زاهية ناصر-النشرة

 

 

بين التعليم والتعلّم خلف ​شاشات​ الأجهزة والذهاب إلى الصفوف الحضورية، تختلف آراء الأساتذة والأهالي والطلاب.

الغالبية هنا، تتفق على أن “خيار الأونلاين” الحالي مؤقتاً، لا بديل عنه في ظل أزمة “كورونا” وتفشي الفيروس بشكل كبير في كافة المناطق ال​لبنان​ية.

فبعد قرارات عدة جاهدت ​وزارة التربية والتعليم​ لتنفيذها بغية ​إنقاذ​ العام الدراسي عن طريق التعليم المدمج، تسبب انتشار الوباء وواقع القطاع الطبي المنهك في فشل خطط وزارة التربية، ما أجبر المؤسسات التعليمية كافة على إغلاق أبوابها، بعد أن كان المشهد منقسماً بين مدارس تستقبل طلاباً وأخرى تكتفي بالتعليم عن بعد، وكل بحسب موقعه الجغرافي.

فما هو مصير العام الدراسي في ظل الصعوبات التي يمر بها القطاع الطبي، وهل “التعليم عن بعد” يكفي لإبعاد شبح الأخطار التربوية عن الطلاب حالياً والوطن لاحقاً؟

الصورة العامة هذه طرحناها على أهل الاختصاص أولاً لمعرفة أبعاد إيجابيات وسلبيات “التعليم عن بعد”، ثم تواصلنا مع عينة من الأهالي والطلاب للحديث عن تجاربهم الخاصة في هذا الصدد.

الخطر التربوي على المجتمع لا يقل أهميةً عن الخطر الصحي

معترضاً على السّياسة المتبعة في لبنان لمواجهة الوباء، يقول الدكتور في علوم التربية من جامعة جنيف – ​سويسرا​ علي خليفة، إن “قطاع التربية يتعرض اليوم لأخطار نحن بالغنى عنها، فالحل ليس في إغلاق أبواب المدارس والجامعات ومعالجة آثار الوباء بالانتقال من الصف الحضوري إلى ​الشاشة​ المُظلمة، فالتعليم عن بُعد ذو فعّاليّةٍ ظرفيّةٍ محدّدة. وهو عاجزٌ كلَّ العجز عن أي يحل محلَّ المدرسة: إن في مجال توفير المعرفة للمتعلّمين، أو في اكتساب المهارات والقدرات المطلوبة”.

 د. علي خليفة – أستاذ في الجامعة اللبنانية

ويقول خليفة في حديث مع “الاقتصاد”، إن المشكلة الرئيسية تكمن في قصور القطاع الصحي ونظامه الركيك، وليس ترفاً أن يكون التعليم أولوية، هذا لا يعني أن الصحة أقل أهمية ولكن ليس من الضروري أن تضاف على الأخطار الصحية أخطاراً تربوية”.

ويضيف، “نحن أمام مشهد سوريالي، هناك هلع بإغلاق المؤسسات التربوية، والخطأ كان في السياسة التي تم اعتمادها بتغييب الوعي حول الوباء وكيفية التعاطي معه، واستبدال الاعتبارات الواقعية بالعاطفية”.

أما الأستاذ عبدو خاطر رئيس ​رابطة التعليم الثانوي​ سابقاً فيؤكد لـ “الاقتصاد”، أن “التعليم عن بعد يفتقد للتربية”؛ ويقول: “نحن مُربّون ولسنا معلمون فحسب، والوزارة اسمها وزارة التربية والتعليم العالي، ولكن هذا لا يعني أن يبقى الطلاب بلا تعليم نهائياً في ظل الوباء وانتشاره، إذ لا يوجد حلاً آخر”.

ويضيف، “نحن في لبنان مجتمعات مختلفة، وهناك المدارس الرسمية والخاصة، وحتى الرسمية تختلف تجهيزاتها باختلاف المنطاق، إذ إن هناك مناطق نائية حيث جودة ​الإنترنت​ تعيسة، وقدرات الأهل محدودة، إضافة لأزمة انقطاع ​الكهرباء​ المتكررة. لذلك لا نستطيع أخذ عينة واحدة والبناء عليها، لكن عموماً التعليم عن بعد هو الأفضل بين السيئات”.

أ.عبدو خاطر- رئيس رابطة التعليم الثانوي سابقاً

ويشدد خاطر، على أن “التعليم عن بعد لا يعدُّ من الوسائل الأفضل، فهو جَسَدٌ من دون روح وطريقة فاقدة للتربية وللحوار وللتفاعل والود”، مشبهاً التواصل عن بعد بين الطلاب والأساتذة بتعاطي الأجهزة فيما بينها، معتبراً أنها “طريقة غير ناجحة ” خصوصاً للأطفال والطلاب في المراحل الابتدائية”.

هذا التفاوت في المشهد التعليمي أشار إليه أيضاً الدكتور خليفة قائلاً: “بين مدارسَ كانت تَستخدم وسائلَ التكنولوجيا من ضمن عمليّةِ التعليم، فتابعتْ مهمّتَها بسلاسة، ومدارسَ أخرى تعثّرتْ لأسبابٍ عديدة، منها النقصُ في التجهيزات أو في إعداد الأساتذة وتدريبِهم على استخدام التكنولوجيا في التعليم، ومنها عوائقُ ترتبط بالمستوى الاقتصاديّ والاجتماعيّ لبيئات المتعلّمين وظروفِ توافرِ الخدمات. يمكن القولُ هنا إنّ الإنتقال من التعليم الحضوريّ في الصفّ إلى التعليم عن بُعد في ظلّ “كورونا”، يضرب المساواة التي تقدّمها المدرسة. ذلك لأنّ فرصَ الوصول إلى التعلّم وظروفه تختلف، ما يزيد من التهميش واللاتكافؤ الاجتماعيّ، ويتسبب في انعدام ضمان التعليم الجيّد والمنصِف والشامل للجميع ويقضي على تعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع”.

أما بالنسبة للتقييم الذي على أساسه سيتم ترفيع الطالب من عامه الدراسي علّق خاطر، “هي مشكلة المشاكل وهي العائق الأكبر خصوصاً لمن لديهم امتحانات رسمية”، ويسأل: ماذا بعد التعليم عن بعد؟ وكيف سيتم التقييم؟ وعلى أي أسس؟”

ويؤكد رئيس رابطة التعليم الثانوي سابقاً لـ “الاقتصاد”، أنه “حتى الآن لا توجد ​آلية​ واضحة لمسألة التقييم، ولا توجد آلية تجعل الامتحانات نزيهة بحيث يكون هناك طريقة تمنع الغش على الأقل. فيما تقوم وزارة التربية ومديرية الإرشاد بجهود في هذا المجال، إلا أن الوضع السياسي والجو العام في البلد يؤثر سلباً على هذا المسار”.

أهالي الطلاب: صحة أولادنا أولوية ونؤيد التعليم عن بعد رغم الصعوبات

مي أبو شقرا والدة لثلاثة طلاب أعمارهم متفاوتة، تقول لـ “الاقتصاد” إنها تفضل عدم ذهاب أولادها إلى المدرسة والجامعة خوفاً من تعرضهم لأي عارض صحي في هذه الظروف، وتشير إلى أن “الإختلاط هو المخيف وليس المدرسة بالتحديد”.

المُصور الصحفي محمد عمر، كان رأيه مشابهاً لما قالته السيدة أبو شقرا، وأضاف أنه على الرغم من المشاكل التقنية التي قد تطرأ بسبب انقطاع الكهرباء المتكرر، إلا أنه يُفضِّلُ بقاء أولاده في المنزل، وتلقي دروسهم عن بعد حفاظاً على صحتهم.

زينب جابر سلوم لم ترسل أولادها إلى المدرسة خوفاً عليهم بسبب تواجد حالات “كورونا” في القرى المجاورة لمدرستهم، إلا أنها تعاني مع ابنها الصغير ذي الخمس سنوات في تجربة “التعليم أونلاين”، ولكنها تثق بمدرسة أولادها بأنها ستعوض أي نقص في التعليم.

                                       

أمّا الطلاب فقد اختلفت آرائهم، فهناك من فضل التعلّم عن بعد ريثما ينخفض عدد الإصابات، ومنهم من لم تعجبه تجربة “الأونلاين”. فبشير حنبوري الطالب الذي يبلغ من العمر 16 عاماً، يدرس في قسم الآداب والانسانيات- سنة ثانية ثانوي، قال لـ “الاقتصاد”، إن “التعليم عن بعد في هذه المرحلة أفضل بسبب عدم الاختلاط بين الطلاب والأساتذة، وهو ما يكفل انخفاضاً في عدد الإصابات بالفيروس”. ويرى الطالب، أن “وضع الكمامة للوقاية طوال الحصص التعليمية أمر متعب، ويشتت التركيز عند وضعها ورفعها عن الوجه وبالتالي تصبح الوقاية صعبة”.

حنبوري أشار أيضاً إلى فوائد عدة للتعلم عن بعد، فبرأيه، أن هذا المسار يخفف من ازدحام السير ويساهم في تخفيض التكاليف المادية لأجرة النقل التي يتكبدها أهالي الطلاب، فيما يساهم ابتعاد الطلاب عن بعضهم في القضاء على ظاهرة التنمّر. ويشكو الطالب في المقبل من أزمة رئيسية تقوّض التعلم عن بعد، وتتمثّل في ضعف ​شبكة الانترنت​.

أما ماريتا أبو سليمان طالبة السادس ابتدائي، لم تعجبها تجربة التعلّم عن بعد، وتقول إنها تفضل الذهاب إلى المدرسة وحضور شرح المعلّمة في الصف، وطرح الأسئلة عليها بشكل مباشر في حال أرادت الاستفسار عن معلومة ما. وتؤكد ماريتا أن التفاعل في المدرسة مع أصدقائها وأساتذتها يشعرها بطاقة ايجابية لم تجدها بالتعلّم عن بعد.

نقلْ الطلاب من الصفوف التقليديّة إلى الصفوف الإفتراضيّة، لم يكن بهذه السلاسة والسهولة التي توقعها البعض على كافة المستويات. ولهذا التغيير المفاجئ بالتماشي مع التكنولوجيا الحديثة في التعليم والتعلّم مضاعفات قد تهدد النظام التربوي والتعليمي مستقبلاً في بلد منهار صحياً، اقتصادياً وسياسياً.