باسيل ينحني للعاصفة… تمريراً للمرحلة

عمّار نعمة -اللواء

لا يُحسد رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل اليوم على تموضعه السياسي الذي يبدو معه مستقبله في اللعبة الداخلية على المحك، ويتهدده إنهيار كل ما عمل لأجله في السنوات الأخيرة مع أي حساب خاطىء أو حتى دعسة ناقصة.

صحيح أن عقوبات الخزانة الاميركية لم تمسه حتى الآن، الا أن سيفها المُسلط عليه يهدده في كل لحظة، وسط تسارع الزمن وتوقع كثيرين هطول أسماء جديدة على لائحة العقوبات خلال أسابيع.

على أن باسيل لم ينتظر حتى خطاب الاحد الماضي لكي يخرج بانعطافة نسبية عن مواقفه السابقة التي صاغها طويلاً من وحي حلفه الذي لا يُمس مع «حزب الله»، بل هو شرع منذ أشهر يقيس مواقفه السياسية يميزان الجوهرجي محافظاً على توازن دقيق بين علاقة إستراتيجية مع الحزب، وأخرى مع الخارج الغربي، الأميركي خصوصا، يحيّده عن العداوة مع واشنطن.

تمكن رئيس «التيار الحر» طويلاً من الامساك بالعصا من المنتصف، وإن لم يخل الامر من سوء تقدير في بعض الأحيان سارع الرجل الى تداركه، في ظل تمايز غالبا ما أكد عليه عن حلفاء مفترضين في موقع «الممانعة» رافضا على الدوام إعتباره ضمن ما يسمى بقوى «8 آذار».

مواجهة 17 تشرين وحلف الكارهين

في خضم صعوده الصاروخي في السلطة، ووسط تزكية له من «العم» رئيس الجمهورية ميشال عون، للرئاسة، إرتجت البلاد فوق زلزال 17 تشرين الذي هزّ أيضاً البنية الشعبية الصلبة تحت أقدام باسيل الذي إعتقدها راسخة بما فيه الكفاية لتتحمل كل الضربات في طريقه الصعب نحو الرئاسة.

منذ نحو عام، يصارع باسيل تراجعاً دراماتيكياً في شعبيته، وهو تراجع يشمل الطبقة السياسية برمتها لكنه كان أشد وطأة على العهد و«التيار»، مثلما يواجه تحالف كل كارهيه في وجهه، وهو كان بارعاً في تكتيلهم ضده مستقوياً بموقعه الابرز بين المكونات المسيحية من ناحية، وبحلف كنيسة مار مخايل الضامن للهيبة والقوة والنفوذ من ناحية أخرى.

والواقع أنه مع الأيام، وبعد رفض طويل من قبل التيار في عهد المؤسس العماد ميشال عون، للسلطة إذا لم تكن على قياسه، إتخذ باسيل قرار الهجوم على مغانم السلطة التي هاجم طويلا منظومتها قبل ان يشكل أحد أعمدتها. وبعد أن اتخذ القيادي العوني لنفسه موقعا في تلك المنظومة بعد 11 عاما في السلطة التنفيذية، إستمر في تنزيه النفس عن فساد السلطة وإتهام الغير في تدمير البلاد.

تحييد النفس

اليوم، في ظل مستنقع شعبي غير مسبوق للعهد وللتيار، إختار باسيل سياسة تحييد للنفس عن «الممانعين» وعلى رأسهم «حزب الله»، وهو أكثر من تمايز سابق لكنه أقل من إنقلاب مقبل على تفاهم مار مخايل الذي يحتفل «التيار» والحزب بعد أشهر بميلاده الخامس عشر.

في خطابه الأخير، رسم باسيل تلك الإنعطافة بكلمات هادئة أراد إيصالها الى من بيدهم أمر العقوبات، متناولا قضايا تدغدغ الدوائر الأميركية ولا تُرضي حليفه الداخلي، تمريراً للمرحلة غير المعروفة الاتجاهات دوليا.

وفي كلامه المنمق، إستبق باسيل موقف الحليف الشيعي معلناً عدم مشاركته في الحكومة التي تعهد تغطيتها، كما أعلن تأييده المسعى الفرنسي«بخطوطه العريضة» معتبراً إياه الحل «المتوفر» اليوم لخلاص لبنان. وبكلماته، يبدو من الواضح أن هذا التأييد هو على مضض.

وهو استبق أيضا موقف الحزب عبر تأييد مبدأ المداورة في الوزارات وعدم تطويب المالية للثنائي الشيعي، رافضا تحوّل العرف الى واقع يؤدي معه التوقيع الشيعي الثالث الى مثالثة، ما جلب عليه المزيد من غضب رئيس مجلس النواب نبيه بري، وبطبيعة الحال كان صمت «حزب الله» بليغاً.

لكن مواقف باسيل تجاه قضايا غير مُتناولة سابقاً بدت لافتة للنظر. تمرير عودة «حزب الله» من سوريا عند حديث طويل عن الحياد المقبول من قبل باسيل بعد تفاهم داخلي وإحتضان إقليمي ورعاية دولية، ولو كانت المقدمة له هي عبارة «بين بين» إستعملها باسيل وهي «التحييد» عن «مشاكل الغير» في رسالة الى «حزب الله».

وفي دعوته الى تفاهم وطني على الحياد، ثمة رفض ضمني في هذه اللحظة لدعوة الراعي في مقابل تأييد للحزب، في موازاة كلام مُنتقد لن يعجب الحزب لزيارة رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» إسماعيل هنية الى لبنان، وهو للتذكير، إلتقى الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله.. إلى جانب كلام لباسيل حول ترسيم الحدود الذي يريده باسيل سريعاً «لتأمين مصلحة بلدنا من دون مزايدات» غامزاً من قناة بري..

سهامٌ نحو الحريري وجعجع

وفي مكان آخر، وجه باسيل سهاماً في إتجاهين. وهو أصاب الحليف الماضي زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري ورؤساء الحكومات السابقين وهو الذي يعتبر أنهم فرضوا الحكومة «من فوق»، وقد أشار في خطابه الى كسر للدستور وللتوازنات في أسلوب تشكيل الحكومة. وهو لم يوفر كلاما قاسيا في حق الركن الثاني في إتفاق معراب، «القوات اللبنانية»، في تأكيد لقطع علاقة لم تخرج يوماً عن صراع الوجود بين أهم مكونين للمجتمع المسيحي.

هي إذاً رسائل بعث بها باسيل الى الخارج من دون إسقاط هذا الامر على حلفاء هذا الخارج داخلياً. وبغض النظر عن توصيف التمايز الباسيلي ومدى جذريته وطبيعة تصنيفه مع أي محور سياسياً، أراد رئيس «التيار» تظهير ذلك في مرحلة غامضة الملامح قبل شهر ونصف الشهر من الانتخابات الاميركية غير مسبوقة الأهمية بالنسبة الى لبنان والمنطقة منذ سنوات طويلة.

ثمة من يعتبر بأن ما كُتب قد كُتب أميركياً بالنسبة الى العقوبات، وأن مواقف باسيل هي لزوم ما لا يلزم، لكن الأخير يلعب أوراقه الأميركية «عالمكشوف» سواء صحّت مخاوف العقوبات أم كانت مجرد مخاوف. وهو سيزين مواقفه المقبلة بدقة متناهية وسيعزز من تمايزه، لكن ما يزال من المبكر الحديث عن إفتراق مع «حزب الله» قد يكون له أكلاف كبيرة على الجانبين.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد