مهمتها، وعلمها المسبق بعدم التوصل الى البيانات حتى ولو أعطيت لها فترة إضافية.  يطرح رحيل الشركة أكثر من سيناريو:

– يمكن أن تكون تعرّضت لضغوطات، لذا أنهت العقد. أو أدركت أنّ حجم الفساد المالي اللبناني يفوق قدراتها وخبراتها، ففضّلت الانسحاب.

– الاحتمال الثاني توثّقه تجارب “Alvarez & Marsal” في عدد من الدول ولو بتفاصيل مختلفة. فعام 2013 على سبيل الذكر، دخلت الشركة إلى الحسابات المصرفية القبرصية من بابها العريض. وبسبب التحليلات الاستشارية غير المتطابقة مع الواقع، رفضت قبرص دفع فاتورة الشركة وقيمتها 14 مليون يورو. وبعد أشهر من المواجهات القانونية والقضائية، قرّرت الأخيرة خفض قيمة الفاتورة إلى 4.5 مليون يورو. كان ذلك قبل أن يقرّر مجلس النواب القبرصي فتح تحقيق حول عمل الشركة، الذي أدّى الي تراجعها عن المطالبة بمستحقاتها الاستشارية معطية الدولة القبرصية خيار تقرير المبلغ المُستحقّ.

لم تكن تجارب “Alvarez & Marsal” مشجعة. مع ذلك وقع اختيار حكومة حسان دياب عليها. لكن أين كانت وزارة العدل من كلّ هذه المعمعة؟ ولماذا وافقت في الأساس على الشركة غير المتخصّصة في التدقيق الجنائي من دون أن تبدي أيّ ملاحظات؟ وكيف صادقت على عقد مع إدراكها بعدم قابليته للتنفيذ ومن دون أن تقوم مع جيش مستشاريها بجوجلة استباقية تمنع حصول ما حدث؟

لا تحتاج كلّ هذه التساؤلات إلى أجوبة. بل إنها تحمل رغبة بمعرفة سبب اختيار هذه الشركة تحديداً، وهو ما وحدها الأيام قادرة على تبيانه…

أما السرية المصرفية، فلدى تناولها تجدر الانطلاقة من نقطة واحدة وحيدة، وهي مبدأ فرض هذا القانون لحماية الحريات الشخصية. وفي ظروف استثنائية دقيقة، تعلو المصلحة العامة على تلك الفردية. انهار القطاع المصرفي. فما نفع السرية في وقت بات التدقيق ركيزة الإصلاح والإنقاذ! أَوَلم يصدر مصرف لبنان تعاميم الظروف الاستثنائية؟ ولماذا لم يعتبر التدقيق استثناءاً؟!

من هذا المنطلق، كان بمقدور وزارة العدل إيجاد حلّ لتفادي التذرع بقوانين بالية، وذلك بحسب القانونيين. أو كان بوسعها، ببساطة الإبلاغ عن عدم قابلية العقد للتطبيق سيما وأنّ هذه الذريعة تُركت عن قصد لمصرف لبنان حتى يتحجّج فيتهرّب من المحاسبة التشريحية.

مستشار وزير المال ضمن الوفد المفاوض مع صندوق النقد الدولي هنري شاوول يرى عبر “أساس” أنّه “عندما وُضعت الخطة المالية الحكومية، اعتبر صندوق النقد الدولي أنّ المشكلة تكمن في خسائر النظام المالي. وأكّد ممثّلوه على وجود خسائر غير مذكورة. لا شك أنّ الصندوق يملك معطيات أكثر من الحكومة مجتمعة. ففي لبنان يبدو الحديث عن بيانات مصرف لبنان كمن يضرب بالمندل. قدّم مشروع الحكومة حقائق للمرة الأولى، وقد سُمّيت الأمور كما هي. في الواقع، بدأت المصارف تنكشف قبل قرار امتناع الحكومة عن دفع مستحقات اليوروبوندز. فالمشكلة لا تتمثّل بالسيولة فحسب. بل إنها قضية كذب على الشعب بغية تناتُش ما تبقى قبل الانهيار الأخير”.

ويضيف شاوول: “لا حلول في المدى القريب. فمن جهة، لا تعبّر ميزانيات المصارف عن حالة هذه المؤسسات، وهو ما أكّدته شركات التدقيق. ومن جهة ثانية، لا يملك مصرف لبنان أيّ احتياطات. بل إنّ كلّ التمويل يتمّ راهناً من الموجودات، وتحديداً من ودائع الناس التي يستخدمها المركزي من دون وجه حقّ، وفقاً لقانون النقد والتسليف. وبحسب القانون عينه، فإن عملية تمويل الدولة طوال تلك السنوات كانت مخالفة. من هنا، لا يكون التدقيق الجنائي مسألة أرقام سرية وداتا غير قابلة للكشف. فالقضية أخطر من ذلك بكثير، وهي تطال إدارة البلاد وسياستها المالية والنقدية، وهي كناية عن “دكانة” بكل ما للكلمة من معنى”.

من دون تدقيق تشريحي، لا أمل في معرفة ما يحصل في أروقة البنك المركزي. ولا إمكانية لمعرفة واقع احتياطي الذهب والعملات الصعبة…في هذا الإطار، لا يمكن تجاهل تصريح حاكم البنك المركزي رياض سلامة منذ أسابيع قليلة عندما قال إنه “لا حاجة للتدقيق الجنائي، فالنظام المصرفي متعاقد ومنذ عقدين من الزمن من شركتين عالميتين هما “Deloitte” و”Ernest & Young”. وعلى الرغم من أنّ هذا الملف ليس موضوع الحديث هنا، إلا أنّ تصريح سلامة يطرح اكثر من نقطة استفهام:

-كيف صادقت الشركتان على ميزانيات مضخّمة وغير شفّافة؟

-وكيف غطّت عمليات الالتفاف على المعايير المحاسبية العالمية؟

-ومن راقب تقارير الشركتين؟ وأين كانت لجنة المال والموازنة طوال أعوام “التطبيل” للسياسات المالية؟ والأهم: أين كانت المديرية العامة لوزارة المال ولجنة الرقابة على المصارف؟

-وهل كانت الأمور لتتأزّم لو تعاطت الشركتان بشفافية وصدق، ولو قامتا بدورهما كما يجب؟ ولماذا لم تُستبدل كلّ 5 أعوام عملاً بمبدأ المداورة الذي تفرضه المعايير الدولية؟ ومن غطّى تخبيصات الشركتين وانخراطهما في الالاعيب والتركيبات المالية؟

– وبما أن عمل “Alvarez & Marsal” يتطابق مع “Deloitte”و”Ernest & Young”، من حاسب الشركتين بعدما فُضح تقصيرها؟

وأين أصبح عمل “KPMG ” و”Oliver Wyman” بعدما حلّتا مكان “Deloitte”و”Ernest & Young”؟

في جميع الأحوال أُحبط التدقيق، ما يضع كل المساعدات المرتقبة في مهب الريح…أما شركتا التدقيق المحاسبي المحتكرتين للسوق المالية المحلية، ولو كانت عالمية، فهي ليست منزّهة، وهو ما يثبته ضلوع “Deloitte” وتورطها في قضية “البنك اللبناني الكندي”…

“لم يكن ليتوقف التدقيق الجنائي عند حسابات مصرف لبنان ووزارة المال، ولا حتى كلّ الوزارات والمؤسسات العامة والأهم عقود الدولة، بل كان يجب أن يطال القطاع المصرفي ككل”، يقول شاوول: “وهنا يكمن سبب تعطيل المحاسبة الجنائية. أما السرية المصرفية المفروضة لحماية أسرار السياسيين وتفاصيلهم المالية، وتغطية عمليات تبييض الأموال، والتهرّب الضريبي، فآن الأوان لكي تُرفع. بمعنى آخر، ليست السرية المصرفية لحماية الأفراد العاديين، بل إنّها تحمي الفساد وآلياته…”.

ويتابع: “لقد تفاوضت مع شركة “Kroll” العالمية وهي الأفضل في مجالها بأشواط. وباعتباري كنتُ متابعاً لهذا الملف، فبوسعي القول إنّ كلّ الاتهامات التي آلت دون التعاقد مع “Kroll” بعيدة عن الحقيقة. لم يُرِد البنك المركزي ومعه جمعية المصارف وعدد كبير من السياسيين هذه الشركة تحديداً والتدقيق الجنائي خصوصاً. لهذا السبب تقدّمتُ باستقالتي. فهؤلاء لا يريدون أيّ إصلاح. فالإصلاحات تبدأ بالتدقيق الجنائي. وحدها “Kroll” قادرة على تطبيقه”.

كان الهدف “تطيير التدقيق الجنائي”. أما وزارة العدل، فتتلهّى بتقاذف المسؤوليات. وبدلاً من تفعيل صلاحيات القضاء ومعه السلطات الرقابية، نراها تنادي مراراً باستقدام شركات تدقيق أجنبية، كلما أرادت تسجيل هدف في مرمى الخصوم…

 

Exit mobile version