أميركا اختارت رئيسها

 

جولي مراد-نداء الوطن

يستيقظ العالم اليوم، على الأرجح، على تغييرٍ جوهري يصيب الرئاسة الأميركية. ومع انبلاج ساعات الصباح الأولى تكون أصوات صناديق الاقتراع أصدرت حكمها المبرم معلنةً الرابح المتوّج بعمليةٍ انتخابية معقّدة امتدت لأشهرٍ طويلة وشهدت أحداثاً غريبة عجيبة، ليس أقلّها إصابة الرئيس المرشح بفيروس يستخفّ به، وإقامة مناظراتٍ بأطرٍ غير تقليدية، واعتماد وسائل مبتكرة للتصويت في عصر فيروسٍ مستفحل.

هي، بلا شكّ، “أمّ الانتخابات”، فما يتمخّض عنها يطاول بانعكاساته بلداناً أبعد من المساحة الاميركية، وتصل ارتداداته حتى البقع النائية عن بلاد العم السام. فلسيد البيت الأبيض أن يعطي الغلبة لمحورٍ دون آخر، وله أن يحدث عواصف هوجاء فوق رؤوسنا جميعاً. وهي انتخابات استثنائية بنسبة مشاركةٍ تخطّت المائة مليون مقترع، وتحوّلت الى استفتاءٍ على “شخص” ترامب وأدائه، وهو أمرٌ لا يصبّ طبعاً في مصلحة الأخير، ومؤشّر خطير الى احتمال أفول نجمه.

وسجّل التصويت المبكر رقماً قياسياً على وقع الكوفيد-19، ولعلّها أكثر انتخابات تشهد تصويتاً عبر البريد، وهو أمرٌ لم يستسغه الرئيس المرشح الذي قرع جرس “التزوير” عند كلّ إطلالة انتخابية، معلناً إرسال انصاره بأعدادٍ كبيرة الى مراكز الاقتراع لاقتناعه بـ”مؤامرة” تحاك ضدّه، ورداً على استطلاعات رأي ترجّح كفّة منافسه جو بايدن بأشواطٍ كبيرة.

وفي اليوم الأخير من الانتخابات كثّف المرشحان من جولاتهما الانتخابيّة، وختمها ترامب بزيارةٍ الى مقرّ الحزب الجمهوري في فيرجينيا، ملقياً كلمةً أخيرة أعلن فيها أنّه “على أفضل حال”، و”مرتاح تماماً” لما حقّقه من “انجازات” خلال ولايته، من تحسينٍ للاقتصاد الأميركي، الى حمايةٍ للناس ضدّ كورونا، واعداً بلقاحٍ قيد التحضير، ومؤكداً حصوله على تأييد كبيرٍ من السود، فهو “خير من عمل لصالحهم منذ ابراهام لينكولن”، كما يتبجّح دوماً. ولعلّ أهم ما في كلمته جوابه عن سؤالٍ عمّا اذا كتب خطاباً للهزيمة تحسباً، فردّ بثقة: “النصر سهل ولكن الهزيمة ليست سهلة أبداً، وخصوصاً لأمثالي”، ليختتم معلقاً: “سنفوز حتماً والسنوات الأربع المقبلة ستكون أجمل من سابقاتها”.

المرشح الديمقراطي جو بايدن “الفائز” في استطلاعات الرأي كان واثقاً بدوره من نصره الوشيك، متسلّحاً بالاستطلاعات ومراهناً على نفور عدد كبير من الناخبين من أسلوب خصمه في إدارة البلاد، داعياً الأميركيين الى انتخاب رئيس “يوحد الأزرق والأحمر ولا يقسّم الأميركيين”، و”يهتمّ بصحتهم وصحة أولادهم وأحبابهم”.

وفي الساعات الأخيرة شخصت الانظار كلّها نحو ولاية فلوريدا الحاسمة حيث احتدمت المنافسة، فمن يفوز بها يضيّق هامش النصر على خصمه الى حدّ كبير، وسيكون بقاء ترامب في سدّة البيت الأبيض مهمة شبه مستحيلة في حال عدم فوزه بالولاية هذه التي كسبها في العام 2016. وتنتقل الانظار بعد فلوريدا إلى بنسلفانيا، مسقط رأس المرشح الديموقراطي، والتي تشكل، وفق معظم المحللين “بيضة القبان” في الانتخابات الحالية ما يبرّر جهود الحزبين المكثفة لنيل رضى الناخبين فيها، وتظهر استطلاعات الرأي فيها تقدماً لنائب الرئيس السابق لكن بفارقٍ قريب من هامش الخطأ.

ومع صدور نتائج بعض الولايات تباعاً، المؤكد هو أنّ حسم النتيجة لصالح مرشحٍ على حساب آخر لن يتمّ اليوم بالضرورة، خصوصاً وأنّ فرز أعداد كبيرة من بطاقات التصويت البريدي عملية معقدة قد تستغرق وقتاً طويلاً. ويكفي أن نذكر هنا رفض المحكمة العليا الأميركية التدخّل في قرارٍ يسمح لبنسلفانيا بمواصلة فرز الأصوات البريدية حتى ثلاثة أيام بعد الاقتراع. وجاء القرار بسبب تعقيدات لوجستية ناجمة عن تداعيات فيروس كورونا المستجد، ما أدّى إلى سيل من بطاقات الاقتراع المرسلة عبر البريد. وانتقد ترامب قرار المحكمة بعدم التدخل قائلاً: “من حق الأميركيين معرفة اسم الفائز يوم الانتخابات وليس في أيام لاحقة”، علماً أنّ الأمر نفسه حصل معه إبان انتخابات 2016 حين تأخّرت نتائج أريزونا وميشيغان لأيامٍ بعد موعد الانتخابات المحدّد.

ويبدو أنّ طريق ترامب الى الـ270 صوتاً من المجمّع الانتخابي الضامن لولايةٍ ثانية متعثّر، فهو يحتاج الى جهود مضاعفة عن تلك التي بذلها في العام 2016 للوصول الى هدفه. ولكن ذلك لا يمنع أنه ملك المفاجآت، وقد يدهشنا مرة أخرى كما فعل في ولايته الأولى، خصوصاً إن تمكن من الاحتفاظ بولايات نورث كارولينا، وفلوريدا وجورجيا. أما بايدن فيكفي أن يتحصّن بدعم “الجدار الأزرق” المتمثل ببنسلفانيا وميشيغان وويسكنسن لينهي اللعبة لصالحه، علماً أن إعلان النتائج في هذه الولايات المذكورة لن يكون سريعاً، فهل نشهد غداً مؤشراتٍ لاستمرارية الرئيس الحالي أم يحقق الديمقراطيون فوزاً كاسحاً؟

Exit mobile version