ليس جديداً التحفّظ الإسرائيلي إزاء أيّ صفقة أسلحة متطوّرة تُقرّرها الولايات المتّحدة لأيٍّ من حلفائها الإقليميين، بِمَن فيهم الأكثر انبطاحاً أمام البيت الأبيض، وتماهياً مع المصالح والأولويات الإسرائيلية، أي الإمارات والسعودية. تهدف إسرائيل، من وراء ذلك، إلى تحقيق أمرَين: الأول الحفاظ على تفوّقها النوعي على دول المنطقة، بما فيها شركاؤها في خندق المواجهة ضدّ محور المقاومة؛ والثاني محاولة ابتزاز البيت الأبيض، عبر اللوبي الإسرائيلي، وبالاستناد إلى قوانين وثوابت أميركية في السياسة الخارجية، بهدف الحصول على المزيد من الأسلحة المتطوّرة من الولايات المتحدة، على شكل تعويض. وبمعزل عمّا إذا كانت زيارة وزير الأمن الإسرائيلي، بني غانتس، إلى الولايات المتحدة، تتعلّق حصراً بصفقة طائرات «أف 35» بين واشنطن وأبو ظبي، أم هي أبعد مدى ممّا تمّ الإعلان عنه، فإن تل أبيب تترجم ثوابتها في هذا المجال، وتسعى لدى إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى ألّا تتضمّن الطائرات أيّ مزايا تمسّ بالتفوّق النوعي الإسرائيلي، توازياً مع محاولتها الحصول على المقابل.
لا تخشى تل أبيب من تحوّل يمكن أن يطرأ على توجّهات نظام محمد بن زايد، وهي مطمئنة إلى أن مقدّرات النظام الإماراتي، السابقة واللاحقة، ستظلّ مُسخّرة لحماية الأمن القومي الإسرائيلي والمصالح الأميركية. إلا أن موقفها يُعدّ امتداداً لسياسة التحفّظ التي بدأت التشدّد فيها إزاء بعض الصفقات الأميركية لحلفائها في المنطقة، وذلك منذ سقوط نظام شاه إيران، وما نتج منه من سقوط أسلحة أميركية في أيدي النظام الإسلامي في طهران. ثمّ تَعزّزت تلك المخاوف في ضوء التحوّلات التي شهدها العالم العربي أخيراً، وتصاعد احتمالات سقوط أنظمة عربية موالية للولايات المتحدة، وهو ما دفع الكيان العبري إلى أخذ هذا النوع من السيناريوات في الحسبان لدى التخطيط للمستقبل، خاصة أن المؤشرات تتعاظم لإمكانية تَحقّقها عاجلاً أم آجلاً.

في ما يتعلّق بالصفقة الأميركية للإمارات، ذكر موقع «واللا» الإسرائيلي، نقلاً عن مصادر أمنية إسرائيلية، قولها إنه «لا توجد عملية شراء رسمية ومدوّنة بين أبو ظبي وواشنطن، وليس واضحاً أيّ طراز من طائرات إف 35 سيُباع، وكيف ستكون نوعية الأجهزة المرفَقة بها؟». وتابعت المصادر ذاتها أن «بيع الطائرات للإمارات لا يعني بالضرورة أنها ستشمل التطبيقات المتطوّرة الموجودة في نظيراتها لدى الجيش الإسرائيلي». وفي سياق طمأنة الجانب الإسرائيلي، وصلت إلى تل أبيب رسائل من «البنتاغون» مفادها أنه «في حال خرجت صفقة كهذه إلى حيّز التنفيذ، فستزوَّد طائرات إف 35 الإسرائيلية بقدرات محوسبة قادرة على رصد تحليق طائرات إف 35 غريبة بالنسبة إلى سلاح الجو الإسرائيلي». وفي الاتّجاه نفسه، أوضح السفير الأميركي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، أن الإمارات لن تحصل على طائرات من طراز «إف 35» قبل 7 سنوات، مشيراً إلى أنه حتى الآن لم توافق الولايات المتحدة بشكل قطعي على الصفقة، وأن هذه الفترة الزمنية توفر فسحة من الوقت لمناقشات أميركية إسرائيلية «تضمن التفوّق النوعي العسكري الإسرائيلي في المنطقة». من جهته، طمأن وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، غانتس، خلال استقباله إيّاه، وفق ما نقلت عن الأول القناة الرسمية الإسرائيلية «كان 11»، إلى أن «إحدى الدعائم الأساسية لعلاقاتنا الدفاعية هي الحفاظ على التفوّق العسكري النوعي لإسرائيل في المنطقة، والولايات المتحدة ملتزمة بذلك، ووزارة الدفاع تحترم هذا الالتزام»، متعهّداً «مواصلة دعم السياسة الأميركية القديمة القائمة على الحفاظ على أمن إسرائيل».
على مستوى التعويض المطلوب إسرائيلياً مقابل صفقة «إف 35» للإمارات، تواجه تل أبيب عقبات نابعة من عدم توفّر ميزانية لشراء طائرات مقاتلة وأسلحة متطوّرة، كانت الإدارة الأميركية وافقت على بيعها لتل أبيب، في أعقاب إبرام اتفاق التطبيع مع أبو ظبي. ويعود ذلك إلى «وجود مشكلة حول توقّع تدفّق سيولة مالية لوزارة الأمن، الأمر الذي لا يسمح بإبرام صفقات ضخمة». وبحسب مسؤولين أمنيين إسرائيليين، «ثمّة حاجة إلى رصد ميزانية خاصة، ولمرّة واحدة، بمبلغ مليار دولار، من أجل الحفاظ على التفوّق النوعي الإسرائيلي في الشرق الأوسط».