لماذا اختار بائعو الأوهام 15 تشرين؟

طوني عيسى- جريدة الجمهورية

لو كانت لطاقم السلطة رغبة حقيقية في إنتاج حكومة، أو قدرة، لباشَرَ الاستشارات قبل أيام، وما أخَّر الموعد إلى 15 الجاري. فقرار هذا الطاقم موجود في إيران، وقرار إيران هو الانتظار لتعرف مع مَن ستتعاطى في البيت الأبيض: ترامب أو بايدن؟ ولذلك، مَكشوفةٌ سلطة الوكلاء في لبنان، ومكشوفة تمثيليّات أبطالها.

بات واضحاً أن لا تسوية في لبنان، إلا إذا سبقتها صفقة أميركية- إيرانية. إذاً، الأحرى بالفرنسيين ألاّ يُتعِبوا أنفسهم كثيراً بالمحاولة. فلا حياة لمبادرتهم إلا إذا تقاطعت مع هذه الصفقة أو تمَّت تحت سقفها. وثَبُت أنّ الوعود التي قدَّمها أركان السلطة للرئيس إيمانويل ماكرون كانت شيكات بلا رصيد.

ليس بالضرورة أنّ هؤلاء جميعاً يكذبون. هناك عاجزون أيضاً، وهم يعرفون أنفسهم. وبالتأكيد، في بعضِهم تتحرَّك الضمائر بين الحين والآخر.

إذاً، الذين اختاروا 15 الجاري موعداً للاستشارات يعرفون مسبقاً أن لا «رائحة حكومة» في الأجواء، وأن لا مجال حتى لرئيس مكلَّف، وأنّ الاستشارات سيتم تطييرها على الأرجح، لهذا السبب. وعلى رغم ذلك، تمَّ تحديد موعد «افتراضي» لضرورات التكتيك، وجرى التأنّي في اختياره.

1 – هذا الموعد يقع تماماً في منتصف مهلة الـ6 أسابيع التي حدَّدها ماكرون. ويدرك الطاقم السياسي أنّ استهلاك المهلة في ظل اللامبالاة يستثير الغضب الفرنسي في شكل متزايد. ومن الأفضل تبريد هذا الغضب وإعطاء الفرنسيين انطباعاً وهمّياً بالتجاوب مع المبادرة.

هاجس أركان السلطة هو المال. هم يريدون إبقاء مساعدات «سيدر» على النار، وضمان مساعدات فورية تحمل الطابع الإنساني، مصدرها المؤتمر الذي وعدَ ماكرون بعقده في تشرين الأول الجاري.

ولكن، هذا التذاكي لم ينفع مع الفرنسيين. فقد سارَع وزير خارجيتهم جان إيف لودريان، و«قَوْطَب» على المُتذاكين بإعلانه نقل موعد المؤتمر إلى تشرين الثاني، أي إلى ما بعد انتهاء مهلة الـ6 أسابيع، مع تأكيد أن المساعدات ستبقى مشروطة باستجابة لبنان إلى المبادرة الفرنسية وتأليف الحكومة الموعودة.

2 – يأتي الموعد المحدَّد للاستشارات في اليوم التالي لموعد انطلاق المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في الناقورة. ومن المفترض أن يشارك الأميركيون فيها من خلال مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر الذي قاطَع أركان السلطة تماماً خلال زيارته الأخيرة لبيروت.

وسيكون من الأفضل لبعض هؤلاء أن يقفزوا من لوائح العقوبات الجديدة ويقدِّموا براءات ذمَّة للأميركيين، ويوحوا بأنهم يقومون بواجبهم لتسهيل الحلّ والسير في الإصلاحات.

وثمّة مَن يعتقد أنّ التزامن بين مسار المفاوضات ومسار تأليف حكومة سيقود في شكل تلقائي إلى مساومات متشابكة مع الأميركيين. ولكن، حتى الآن، إيران هي صاحبة الكلمة هنا، وليس لبنان. وللتذكير، في الموازاة، هناك انتظار لِما سيتضمنه تقرير الـFBI عن التحقيق في انفجار المرفأ.

3 – يلفت بعض المتابعين إلى أنّ الموعد المفترض للاستشارات يأتي قبل يومين من الذكرى السنوية الأولى لانتفاضة 17 تشرين الأول.

صحيح أنّ الانتفاضة نفسها هي اليوم في وضعية الجمود، ولكن، مع دخول البلد في الأسوأ مالياً واقتصادياً واجتماعياً وصحياً، وحتى أمنياً، هناك من يتوقع ارتفاع مستوى النقمة في الشارع إلى حدود عالية. وإلهاءُ الناس بالمواعيد الفارغة والأوهام هو وصفة جيدة لـ«تنفيسِهم»، ولو جزئيّاً.

إذاً، «الكباش» في ذروته بين واشنطن وطهران، ولبنان «مسحوق» تحت القبضات وفي أسوأ انهيار شامل. والوسيط الوحيد القادر على تخفيف الضغط، أي ماكرون، لا يلاقيه الإيرانيون إلى منتصف الطريق، لأنّ ما يهمُّهم هو واشنطن والآتي إلى البيت الأبيض.

وإذا كان الفرنسيون يمارسون سياسة العصا والجزرة لدفع «حزب الله» إلى التنازل، فـ«الحزب» أيضاً رفع السقف إلى الأعلى من خلال تلويح نائب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم بالعودة إلى حكومة الأكثرية.
في المبدأ، هو يناور، ويعرف أنّ اعتماد خيار الأكثرية سيكون «صولداً» ومغامرة غير محسوبة النتائج، لأنه سيستفزّ الأميركيين بقوة. وحتى الفرنسيون لا يستطيعون تحمُّله. بعبارة أخرى، بهذا التشدُّد يحاول «الحزب» أن يرفع أكياس الرمل لحماية نفسه.

هو يَستشعر مستوى الضغط الآتي، ويعرف أنّ التحدي لن يقتصر على وزارة المال، بل على مجمل وجوده في الحكومة والمؤسسات، خصوصاً بعد استهداف شريكه الشيعي الرئيس نبيه بري مباشرة بالعقوبات، والتلويح باستهداف شركاء آخرين، ما يثير خشيته من الانعزال وفقدان الغطاء السياسي.

ولكن أيضاً، من الممكن أن ينفِّذ «الحزب» تهديداته في لبنان إذا نجح رهان إيران على رحيل ترامب من البيت الأبيض والعودة إلى نهج باراك أوباما المهادن، من خلال نائبه جو بايدن.
وثمّة تقديرات متباينة حول السياسة التي ستتّبعها الإدارة الأميركية تجاه طهران، إذا تسلّمها الديموقراطيون. ففيما يجزم مطّلعون بأنّ الحَزم مع إيران بات سياسة أميركية عليا تتجاوز الاختلافات بين الحزبين، يقول آخرون إنّ نهج بايدن سيكون على الأرجح أكثر اعتدالاً.

إذاً، إنها أسابيع حسّاسة، وفيها لا أحد سيقدّم شيئاً ليس مضطرّاً إلى تقديمه، ولا أحد سيأمل في تحصيل شيء يصعب عليه اكتسابه. ولذلك، الحذر سيّد الموقف أينما كان، من واشنطن إلى طهران مروراً بباريس.

أمّا في بيروت، فاللعبة متروكة لـ«بائعي الأوهام» المحترفين، يماطلون ويراهنون على الوقت. الوقت الذي لا يقود البلد إلا إلى المزيد من الأوجاع والخسائر.

 

Exit mobile version