مجدّداً، عاد الحديث خلال الساعات الماضية عن “اهتزازٍ” على خطّ تفاهم مار مخايل بين “​حزب الله​” و”​التيار الوطني الحر​”، قد يرقى هذه المرّة إلى مستوى “السقوط”، نتيجة بعض المواقف “النوعيّة” وغير المسبوقة التي صدرت عن بعض قياديّي “التيار”.

ولعلّ ما قاله النائب زياد أسود عن ضرورة الفصل بين “البندقية والجوع”، والذي أثار “إشكاليّة” السلاح بين الجانبيْن، للمرّة الأولى منذ سنوات، شكّل “الرسالة المشفّرة” الأكثر تعبيراً، وإن سبقتها وتلتها العديد من الرسائل الأخرى لزملاء وأصدقاء أسود.

وإذا كان “حزب الله” اعتمد “​النأي بالنفس​”، على جري عادته، مفضّلاً عدم الخوض في تفاصيل الإشكاليّات المُثارة، فإنّ ثمّة من يعتبر أنّ هذا “النأي بالنفس”، المُبالَغ به في الكثير من الأحيان، بات يضعه في خط “نقيض” مع “التيار”، ما يدفع بعض مسؤوليه إلى “مراجعة” العلاقة، بكامل جوانبها.

فهل يمكن القول فعلاً إنّ “حزب الله” يدفع ثمن “نأيه بالنفس”، أقلّه على مستوى علاقته بحلفائه؟ وهل يُستنتَج من ذلك أنّ العلاقة بين “الحزب” و”التيار” باتت اليوم على “المِحَكّ”، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى؟!.

مواقف واضحة…

يحلو للكثير من القياديّين في “حزب الله” كما “التيار الوطني الحر” القول، عندما يُسأَلون عن العلاقة بين الجانبين، إنّ تفاهمهما “استراتيجيّ”، وأنّه بالتالي “عصيٌّ” على “الكسر”، على رغم كلّ المحاولات المبذولة لذلك منذ إبرامه في العام 2006 وحتى اليوم.

لكن، على “وجدانيّة” هذه الشعارات “الرنّانة”، إلا أنّها لا تنفي وجود اختلافاتٍ لم تعد عميقة فحسب بين الجانبين، بل باتت تؤشّر إلى “تباينٍ” حاصلٍ في الرؤى والأفكار، حتى في أمورٍ تتصدّر “الأولويّات” لدى كلّ منهما.

ليس أدلّ على ذلك أنّ الخلاف المستجِدّ، ولو بدا إعلامياً في جانبٍ أساسيّ منه، انطلق من مواقف واضحة ومُعلَنة لمسؤولين في “التيار”، بعيداً عن “لعبة” المصادر التي يجيد بعض السياسيين رميها لجسّ النبض، ومن ثمّ “التنصّل” منها عند تحقّق “الغاية” المنشودة منها، ولو اعتبر البعض أنّ هذه المواقف “أخرِجت” من سياقها الطبيعيّ.

وإذا كان كلام النائب أسود بدا الأكثر وضوحاً، من خلال مسّه بملف السلاح الذي يضعه “حزب الله” بمستوى “المقدَّسات”، بل يستخدمه كمعيار لتصنيف “الحلفاء” من “الخصوم”، فإنّ ثمّة من حاول التقليل من شأنه، عبر “شخصنته”، وحصر مفاعيله بالنائب “الجزّيني” دون غيره، ليس فقط لكونه “مشاغباً” برأي كثيرين، ولكن قبل ذلك لكون جذور “اشتباكه” مع “الحزب” تعود إلى ​الانتخابات​ النّيابية الأخيرة، وما سبقها وما تلاها.

لكنّ هذه “الشخصنة” لموقف أسود تفقد “الأساس” الذي بُنيَت عليه، حين يتّضح أنّ موقف الرجل “النوعيّ” لم يأتِ محصوراً أو معزولاً، بل جاء في غمرة مواقف صبّت بالمجمل في الاتجاه نفسه، كان أقواها ما صدر عن رئيس “التيار” الوزير السابق ​جبران باسيل​، حين تبنّى في مؤتمره الصحافي الأخير، مقولة “قوى الأمر الواقع” في معرض حديثه عن ملفّ التهريب الحدودي، وفي هذه المقولة غمزٌ واضحٌ من قناة “حزب الله”، لطالما تجاهله “الحزب” حين كان يصدر عن “خصومه”.

وإلى موقفي أسود وباسيل، مواقف أخرى يتوقّف عندها البعض، على غرار كلام النائب “العونيّ” جورج عطا الله الذي “أفرغ” التفاهم من مضمونه، حين اشترط ضرورة أن يكون “شاملاً”، بعيداً عن شعار “التفاهم الاستراتيجي”، بمعنى أنّه “إما يكون تحالفاً من فوق ومن تحت، وإمّا لا”، أو كلام الناشط في “التيار” ناجي حايك الذي يدعو صراحةً إلى “الفدرالية السياسية”، ولو أنّ الأخير معروفٌ بمواقفه “الجدليّة” دائماً على خط العلاقة مع “الثنائيّ الشيعيّ” عموماً.

مآخذ لا تنتهي؟

صحيحٌ أنّ المواقف “العونيّة” المذكورة أتبِعت خلال الساعات الماضية، بمواقف “مهادِنة” من قبيل أنّ “التفاهم الاستراتيجي باقٍ”، وأنّه “أقوى من كلّ العواصف”، وأنّ العلاقة “في أحسن أحوالها”، لكنّ العارفين يؤكّدون أنّ “الرسالة” منها قد وصلت إلى المعنيّين، وقوامها وجود سلسلة من “المآخذ” من جانب “التيار” على قيادة “الحزب” أقلّه.

وقد يكون “النأي بالنفس” عنوان هذه “المآخذ”، إذ يقول عددٌ من المحسوبين على “التيار” إنّ الأخير كان يرى في “الحزب” شريكاً حقيقياً في معاركه المفصليّة، ولا سيما على مستوى “​مكافحة الفساد​”، لكنّه لم يجد في أدائه ما يؤشّر إلى “الجدّية”، بالنظر إلى “الخطوط الحمراء” التي يضعها “الحزب” على أيّ معركةٍ من هذا النوع، وهي من نوعيّة “الخطوط” التي تقيّد كلّ جهود ​محاربة الفساد​، خصوصاً حين “يتحصّن” الفاسدون بمرجعيّاتهم السياسية والطائفية.

وإذا كان “التيار” أدرك هذه الحقيقة منذ فترةٍ طويلة، عندما فهم أنّ “حزب الله” يضع العلاقة مع رئيس ​المجلس النيابي​ ​نبيه بري​ في سلّم أولوياته، بحُجّة “وحدة الطائفة”، وهو مستعدٌ للتضحية بكلّ علاقاته الأخرى في سبيل عدم التفريط بها، فإنّ “القشّة التي قصمت ظهر البعير”، كما يُقال، تمثّلتفي موقفه من المؤتمر الصحافي الأخير لرئيس تيار “المردة” سليمان فرنجيّة، وما تضمّنه من مواقف عالية السقف.

ولعلّ ما “استفزّ” قياديّي “التيار” هنا، لم يكن أنّ “الحزب” نأى بنفسه فقط عن هجوم “بيك ​زغرتا​” العنيف تجاه ​الرئيس ميشال عون​ ورئيس “الوطني الحر” جبران باسيل و”العهد” بالمُطلَق، ولا ما سرّبه عبر الإعلام من “نفض يده” من العلاقة بين الحليفين باعتبار أنّ تقريب وجهات النظر بينهما بات بحاجة إلى “معجزة” لا تبدو يسيرة، ولكن أنّه “نأى بنفسه” حتى عن تحصّن فرنجية به كمظلّة لتبرير “الفساد” المتمثّل بحماية موظّفٍ مطلوبٍ إلى القضاء، على قاعدة أنّ الأخير “مسيَّس”، وهي تهمة يمكن أن تُعمَّم ليستخدمها كلّ متهَم فارّ من وجه العدالة.

ولا يبدو الاستحقاق الرئاسيّ المفتوح قبل أوانه بعيداً عن “حسابات” رسائل “التيار”، بل قد يكون في قلبها، أقلّه كما يرى بعض المُتابعين، ممّن يذهبون إلى حدّ الحديث عن “ابتزازٍ” بدأ يمارسه “العونيّون” لـ”الضغط” على “الحزب”، غير الجاهز على ما يبدو لتقديم “وعدٍ” لباسيل يشبه ذلك الذي قطعه لعون سابقاً بدعمه للرئاسة، وكأنّ هناك من يريد القول إنّ هذا الدعم “شرطٌ أساسيّ” لاستمرار “الغطاء” الذي يمنحه “التيّار” لـ”الحزب” على المستوى المسيحيّ الشعبيّ، وهو ما يبرّر أصلاً ذهاب النائب زياد أسود إلى حدّ الحديث عن إمكانات “صمود” الحزب، في حال فقدانه “التضامن الوطني” حوله، ولو كان “العونيّون” يصرّون على أنّ أسود كان بذلك يوصّف “الرأي الأميركي”، ولا يتبنّاه.

إلى متى؟!

كثيرةٌ هي المقوّمات التي تمنح تفاهم مار مخايل “بطاقة خضراء” لتجاوز كلّ المِحَن والأزمات، على اختلافها.

ولعلّ “المصلحة المتبادلة” تختصر هذه الدوافع، إذ إنّ لـ”حزب الله” مصلحة في الحفاظ على “الغطاء” الذي يمنحه إياه هذا التفاهم، والذي يحتاج إليه في مواجهة التحدّيات المحدقة به، في الداخل والخارج.

وفي المقابل، ليس خافياً على أحد أنّ لـ”التيار” مصلحة في الحفاظ على التفاهم، ليس فقط لأنّ “الحزب” أثبت أنّه “محرّك” أساسي لمختلف الاستحقاقات، ولكن أيضاً لحاجته إلى “حليف” وسط جموع “الخصوم” المحيطين به.

لكن، إزاء ذلك، يصبح مشروعاً التساؤل عن حدود هذه “المصلحة”، خصوصاً أنّ “النأي بالنفس” الذي يتسلّح به الحزب، لن يدوم طويلاً، والانتخابات الرئاسيّة آتية، عاجلاً أم آجلاً…