‎ًالسلام على المذبوح عطشانا

-كرستينا شطح-كاتبة وإعلامية

-وكالة نيوز

ان بعض التفاسير، تثير الإعجاب وتحرض المخيلة، وتأخذنا ناحية الانبهار، وهذا ما دفعني كصحافية مسيحية اورثوذكسية، أن أسخر قلمي للحديث عن السيرة العطرة لسيد شباب أهل الجنة أبي عبدالله الحسين المظلوم، الذي قدم أبلغ شهادة في تاريخ الإنسانية، ارتفع من خلالها الى مصاف البطولة الفذة.

عندما نتكلم عن عاشوراء في الفكر المسيحي وبعيداً عن المعتقدات الايمانية الخاصة، ننظر إلى طهارة الروح التي وقعت المعركة في ظلها من منطلق إنساني شامل.

نجح الحسين من خلال الشمولية الإنسانية ان يزرع نبضاً لا يهدأ عند المؤمنين في مختلف الطوائف.ليس غريباً ان يكون هناك مكانة مميزة لأبن أمير المؤمنين عند المسيحيين، خصوصاً أنها جسدت ثنائية وجدانية عبر عنها وهب النصراني الذي لبى نداء الحسين عندما صرخ:”الا من ناصر ينصرني؟”..

تطالعنا عاشوراء، فتردنا كما في كل سنة الى تذكر وتمجيد تلك المعاني المستخلصة المشرقة والدالة، كما وبأشد الصور تعبيراً عن الصبر والتضحية.

كانت ساحة المعركة مشحونة بكل دلالات الاستعداد للموت في سبيل الحق، وقد انتشرت روح الحسين بشموخها واخلاصها وجبروتها فوق ساحة المعركة، وقد كانت مؤيدة بالحق انما ليس بالقوة المنتصرة، فقد اختير ليكون الأبن الحبيب المناصر للمظلوم

وللعدل والتقى، غيرة على دين جده.

لقد أصبح المتخاصمون تحت بقعة سماء واحدة، فتلاقت فيها جميع الخلافات والاحقاد، جميع صور التقدم والتخلف، فقد كانت الحماسة الحسينية بمواجهة البلادة اليزيدية، المعرفة ضد الجهل، العدل مقابل الظلم، كان هناك في عاشوراء كل المزايا والفضائل، بمواجهة كل النقائص والرذائل، لتتلاقى العقيدة ونقيضها.

انه تلاق ما اعجبه وما اقساه وما اقبحه..ان مقاومة الحسين في كربلاء كانت مقاومة لكل العصور المتوقحة والمتوحشة.

اما مخالفي الحسين فقد انتصروا هم، انما لم ينتصر منطقهم.

ان الهزيمة بالمنطق اقوى من الهزيمة بالسيف، فالأخير يهزم الوحش فينا، ام المنطق فيهزم كل الانسان فينا، منطقاً واخلاقاً وسلوكاً.

ما كانت هذه الثورة المباركة، والمصدرة للوحي، الا إستثناء في المسارات والانطلاقات، كونها وليدة الحق والعدل والغيرة، لتصبح نهجاً مقدساً عند المؤمنين، وهنا استطرد لاسأل؟، حادثة كربلاء كحدث صلب المسيح، هذان الحدثان التاريخيان استقرا وجدانياً وزمنياً حتى يومنا هذا، أليس هناك رغبة لرب العالمين بتخليدهما؟، كل الأحداث التاريخية انتهت مع مرور الزمن، الا حادثة كربلاء ما زالت حتى يومنا لتكون عبرة في قول الحق ونصرة المظلوم والتضحية بالذات.

صارت انتصاراً للموت على الحياة، وغلبة للقيمة على الشيء، وقد رمز لها بعنوان ”انتصار الدم على السيف”، قمة القداسة.

انه ما من خطوة خطاها الانسان في تاريخه المعبد بالآلهة والعقائد، الا وكانت تؤرخ لآله جديد، او للابس جديد لشخصية عامة.

ان الآلهة القديمة كانت في البدء والقبل في الوجود قبل في الصفات، وقد امتلكت تلك الآلهة الرسوخ المتزمت الباهر، فصدرت نماذجها العامة للتقوى.

لقد ظل التاريخ محابياً لتلك الآلهة، ويقيم حولها الحراسات العاتية، وظل يقرؤها ويكررها ويكذب بها ويحارب بأسمها. لقد وهبها كل الجبروت والسلطان والطغيان على الحياة، وكان من نماذج التقوى تلك انبثاقات آلهة عديدة شابة وعاتية، منها واهمها:”الآله الفادي المخلص نصير المظلومين، حاملاً شعارات العدالة والتقوى.

هذه الانبثاقات الخلاصية بصورها واخلاقها وخصوصيتها، تهز النفس وتؤججها، كما وتخلق العدوان المقتحم المبرر، والوقاحة المقدسة، وتدفع الى الصعود فوق المخاطر الرائعة، والى القفز فوق كل الآثام الماضية.

ان هذا الجنون المذهبي قد تجلى بروعة واعتداد وقداسة وبدماء زكية، اكثر ما تجلى في كربلاء المقدسة، حيث تمرد المقدسون اهل البيت على العدوان الواقع بهم، فتناثروا اشلاءا ملائكية، والحاناً قدسية وقرباناً لآلهة العدل والآنفة والكبرياء.

لقد حامت خيلة الموت البهيجة، ومشاعر الاعتزاز والفخر، وكل الإبداع والجنون فوق كربلاء، في ذاك العاشر من محرم، لقد تحولت الى اسطورة خلاص وانتصار وتضحية، فتقدست بحسينها.

اذ لا بد للحياة والعبقرية وللابداع، من الهجوم والسطو والوقاحة والمصادرة من كل القديم ليبني بعض الجديد.

ما اتقاك واسخاك، ايتها الارباب الجديدة الشابة البازغة بجبروت ودوي وتدليل باهظ، هو دوي الدم الشاهد على الحق.

ان استكانة الانسان في خلق الآلهة والنماذج، هو موت لجنونه، وموت جنونه هو موت لعبقريته.

ان التأثير والقوة الذي يفرضهما المذهب الجديد، ليس بالضرورة مزية، ليس موجوداً مثيلها في التاريخ، كما وان تأثير الأشياء ليس مساوياً لقوتها دائماً، كما ان الانخداع لا يساوي الخديعة.

لقد كانت الجماهير دائما مسحورة مقهورة، تصدق بضعفها وجهلها الإيمان المتوارث او المعدل، او نقيضه.

ان السوق ليست وجداناً نظيفاً ولا صادقاً، بل كانت دوماً نفاقاً وغشاوة وغدراً، انها ليست تقية ولا ذكية، وأنه لا مثيل للضآلة والوضاعة الذي بهم تقبل السوق اربابها وابطالها.

انا محتاجة ان اكون سخيفة وعدوانية ومتفلتة، وانت تمنحيني كل هذا ايتها المذاهب، وتسمينه تقوى، ما اتقاك ما اكرمك، انا لا اعبدك ولا اخدمك، بل استغلك.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد