الاقتصاد السعودي الغارق ينتظر عواصف شديدة

الوقت – الأزمة الاقتصادية التي تضرب السعودية، وضعت الخطة الطموحة لولي العهد السعودي المعروفة باسم “رؤية 2030″، لقطع اعتماد الاقتصاد السعودي على عائدات النفط، وجعله أكبر اقتصاد في المنطقة، في موضع التشکيك والتساؤل.

کما أن الصدمات المزدوجة لفيروس كورونا وتراجع أسعار الطاقة، قد أضرا بخطط الرياض، وخاصةً في القطاع غير النفطي، الذي من المتوقع أن يتراجع 14٪ هذا العام.

تشكل عائدات النفط نحو ثلثي صادرات السعودية. ولكن في حين أن السعودية كانت تمثل في السابق نحو30 في المئة من صادرات النفط العالمية، إلا أنها تقف الآن عند 12 في المئة. وانخفضت قيمة الصادرات النفطية بنسبة 46.4٪ في يوليو، وهذا الخبر بالنسبة للمواطنين، يعني أن الخطر الاقتصادي خطير جداً.

ارتفاع معدلات البطالة، وارتفاع معدلات الفقر، والعجز العام، والانخفاض الكبير في الإيرادات العامة، واحتياطيات النقد الأجنبي والديون الخارجية، أصبحت أزمات وعناوين رئيسة دائمة للاقتصاد السعودي هذه الأيام.

ووفقاً للإحصاءات، شهد اقتصاد هذا البلد في الربع الثاني من هذا العام تراجعاً بنسبة 7٪. كما انخفض فائض التجارة الخارجية (النفطية وغير النفطية)، بنسبة 65.1٪ منذ بداية العام وحتى يوليو 2020.

من ناحية أخرى، تتوقع وزارة المالية السعودية أن يصل عجز الميزانية لهذا العام إلى نحو 298 مليار ريال (79.5 مليار دولار)، والدين العام إلى 854 مليار ريال (227.7 مليار دولار). بينما قد يرتفع هذا الرقم إلى 941 مليار ريال (250.9 مليار دولار) في عام 2021.

وقبل أيام، أعلنت وزارة المالية السعودية، أن المملكة تعاني من عجز في الميزانية بلغ 40.768 مليار ريال(ما يعادل 10.87 مليار دولار) في الربع الثالث من العام الجاري، لترتفع الإيرادات إلى 215.577 مليار ريال.

ومن حيث المؤشرات الاقتصادية الأخرى أيضاً، شهدت السعودية اتجاهاً تنازلياً. إذ انخفضت احتياطيات النقد الأجنبي بمقدار 105 مليارات ريال(28 مليار دولار)، ووصلت إلى 1.83 تريليون ريال(488 مليار دولار) الصيف الماضي.

کما انخفضت الاحتياطيات العامة للسعودية بنسبة 15٪ في أغسطس الماضي وحده، ووفقًا لذلك، تشهد الاحتياطيات العامة لهذا البلد انخفاضًا بنسبة 56 في المئة منذ عام 2015.

وتسببت هذه الظروف الحرجة في انخفاض أرباح البنوك السعودية في النصف الأول من العام الجاري بنسبة 40.9٪، بالغةً 13.15 مليار ريال (3.51 مليار دولار).

الأزمة الاقتصادية الحالية أثارت مخاوف بشأن الاضطرابات الاجتماعية. ووفق مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع في السعودية، والذي أصدر تقريره عام 2017، فإن ارتفاع الأسعار سيكون له أثر مباشر على أوضاع المواطنين الفقراء، حيث يتلقى حوالي 2.4 مليون منهم مساعدات مالية.

وعندما رفعت الرياض ضريبة القيمة المضافة لأول مرة، وخفضت دعم الوقود في عام 2018، سعت إلى خفض الأضرار الاقتصادية التي لحقت بالطبقات الوسطى والدنيا، من خلال الإعلان عن بدل معيشة لنحو مليون موظف حكومي، بميزانية شهرية قدرها ألف ريال(267 دولارًا).

لكن المساعدات قطعت في يوليو تموز، في إطار إجراءات تقشف لتوفير نحو 4.8 مليار دولار سنوياً. ثم تضاعفت ضريبة القيمة المضافة ثلاث مرات لتصل إلى 15 بالمائة.

ومن بوادر تراجع مستويات المعيشة في السعودية، تراجع مبيعات السيارات التي وصلت إلى 400 ألف في 2018، منذ آخر انخفاض كبير في أسعار النفط في 2015، عندما كان هناك طلب على 800 ألف سيارة سنوياً.

ومن المتوقع أن تنخفض مبيعات السيارات مرةً أخرى بمقدار الثلث في عام 2020، وذلك بسبب الزيادة الأخيرة في ضريبة القيمة المضافة.

وبالإضافة إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل، ارتفعت تكاليف المياه والكهرباء والنقل العام والهاتف، كما ارتفعت الضرائب وخاصةً ضريبة القيمة المضافة. وقد يتبع ذلك ضرائب جديدة مثل ضريبة الدخل وإجراءات التقشف الأخرى.

وعلاوةً على الحصول على قروض خارجية، قد تحتاج الحكومة السعودية إلى اتخاذ إجراءات أخرى لمعالجة عجز الميزانية، بما في ذلك تسريع سياسة الخصخصة الحكومية، مثل بيع جميع مطاحن الدقيق وشركات تحلية المياه وتوليد الطاقة و27 مطارًا.

ومن المرجح أيضًا أن تنقل الوظائف والمرافق الحيوية إلى القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب، وخاصةً الرعاية الصحية والتعليم، بما في ذلك المدارس والمستشفيات والصيدليات.

کذلك، قد تؤخر السعودية أيضًا تنفيذ العديد من المشاريع الاستثمارية المهمة، التي تخلق فرص عمل جديدة وتزيد من النمو الاقتصادي.

ويمكن لهذه الخطوة أن تقوض الحسابات السابقة لتخفيض معدل البطالة السعودي، والذي من المتوقع أن يبلغ 7٪ في رؤية 2030، و10.6٪ لعام 2020.

وتظهر أحدث الأرقام الصادرة عن الحكومة السعودية قفزةً في معدل البطالة في السعودية، حيث ارتفع إلى 15.4 بالمئة في الربع الثاني من العام الحالي، مقارنةً بـ 11.8 بالمئة في الربع الأول من العام.

ويشار إلى أن ارتفاع معدل البطالة، قد حدث على الرغم من مغادرة نحو 2.5 مليون عامل مهاجر إلى السعودية منذ عام 2017.

ويأتي هذا الوضع الاقتصادي غير المواتي في وقت تشهد فيه السعودية نمواً سکانياً سريعاً منذ عقود، حيث تضاعف عدد السکان في هذا البلد منذ عام 1990. ولكن بالنسبة للسعوديين المولودين في الثلاثين عامًا الماضية، أصبح من الصعب جدًا العثور على وظيفة. کما أن حوالي ثلثي السكان هم تحت سن الثلاثين، ومعظمهم من خريجي الجامعات وعاطلين عن العمل.

وتعني هذه الزيادة أيضًا فشل السياسات الاقتصادية السعودية، لأنه على الرغم من ثروة النظام الملكي في الخارج، والتي تبلغ حوالي 500 مليار دولار، إلا أنها لا توفر فرص عمل جديدة للخريجين، وحتى أن الحكومة قد فشلت في الحفاظ على فرص العمل الحالية.

ونتيجةً لذلك، من المتوقع أن يغادر 1.2 مليون عامل أجنبي السعودية بحلول نهاية عام 2020، مما يخلق فرصًا للمواطنين السعوديين، وهذا سيحدث إذا تمكنت الوظائف من النجاة من الوباء وعواقبه الاقتصادية، وکانت مستعدةً لدفع أجور أعلى، لأن ميزة توظيف العمال الأجانب تتمثل في انخفاض الأجور.

وتؤكد هذه العوامل أن عواصف شديدة من أزمات اقتصادية ومالية حادة، قد تكون وشيكة الوقوع للسعوديين.

Exit mobile version