العقوبات تزيد الحكومة تعقيداً والمبادرة الفرنسية في “خبر كان”.. المداورة تسقط والنقاشات في المربع الأول

ما كان ينقص التأليف المتعثر سوى العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الاميركية على النائب جبران باسيل، ما سيؤدي حتماً الى تعطيل المسار الحكومة المفرمل منذ مدة، على وقع توقف الاتصالات والمشاورات التي تعمل على حلحلة العقد التي تحول دون عملية التأليف. وستتجه الأنظار في الساعات والأيام المقبلة اكثر فاكثر الى القناة الثنائية بين قصر بعبدا وبيت الوسط تطلعا الى ما يمكن ان تتكشف عنه تداعيات التطورات الأخيرة وما اذا كان ثمة قرار ما في احتواء اخطار التراجع في تأليف الحكومة ام إمعان في التعقيد الذي سيرمي البلاد في مزيد من الانهيارات علما ان قرار الاقفال العام الذي سيتخذه غدا المجلس الأعلى للدفاع لمواجهة زحف كورونا وعلى رغم طابعه الملح والضروري والعاجل سيضع الدولة في عين التحديات المتراكمة.
الحكومة الى نقطة الصفر
اذاً، تبعثرت الأوراق وتشقلبت الأولويات وتبدّلت المعطيات، فما كان قبل الانتخابات الأميركية على المستوى الإقليمي لن يكون كما بعده، والحسابات الداخلية قبل العقوبات على جبران باسيل ليست كما بعدها…
ولاحظت مصادر سياسية لـ”اللواء” أن العقوبات الاميركية على رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل قد احدثت ارباكا قويا لدى رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه السياسي في هذا الظرف بالذات، لان توقيتها تزامن مع عملية تشكيل الحكومة الجديدة، ما وضع هذا الفريق امام خيارين للرد ومواجهة هذه العاصفة القوية التي استهدفت أقرب المقربين للرئاسة الاولى وركيزتها الاساسية سياسيا وحزبيا،الاول، التقليل من تاثير هذه العقوبات الاميركية قدر الإمكان وإظهار قلة تداعياتها سياسيا وإعطاء الاولوية للمساعي والجهود المبذولة لتشكيل الحكومة الجديدة وتوفير كل مقومات الدعم والمساعدة لتتمكن من القيام بالمهمات المنوطة بها لحل سلسلة الازمات المتراكمة التي يواجهها لبنان وباتت تضغط بقوة على شرائح واسعة من الشعب اللبناني.

اماالخيار الثاني، فهو الرد بتصعيد الموقف السياسي ضد الفريق السياسي الاميركي الذي أقر هذه العقوبات ضد باسيل من جهة، والاستمرار في عرقلة وتعطيل عملية تشكيل الحكومة العتيدة، تحت حجج ومطالب واهية،لاظهار مدى قدرة هذا الفريق الرئاسي بالرد وتعطيل عملية التشكيل. الا ان سلوك الخيار الثاني يبقى محفوفا بمخاطر وتداعيات سلبية، لن تؤثر إطلاقا على الولايات المتحدة الأميركية اوالجهات المسؤولة عن إقرار هذه العقوبات، بل ستؤدي الى اطالة أمد الفراغ الحكومي مع ما يترتب عليه من زيادة تراكم المشاكل الاقتصادية والمعيشية التي يعاني منها المواطن اللبناني وتأخير المباشرة بحل الازمات المتعددة.
ولم تشأ مصادر مطلعة على اجواء بعبدا إضافة أي موقف جديد عن رئيس الجمهورية بالنسبة إلى موضوع العقوبات مكتفية بما صدر يوم السبت عن طلب الرئيس عون من وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال شربل وهبة إجراء الاتصالات اللازمة مع السفيرة الأميركية في بيروت للحصول على المستندات التي دفعت بوزارة الخزانة الأميركية إلى فرض عقوبات بحق النائب جبران باسيل.

ولفتت المصادر الى أن هذا الإجراء قام به عون في التاسع من أيلول الماضي حين فرضت عقوبات بحق الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنياتوس.
الحل في حكومة سريعة؟
في المقابل، اعتبرت مصادر سياسية مطلعة لـ”اللواء” ان كل ما يقال ويروج بأن العقوبات الاميركية على باسيل ستطيح بتشكيل الحكومة العتيدة ليس صحيحا، لان الاتصالات والمشاورات العلنية والبعيدة من الاعلام متواصلة لان هناك رغبة محلية واضحة لانضاج التشكيلة مترافقة مع الحاح فرنسي قوي، عبر عنه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في الاتصال الاخير مع رئيس الجمهورية منذ ايام. وتوقعت المصادر ان تتبلور المشاورات والاتصالات بين مختلف الاطراف السياسيين في غضون ايام معدودة ،سيتخللها انجاز التشكيلة الحكومية وعرضها على رئيس الجمهورية ميشال عون لانه لم يعد بالإمكان تأخير ولادة الحكومة الجديدة تحت حجج من هنا ومطالب من هناك.
وفي تقدير المصادر السياسية لـ”اللواء” فإن رئيس الجمهورية سيختار تسهيل ولادة الحكومة الجديدة بدل تعطيلها لان هذه السلوكية تصب في مصلحة العهد وليس ضده، في حين ان ماطرحه النائب جبران باسيل في رده على العقوبات الاميركية، إنما هو رد طبيعي لاعادة شد عصب جمهوره المتاكل والمتعب في وقت واحد بينما ماضمنه لرده من مواقف ورسائل بخصوص تشكيل الحكومة الجديدة لم يتضمن تبدلا وهي مواقف معروفة واستغلاله لهذه المناسبة للإعلان عنها، انما هو بمثابة إظهار نفسه الجهة الموثرة بعملية التشكيل ومحاولة مكشوفة لابتزاز الرئيس المكلف ألذي يبحث موضوع تشكيل الحكومة مع رئيس عون وليس مع النائب باسيل.

إلى ذلك رأت مصادر سياسية مطلعة أنه على الرغم من تزامن العقوبات مع تشكيل الحكومة الجديدة إلا أن الملف الحكومي لم يكن يسير بخطى واثقة إذ كان هناك بعض التفاصيل التي لم تحل لافتة إلى أن هناك رغبة رئاسية بأن تستكمل عملية التأليف في جو توافقي انطلاقا مما تم التفاهم عليه في لقاءات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف على أن المطلوب اليوم خطوات أكثر فاعلية لجهة تفعيل الاتصالات وموضوع المعايير الموحدة وبت نقاط معينة موضحة أن غيمة العقوبات تحتاج بدورها إلى بعض الوقت.
المبادرة الفرنسية تبخرت

أما في ما يتعلق بالمبادرة الفرنسية رأت مصادر سياسية مطلعة لـ”نداء الوطن” أنّها “تبخرت عملياً” وأصبح الفرنسي ينتظر ما ستؤول إليه الأمور في أميركا بعد الإنتخابات كي يشكل مع الإدارة الجديدة فريقاً ثنائياً لمقاربة الملف اللبناني، مؤكدةً لـ”نداء الوطن” أنّ كل ما يُحكى عن أنّ هناك رعاية دولية وخصوصاً فرنسية لتشكيل هذه الحكومة هو “محض أوهام”، وقد تجسد ذلك في الإتصال الأخير بين الرئيسين إيمانويل ماكرون وميشال عون، وسط إشارة المصادر نفسها إلى أنّ السفير بيار دوكين بات “الصلة الفرنسية شبه الوحيدة المتبقية مع المبادرة الفرنسية”.

وكما تبخرت المبادرة، كذلك سقطت المداورة في الحقائب السيادية الأربع، حسبما نقلت مصادر مواكبة، مشيرةً إلى أنّ “القديم سيعود إلى قدمه” في توزيع حقائب المالية والداخلية والطاقة والدفاع، بعدما أجهض تمسك الثنائي الشيعي بحقيبة المال محاولة اعتماد مداورة شاملة في حزمة هذه الحقائب، ثم ما لبث مبدأ “المعاملة بالمثل” أن طغى على مطالب الأفرقاء الآخرين واصطدم مسعى “تطييف” المداورة، لا سيما في الداخلية والخارجية، بعقبات متشعبة ومتشابكة، سرعان ما أفضت إلى إعادة تثبيت الحقائب السيادية وفق الخارطة الطائفية القديمة.

المصادر تختصر حقيقة ما يدور في كواليس تشكيل الحكومة بالقول: “الرئيس المكلف سعد الحريري يتصرف على أنه لا بديل عنه في رئاسة الحكومة، وبالتالي على رئيس الجمهورية الإذعان لمطالبه في حال أراد أن يكمل ما تبقى من عهده بشيء من الإستقرار السياسي، وإلا فإن البديل فراغ حكومي وسياسي يضع البلاد عموماً، والعهد خصوصاً، أمام تحديات خطيرة على مختلف المستويات، الإقتصادية والمعيشية والمالية والأمنية وسواها، كما أن الحريري يستقوي من ناحية أخرى بأنه هو رئيس الحكومة الوحيد القادر على فتح أبواب الإتصالات والعلاقات مع الخارج مستعيناً برصيد أبيه، خاصة مع الرئاسة الفرنسية التي لا بد من اللجوء إليها كمعبر إلزامي لإستقدام إهتمام دولي وإقليمي بلبنان ينتشله من الحضيض”.

ورأت أنّ الحريري عمد إلى فرض “شروط تعجيزية” على رئيس الجمهورية، أهمها: “المطالبة بالمشاركة في الحصة المسيحية من الحكومة التي سبق وحصر عددها بـ18 وزيراً لاستبعاد أي تمثيل للنائب طلال أرسلان وآخرين في الطائفة الدرزية، بهدف إكتساب دعم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط المطلق له”. أما في ما خصّ الحصة المسيحية التي تبلغ 9 وزراء، فطالب الحريري “بحقه في تسمية وزير مسيحي للحزب القومي وآخر للطاشناق، وبرغبته إعطاء حقيبتين لرئيس تيار المردة سليمان فرنجية، ما يُبقي 5 حقائب لعون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، كما طالب الحريري بالمشاركة في تسمية وزير الخارجية لأنه يريد شخصية في هذه الحقيبة تتناغم معه لإعادة إحياء علاقات لبنان الخارجية، وأيضاً المشاركة في تسمية وزير الطاقة لأنه مصمم على إنهاء هذا النزيف المالي الهائل في موضوع الكهرباء، لذلك يريد شخصية مرنة وخبيرة يكون قادراً على التفاهم معها لإنجاز هذا الملف بسرعة، الأمر الذي يعني أن عون وباسيل سيُسمح لهما بتسمية 3 وزراء يمثلونهما مباشرة ودون شراكة”، مع إشارة المصادر إلى ان الرئيس المكلف “يدير معركة تشكيل الحكومة بأعصاب باردة بحيث كان لافتاً أنه خلال لقاءاته مع عون لم يبد أي إستعجال لإنجاز التشكيل”.
حزب الله يخل على الخط
وتوازياً، لوحظ أنّ “حزب الله” يقف متفرجاً وتاركاً الأمور لعون والحريري كي يتفاهما على تفاصيل التشكيل، فيما عينه على البرنامج الإقتصادي والمالي الذي على أساسه سيقود الحريري حكومته. وإذ تتحدث المعطيات المتصلة بموقف الحزب عن أنه تأكد من خلال إتصالاته المباشرة مع الجانب الفرنسي أنّ المبادرة الفرنسية لم تعد موجودة، كشفت أوساط مطلعة أنّ مقربين من “حزب الله” شددوا خلال الساعات الأخيرة على أنّ “الصيغة الاختصاصية” التي تم اعتمادها لتأليف الحكومة لم تعد تحاكي ضرورات المرحلة، وأبدوا في المقابل ميلاً واضحاً نحو العودة إلى “الصيغة التكنوسياسية”، باعتبارها تتماشى مع المستجدات والتحديات.

وعليه، توقعت الأوساط لـ”نداء الوطن” أن تشهد الأيام المقبلة دخولاً جدياً من “حزب الله” على خط التأليف، انطلاقاً من الكلمة المرتقبة لأمينه العام السيد حسن نصرالله بعد غد الأربعاء، بحيث سيرتكز حراك الحزب باتجاه الملف الحكومي على ركيزتين أساسيتين، الأولى تتمحور حول إعادة التموضع إلى جانب المطالب الوزارية لرئيس “التيار الوطني الحر” بعد العقوبات الأميركية التي فُرضت عليه، والركيزة الثانية تتصل بتظهير تصور “حزب الله” الداعي إلى إعادة إحياء الطابع السياسي للحكومة العتيدة، بشكيل يلحظ التوازنات السياسية والطائفية في عملية تأليفها، والإقلاع عن تكبيل عملية التأليف بقيود ومعايير مستحدثة، على أن يُترك لكل مكوّن تسمية وزرائه الاختصاصيين حسبما يراه مناسباً، وفقاً للحقائب التي يتولاها في التشكيلة المرتقبة.
وكالات

Exit mobile version