تحقيقات - ملفات

نهاية «النهايات» وعودة «البدايات»

 

 

رفيق خوري

في العقد الأخير من القرن العشرين، ارتفعت موجة الحديث عن “النهايات”. وفي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ترتفع موجة العودة إلى “البدايات”. فهل فشلت الرهانات على الإمساك بالأحداث وتصورها تتحرك على خط ثابت إلى الأمام؟ وهل تعلمنا من كورونا أنه لا شيء أقوى من “قانون” الطبيعة ومن سواها أننا ندور مثل الأرض في الزمان والمكان؟

كان الشاعر الأميركي روبرت فروست يقول: “أنت تبحث عن شيء غير موجود وهو البدايات والنهايات، فليس هناك سوى الوسط”. وبعده قال الروائي وليم فوكنر إن “الحاضر بدأ قبل عشرة آلاف سنة، والماضي بدأ الآن، وهو لا يموت حتى أنه ليس ماضياً”. لا بل لاحظ أن الشعوب تتوقف عند لحظات في الماضي، إذ “الجنوبيون في أميركا واقفون عند أحلام اليقظة، عند لحظة ما قبل معركة غيتسبرغ التي غيّرت الحرب الأهلية لمصلحة الشمال”. لكن نهاية الاتحاد السوفياتي والصعود السريع للعولمة وأحلام الألفية الثالثة أحدثت في صفوف المفكرين سباقاً على تصور “النهايات”. فرانسيس فوكوياما استعجل “نهاية التاريخ”، والانتصار النهائي للديمقراطية الليبرالية قبل أن يراجع نفسه بعد الضجة التي أثارها. الخبراء الاقتصاديون والإستراتيجيون رأوا “نهاية الجغرافيا “على الكرة الأرضية التي صارت “قرية كونية”. السياسيون سجلوا “نهاية الأيديولوجيا”. الليبراليون بشروا بـ”نهاية الأنظمة التوتاليتارية”. المحافظون في أقصى اليمين لعبوا ورقة الشعبوية على الطريق إلى “نهاية الليبرالية”. المهووسون بالعولمة تحدثوا عن “نهاية القومية”، وهم يرون التجربة الواعدة في الاتحاد الأوروبي. وإذا كان كارل ماركس كتب في القرن التاسع عشر عن “بؤس الفلسفة” التي تحاول تفسير العالم بدل تغييره، فإن أهل التكنولوجيا كتبوا “نهاية الفلسفة”. حتى الفلاسفة الذين عقدوا ندوة في نهاية القرن العشرين للإجابة عن سؤال في شأن ما قدمته الفلسفة لأميركا خلال القرن الماضي، فإن الخلاصة التي توصلوا إليها هي أن الفلسفة لم تقدم أي “مفهوم مفيد” للناس.

اليوم، تبدو التوقعات معكوسة، بقوة الأشياء والوقائع. ففي كتاب “ديمقراطية وديكتاتورية في أوروبا: من النظام القديم إلى اليوم” تكتب أستاذة العلوم السياسية شيري برمان أن “تنامي لا شعبية الاتحاد الأوروبي في العقد الماضي أعطى وقوداً للقومية والشعبوية اللتين تهددان الديمقراطية الليبرالية في أوروبا اليوم”. بريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي. أسكتلندة تريد الاستقلال عن المملكة المتحدة. إقليم كتالونيا مُصرّ على إقامة جمهورية والانفصال عن إسبانيا. لا بل إن الظاهرة الواضحة حالياً هي النزول إلى ما دون القومية: إلى القبلية والإتنية. فضلاً عن أن تعاظم اللامساواة في الأجور أعاد الاعتبار إلى الصراعات الطبقية، سواء بالعودة إلى قراءة ماركس و”رأس المال” أو قراءة أفكار توماس بيكيتي في “الرأسمال في القرن الحادي والعشرين” ثم “الرأسمال والأيديولوجيا”. وفضلاً أيضاً عن أن القرن الحادي والعشرين، بكل الأحلام والآمال التي رافقت ولادته الصاخبة، استعاد سياسات القرن التاسع عشر والصراعات الجيوبوليتيكية فيه، كما نرى في ألعاب القوى الكبرى والمتوسطة.

واذا كان ألدوس هكسلي اعتبر أن “التكنولوجيا مجرد وسيلة أسرع لصنع أمور جاهلة”، فإن روس دوثان في كتاب “المجتمع المتدهور” يرى “موت التكنولوجيا العالية”. لماذا؟ لأن حقبتنا بكل ما فيها من ديجيتال عجيب فقدت دهشة أو رهبة التقدم التكنولوجي التي كانت في مرحلة ما قبل الأجيال الجديدة من التكنولوجيا”. أما والتر راسل ميد، فإنه رأى في كتاب “نهاية نهاية التاريخ” أن روسيا والصين وإيران وجدت طريقة لمواجهة أميركا المتراجعة: رعاية “محور السوس” حيث إفراغ النفوذ الأميركي من الداخل لا توجيه ضربة قاضية.

والعالم يدور. لا شيء يوحي على الرغم من بعض التقدم والجهود أننا سنرى “نهاية” الفقر في العالم الذي وصل سكانه إلى سبعة مليارات إنسان يعيش ملياران منهم على دولار في اليوم، ولا مجال حتى للحلم بالوصول إلى “نهاية” العنف والإرهاب والحروب والتمييز العنصري والتمييز ضد المرأة. ولا أحد، وسط كل ما في العالم من علماء ومختبرات وخبراء، يستطيع أن يحدد متى نصل إلى “نهاية” جائحة كورونا.

المصدر: اندبندنت 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى