لَمْ تكُن بيروت، المهشَّمة من جرّاء إهمال المُسترزقين سياسياً على ظهرِ أهلها، في انتظار أن يحُلّ «كورونا» ثقيلاً عليها لتعرِف أنها «رأس مال انتخابي» يُستثمَر كل أربع سنوات مرة، فيما يختفي مُدّعو الوصاية عليها، في كل مرة، قبلَ أن تُلملَم «المتاريس» وتُرفع صور المرشحين والشعارات المسمومة. إلا أن الوباء أوصَل أهلَها أبعَد مما كانوا يتخيّلون… إلى الجوع الكافر حرفياً. أزمة اقتصادية خانقة وبلطجة مصارِف، لم يكن ينقصها إلا إعلان حالة التعبئة العامة. هذه الأيام، فيما النفوس منكّسة تترقّب وصول «كرتونة الإعاشة»، لا صوتَ يعلو فوقَ «صوت» غياب تيار المستقبل وجمعية بيروت للتنمية التابعة له، في ظل «قلّة حيلة» دار الفتوى، فيما مساعدات البلدية لا تزال أرقاماً على ورق!

بالمليارات اللبنانية، أعلنت بلدية العاصمة مشاركتها في حملات التبرّع لجهات مثل الصليب الأحمر والدفاع المدني ومُستشفيَيْ بيروت الحكومي والكرنتينا، إضافة إلى ٨ مليارات ليرة موزّعة على ٤٠ ألف قسيمة شرائية تُستخدم في التعاونيات الكبيرة (200 ألف ليرة قيمة القسيمة)، و٢٤ ألف حصّة غذائية. لكن، على أرض الواقع، وبعد شهر على قرارات التعبئة، تؤكد فعاليات في بيروت أن شيئاً من هذا كله لم يتحقق بعد، «فالموازنة التي وافقت عليها وزارة الداخلية لم تُقرّ بعد». ما أُقرّ، حتى الآن، هو آلية التوزيع بعد انتهاء استقبال الطلبات، على أن يبدأ توزيع القسائم خلال أسبوعين، والحصص الغذائية بعد ٢٠ الشهر الجاري. المصادر نفسها تستغرب أساساً قلّة ما رصدته البلدية في واحد من أصعب الظروف التي تمر على لبنان، إذ إن ما أُقرّ من حصص غذائية لا يتجاوز ٢٤ ألف حصة، أي إنها عملياً تُغطّي ١٥ في المئة من العائلات البيروتية، فيما «مداخيل البلدية وإيراداتها تُدفع من جيوب سكان بيروت، ومن حق أهل المدينة أن يستفيدوا منها في هذا الظرف».
الاستياء نفسه ينسحب على دار الفتوى واتهامها بالتقصير في تلبية حاجات الفقراء. وجرى تداول معلومات عن استياء من الطريقة التي اعتمدت لتوزيع بعض الإعاشات، فضلاً عن تأخير التوزيع إلى ما قبل شهر رمضان. في المقابل، تؤكد مصادر «الدار» أن هناك عملية تبادل للداتا بينها وبينَ ائتلاف الجمعيات الخيرية «لتوزيع المساعدات على أكبر عدد مِن العائلات». لكنها تقرّ بغياب الزخم، بسبب «النقص في أموال الزكاة»، ولأن «أملاك الوقف التي يتهموننا بعدم استخدام عائداتها هي إما عقارات غير مستثمرة، أو أخرى مؤجّرة لم يسدد مستأجروها المستحقات عليهم بسبب سوء الأحوال الاقتصادية»، مشيرة إلى أن «المساعدات التي وُزّعت وصلت من مؤسسة الشيخ خليفة بن زايِد عن طريق السفارة الإماراتية في بيروت». وتلفت المصادِر الى «مشكلة جديدة» تتمثّل في «جشع التجار الكبار الذين يرفضون تقاضي شيكات مقابل المواد التي نشتريها، ويُصرّون على دفع الأموال كاش بالدولار»!

أين تيار «المُستقبل»؟
أكثر من شهرين على وصول «كوفيد ١٩» إلى بيروت، وبعد نحو شهر على إعلان حالة التعبئة العامة، ولا يزال «زعيم البيارتة» سعد الحريري «محجوراً» في منزله الباريسي، ومعه ساعِده الأيمَن الجديد، ورفيقه في «الحجز الفندقي» في ريتز الرياض، أحمد هاشمية الذي تكفّل منُذ فترة بتولّي «جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية» (عاد أخيراً الى بيروت). وانعكس غياب الحريري «كوما» مستقبلية تامة على الأرض، إذ إن التيار، وفق العارفين، هو اليوم «الحلقة الأضعف» في حملات المساعدة.

واقتصر عبء «الزعامة» على النائبة رولا الطبش جارودي التي أطلقت حملة «التكافل الاجتماعي» لتوزيع حصص غذائية ومساعدات طبية وأدوات تعقيم على مراحِل بالتعاون مع «أصدقاء خيّرين». هذه الحملة، بحسب مطّلعين، «هي أقل بكثير ممّا يجِب أن يقدمه التيار لأهل بيروت»، فيما يقول كوادر في المستقبل «إننا نعمَل على قدر إمكاناتنا وننسّق مع الجمعيات والمخاتير ومفاتيح المناطق لتوزيع الحصص التي نستطيع تأمينها». يلفت هؤلاء الى تقديم الحريري مئة مليون ليرة للمستشفى الحكومي في حلبا، و400 مليون لتجهيز فندق «غراسياس» للحجر الصحي. كما أطلق التيار «حملة توعية صحية وإرشادات للوقاية، وأنشأ خلية أزمة من المنسقيات، لتعميم ثقافة التضامن الاجتماعي»، علماً بأنه ليسَ بالإرشادات وحدها تؤمن مقومات الصمود! أما الجمعية التي كانَ يفترض، في مثل «الظرف الكوروني» الحالي، أن تكون في طليعة المتصدّين لتلبية حاجات البيارتة، فقد انعكس غياب هاشمية عن البلاد فوضى في عملها وعلى التواصل بين أعضائها ومع الناس على الأرض، ما أدى إلى استقالة نائب رئيسها أسامة شقير قبل ثلاثة أسابيع، علماً بأن عمر التعيينات الجديدة في الجمعية أقل من شهرين!
يقول أحد المفاتيح الانتخابية في بيروت إن «أي معجزة لن تحصل وليسَ هناك من عصا سحرية. نُدرِك ذلِك جيداً». لكن المدينة بعد انتهاء الوباء، كما يؤكد، «لن تكون كما قبله. هذه المرّة ستُشارِك الشوارع المُتعبة في ساحات الانتفاضة بعدَما تمنّعت عن ذلِك سابقاً».