القاهرة | على رغم المواقف التاريخية التي اتّخذتها مؤسسات مصرية عديدة في مناهضة التطبيع، ولا سيما «نقابة الصحافيين» التي كانت أوّل نقابة مصرية يتّخذ مجلسها قراراً بحظر التطبيع النقابي مع الكيان، وهو القرار الذي صدّقت عليه الجمعية العمومية للنقابة في آذار/ مارس 1980 ويُجدَّد بانتظام. لكن اليوم، بات التطبيع، الإماراتي – الإسرائيلي على وجه التحديد، غير قابل حتى للنقاش أو الجدال داخل أروقة النقابة التي لم تستطع جمع ألف توقيع لإعلان رفض التطبيع مجدداً، إذ لم يتجاوز عدد الموقعين حاجز 600 شخص من أصل أكثر من 12 ألف صحافي، وذلك تخوّفاً من غضبة الإماراتيين.
على العكس من نقيب الصحافيين الأسبق، كامل زهير، الذي وقف في وجه الرئيس الراحل أنور السادات، رافضاً فصل الصحافيين بناءً على موقفهم المعارض للتطبيع واتفاقية «كامب ديفيد»، لم يصدر مجلس النقابة الحالي، بقيادة النقيب ضياء رشوان، وهو رئيس «الهيئة العامة للاستعلامات» التابعة لرئاسة الجمهورية، بيان احتجاج واحد. السبب ليس فقط ترحيب القاهرة بـ»اتفاق أبراهام»، بل ثمة أسباب أخرى أوصلت «الصحافيين» التي كانت مناهِضة التطبيع الأولى إلى هذه الدرجة من الخضوع، في مقدّمتها عضوية رشوان في «نادي دبي للصحافة»، وخوفه على المقابل الشهري الذي يتقاضاه من الإماراتيين، إلى جانب تخوّف غالبية العاملين مع الصحف والمواقع الإماراتية من التوقيع على بيان مناهضة التطبيع خشية فقد مصدر رزقهم الذي يعينهم على غلاء المعيشة المتزايد يوماً بعد الآخر.
في النقابة، لم تعد هناك مساحة للحرية كما كانت من قبل، فسلالم التظاهر مشغولة بمعدّات بناء لا تُستخدم، والباحة خالية من المقاعد لمنع الصحافيين من التجمّع، ولذا لم يكن غريباً ألّا تخرج فاعلية واحدة من داخل النقابة في مواجهة التطبيع الإماراتي وحتى البحريني. لا يقتصر الأمر على الصحافيين الذين «يتعشّمون» أن يكونوا من الفائزين بـ»جائزة دبي»، أو مراسلين لأحد المواقع الإماراتية خاصة والخليجية عامة، بل امتدّ الأمر إلى الوسط الثقافي والمثقفين الذين فضّلوا الصمت تخوّفاً من غضبة خليجية تحرمهم نشر كتبهم في المعارض الخليجية أو الجوائز السخية التي تمنح سنوياً.
أما مناهضو التطبيع السابقون، فانقسموا اليوم بين فئتين رئيسيتين: الأولى فَضّلت الصمت الكامل وتجنّب التعقيب، والثانية لم تجد مساحة لتُعبّر عن رأيها برفض التطبيع كاملاً والمجاهرة بذلك، ليقف دورها عند حدود صفحاتها الشخصية على «فايسبوك». وعلى رغم أن الإعلام المصري لم يبالغ في الاحتفاء بـ»أبراهام» حتى اليوم، مكتفياً بتعليقات وتصريحات مقتضبة من وقت إلى آخر، إلا أن الأنظار تتّجه إلى مواقف الإعلاميين المصريين في الفعاليات الإماراتية المرتقب تنظيمها قريباً، والتي ستضمّ حتماً صحافيين إسرائيليين.