إرادة التحدي للمنتفضين العراقيين الحراك الحالي هو الصورة المدنية للإرادة العراقية بدلاً من نسختها المسلحة

3

متظاهرون  تحت جسر الجمهورية في بغداد (رويترز)

على الرغم من استمرار العنف اليومي الشديد ومنذ خمسة أشهر تقريباً، وارتكاب مجازر عدّة بحق المتظاهرين السلميين، ما زالت القوات الأمنية والفصائل المسلحة الموالية لإيران تواصل سياسة القمع الوحشي المتنوع بالقتل والاعتقال والاختطاف والتعذيب، لتكسر عزيمة الشباب المنتفض، الذين يجابهون ويضحون بإصرار منقطع النظير، إنها استجابة الإرادة الشعبية لهذا التحدي التاريخي.

كما أن هذا التحدي الذي يحفز الإرادة العراقية تجاه الواقع السلبي، يُعّد الثاني خلال الخمس عشرة سنة الماضية، إذ كانت الأولى في الغزو الأميركي ودخول قواته إلى بغداد في 9 أبريل (نيسان) 2003، التي سرعان ما استجابت الإرادة العراقية لهذا التحدي وتشكلت فصائل المقاومة المسلحة ضد الاحتلال وأعوانه، ولم تهدأ وتستكين ضرباتها حتى أجبرت المحتل الأميركي على الانسحاب الرسمي قبل 31 ديسمبر (كانون الأول) 2011.

إن إرادة التحدي المتجلية الآن في ساحات الاحتجاجات والاعتصامات في مدن ومحافظات الوسط والجنوب، هي صورة مدنية للإرادة العراقية عن نسختها المسلحة، ولكل منها وضعها وظرفها في تحقيق الهدف من انطلاقها. ونستدل من هذا الوضع الإرادي الشعبي على أن المنتفضين في طريق تحقيق المطلب الجوهري باستعادة الوطن المخطوف من أحزاب الفساد وهيمنة إيران.

تقرير أميركي

ويُعدّ الباحث الأميركي جون بيتر حنا، أحد الذين قرأوا ما يجري في العراق بعقلانية ومنطقية، خصوصاً أنه كان يشغل منصب نائب مستشار الأمن القومي الأميركي ما بين (2005-2009) في عهد رئاسة جورج بوش الابن، كما أنه زميل أقدم في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات، مقرها في العاصمة واشنطن، لذلك جاء تقريره الموسوم “يحتاج العراق لتغيير النظام مُجدداً” ورقة مهمة يطرحها تجاه سياسة بلاده بشكل عام، وإلى إدارة الرئيس دونالد ترمب بشكل خاص.

خلاصة التقرير، على الولايات المتحدة أن تُركز طاقاتها على دعم الاحتجاجات في العراق، وتكشف عن الاعتداءات التي تقوم بها الأذرع الموالية لإيران، وتبتعد عن الطبقة السياسية، التي انتهت شرعيتها جراء ممارسة العنف الوحشي ضد المحتجين السلميين من ناحية، ونفوذ إيران والفصائل المسلحة الموالية لها الآخذة بالتصاعد من ناحية أخرى.

معنى هذا، أن جون حنا يدعو وينصح سياسة بلاده بالوقوف مع إرادة المنتفضين من دون أدنى تردد، بل يرى أن “دعم الاحتجاجات هو الأمل الوحيد ليس فقط لإنقاذ العراق، وإنما لإنقاذ مستقبل العلاقات العراقية – الأميركية أيضاً”. كما يقرّ بصعوبة دعم حركة الاحتجاجات، لأنها لا تمتلك قيادات واضحة، ما يُشكل تحدياً سياسياً بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية.

من هنا، يقترح مجموعة خطوات ينبغي على السياسة الأميركية اتباعها من أجل ضمان تغيير النظام السياسي في العراق، وبطريقة سلمية تمكنه على الخروج من القبضة الإيرانية، وهذه الخطوات هي:

أولاً، القيام بحملة منسقة لإبقاء الأضواء مسلطة على الاحتجاجات والهجمات التي تنفذها إيران وأذرعها ضد المتظاهرين والمعتصمين.

ثانياً، تتبنى الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها قرارات وتوصيات في مجلس الأمن الدولي والمنظمات الدولية الأخرى للتعبير عن التضامن والاهتمام بالشعب العراقي.

ثالثاً، إيجاد طُرق لمساعدة المنظمات غير الحكومية العراقية والدولية، التي تعمل بتكتم مع المحتجين لتوجيه حركتهم ومطالبهم إلى برنامج سياسي عملي.

رابعاً، مساعدة المحتجين والمعتصمين بالوصول إلى تقنيات الاتصالات الآمنة لمواجهة إجراءات الحكومة المقيدة لوسائل التواصل الاجتماعي.

خامساً، تسريع إجراءات معاقبة الأشخاص الذين شاركوا في اضطهاد المحتجين، ليس فقط قادة الفصائل المسلحة، وإنما تشمل كبار السياسيين ومعاونيهم أيضاً.

الإرادة تنتصر

بلا شك، صار واضحاً للقاصي والداني أن العملية السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية والعرقية أثبتت فشلها الذريع. وكانت انتخابات المجالس المحلية في 2008 دالة كبيرة على وعي جمعي رافض للواقع السياسي الذي يفرضه المحتل. ومع استمرار الأحزاب بفسادها المالي والإداري، والهيمنة الإيرانية على مقدرات البلاد، والتقهقر والتخلف في كافة المجالات والميادين الخدمية والصحية والتعليمية والصناعية الزراعية إلخ… إذ شكّلت بمجملها تحدياً واستفزازاً للإرادة العراقية، التي انتفضت في 2011 وفي 2014 لتصل إلى حجمها الواسع في الوضع الحالي، التي اشتعلت شرارتها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2019 في حراك احتجاجي سلمي متواصل، أكدت فيها على نحو أعمق نضج الوعي والإدراك المجتمعي.

وبلغة التنظير ودراسة حقائق التاريخ، فإن الشباب المنتفض يمثل إرادة حيّة وفعالة لها جذرها الوجودي، الذي بانت تجلياته في أزمان حديثة وقديمة. لذلك فإن نظرية “التحدي والاستجابة” التي نقلها آرنولد توينبي (1889-1975) من علم النفس التحليلي لكارل يونغ (1875-1962) إلى علم التاريخ في تفسير عوامل بناء الحضارة وانهيارها، تنطبق على كثير من الحقائق ومنها انبثاق المقاومة العراقية وثورة تشرين الشبابية الحالية.

إذ إن الاحتلال الأميركي وانهيار الدولة وفساد الإسلام السياسي والتسلط الإيراني الطائفي كوّنت، على نحو عام، صدمة أفقدت العراقيين توازنهم، لكنهم لم ينكصوا ويتراجعوا بل جابهوا بالمقاومة المسلحة حتى أجبروا المحتل الأميركي على الانسحاب، ثم انتفضوا سلمياً ضد النظام السياسي الفاسد والمجموعات المسلحة الموالية لإيران.

وكما أثبت منطق التاريخ وحقائقه، أن إرادة الشعوب الأصيلة تنتصر ضد الغُزاة والطُغاة، وتطرد الدخلاء وتعاقب الخونة والمرتزقة، فإن إرادة المنتفضين العراقيين تسير على هذا المنوال. وعندما نصح جون حنا سياسة بلاده أن “تُركز طاقاتها على دعم الاحتجاجات”، فإنه ينظر إلى حقيقة المستقبل الذي ستحققه إرادة المنتفضين العراقيين.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.