طوافات توزّع الهلع في شوارع بيروت الخاوية

42
صمت كبير في شوارع العاصمة، وحياة شبه معدومة (عباس سلمان)
أيمن شروف- المدن

“أيها المواطنون الكرام، حفاظاً على سلامتكم، تدعوكم قيادة الجيش إلى ملازمة منازلكم وعدم مغادرتها إلا للضرورة القصوى، وعدم التجمع تحت طائلة المسؤولية”. هذه باختصار رسالة قيادة الجيش إلى اللبنانيين، تنفيذاً للإجراءات التي قررتها الحكومة لتفعيل ما اصطُلح على تسميته “التعبئة العامة” في مواجهة خطر كورونا.

نداء الطوافات
في اليومين الماضيين، ارتفع منسوب الهلع: الوباء بدأ يتفشى بطريقة لم تعد الحكومة قادرة على احتوائه. لكن مسألة القدرة على احتوائه في البيانات السابقة، قابلة للنقاش، وكثيراً.

تجوب طوافات الجيش السماء في أنحاء البلاد في مشهد غريب ومخيف في آن، مرسلة بمكبرات الصوت تلك الرسالة. لم يعتد اللبنانيون في عز أزماتهم على ما يشاهدونه اليوم. بلد مرّ عليه الكثير، لكنه يختبر اليوم نوعاً جديداً تماماً من الخوف، والرعب.

الاستماع لنداءات طوافات الجيش صباح يوم الأحد 22 آذار الجاري، يشي وكأننا أصبحنا نعيش في فيلم خيالي عن نهاية العالم، خصوصاً حين يمتزج المشهد المباشر مع ما اختزنته الذاكرة في الأيام الماضية، في لبنان وخارجه، كصورة شاحنات عسكرية تنقل جثثاً في شوارع روما، لتحرقها/تدفنها بعيداً من الحياة، كل ما له علاقة بالحياة.

أطفال الجوع
منذ صباح الأحد الباكر، استُنفر الجيش والقوى الأمنية. نداءات من مكبرات الصوت تبعتها دوريات في مختلف المناطق والأحياء. بيروت لا تزال نائمة.

جولة في العاصمة تكفي لمعاينة حجم الرعب المتنقل بين أحيائها. صمت لا يقطعه صباحاً سوى هدير آليات عسكرية أو أمنية. خبر ارتفاع عداد كورونا السريع في اليومين الماضيين، كان كافياً لجعل الناس تلتزم منازلها. بنداءات أو من دونها، غالبية اللبنانيين التزموا بيوتهم ما عدا قلّة.

منهم من هو مضطر لكسب عيشه، ومنهم من هو غير مبالٍ لا بحياته ولا بحياة من حوله، كمجموعة شبان تجمعوا في زاوية قريبة من كنيسة مار مخايل يتبادلون أطراف الحديث، يُدخنون ويضحكون.

وعلى التقاطع أطفال يتراكضون على السيارات يطلبون المال، مرددين: كي لا نموت جوعاً.

خلاء أحد مشمس
استنفار الجيش صباحاً تراجع مع تقدم ساعات النهار. أوصلوا الرسالة وعادوا إلى قواعدهم، تاركين لقوى الأمن أن تفرض الإجراءات التي قررتها الحكومة.

الدرك وشرطة البلدية جالوا على كل الأحياء، طالبين من الناس إغلاق محالهم. قلّة كانوا مخالفين. على امتداد الكورنيش البحري من الرملة البيضاء إلى عين المريسة، محل “إكسبرس” واحد صغير يفتح خلسة. طلبت منه شرطة البلدية الإقفال سريعاً وإلا يحررون محضر ضبط بحقه.

على الكورنيش كله اختفت الحياة التي عادة ما تكون في ذروتها أيام الآحاد المشمسة، كهذا اليوم. لا شيء يتحرك. المشهد ليس متخيلاً، لكنه في الوقت نفسه أقرب إلى الخيال. كل الذين كانوا يهربون إلى الكورنيش الأحد، منفسهم الوحيد المتوفر، اختفوا تماماً. كيف يصمدون؟ على الأرجح لم يعد من مجال للصمود، لقد استسلموا.

ساسين – المزرعة
في ساحة ساسين عائلة من أب وأم وطفلين، يمارسون رياضة الركض. يُدخلون إلى مشهد المحال المقفلة القليل من الحياة المعدمة.

في بشارة الخوري، تقف سيارات الإطفاء التابعة للدفاع المدني، في انتظار بلاغ ما، عن حاجة ما، في حي ما. حتى في كورنيش المزرعة التي إلى الأمس كان هناك بعض من يخرق قرار الإقفال، الالتزام بالبقاء في البيوت شبه تام. كذلك في طريق الجديدة التي لم “يسلم” منها سوى حلويات “صفصوف”. يفتح المحل أبوابه، وعماله يتسامرون أمامه في انتظار زبون يُريد أن يشعر أنه لا يزال يعيش في بيروت، ويُمارس طقوسه، أو بالأحرى الحد الأدنى منها.

شبحان في الحمراء
صمت كبير في شوارع العاصمة، صمت هائل، وحياة شبه معدومة. الإجراءات التي اتخذها الجيش، سبقه إليها الناس.

الخوف هو الحاكم اليوم. لا شيء غير ذلك. اللبنانيون ليسوا من محبي الموت المجاني، وهذا جلي.

امرأة ستينية تعبر شارع الحمراء الرئيسي. تحمل كيساً فيه حاجياتها ربما. تتلفت حولها لتتفحص المارة وظلالهم. شاب يهرول على مقربة منها. تنظر إليه وتتفحصه جيداً. سريعاً تمشي لصق الجدار. على زاوية الرصيف يعبر الشاب المهرول مبتعداً منها.

متر ونصف المتر مسافة كافية لتبقيها على قيد الحياة، في هذا الخواء الأحدي الكبير.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.