حكاية الجزائري ما بين المساجد السياسية والخمارات قرار اتخذه الرئيس بشكل انفرادي وفجائي أثار غضبَ فرنسا التي كانت تضع يدها على البترول

8

مسجد كتشاوة في الجزائر العاصمة (أ.ف.ب)

حكاية الجزائري ما بين المساجد السياسية والخمارات

قرار اتخذه الرئيس بشكل انفرادي وفجائي أثار غضبَ فرنسا التي كانت تضع يدها على البترو

أمين الزاوي – أندبندنت

حين أمّم الرئيس الراحل هواري بومدين (توفي 27 ديسمبر/ كانون الأول 1978) حقول البترول الجزائري من هيمنة الشركات الفرنسية، كان ذلك في 24 فبراير (شباط) 1971، أثار هذ القرار الذي اتخذه الرئيس وبشكل انفرادي وفجائي غضبَ فرنسا التي كانت تضع من خلال شركاتها المتعددة الجنسيات يدها على البترول الجزائري بالكامل. وبدأ النظام الفرنسي في التشديد على الجزائر بمحاصرتها اقتصادياً وتجارياً وسياسياً، واتضح هذا أيضاً على مستوى التعامل العنصري مع الجالية الجزائرية المعتبرة العدد المقيمة في فرنسا، ومن بين ما اتخذته السلطات الفرنسية لمعاقبة الجزائر اقتصادياً وتجارياً، قرار مقاطعة استيراد النبيذ الجزائري، الذي كان يعد علامة متميزة في الأسواق الفرنسية والأوروبية والأميركية، وهو من المشروبات المفضلة على المائدة الفرنسية. وباعتبار أن الإنتاج السنوي الجزائري من الخمور كان بكميات كبيرة ومتنوعة، فقد احتار النظام الجزائري في كيفية تصريف هذه الكميات الهائلة، للإشارة لقد رافقت قرار تأميم المحروقات موجة عارمة من “الخطابات الشعبوية” ومن “الحماسة الوطنية” الكبيرة التي أنست الجزائري قضية الانقلاب العسكري الذي قاده هواري بومدين ضد الرئيس أحمد بن بلة في 19 يونيو (حزيران) 1965، ووصوله إلى السلطة على ظهر الدبابة والزج بالرئيس المنتخب في السجن والذي سيظل فيه حتى وفاة بومدين ومجيء الشاذلي بن جديد إلى الرئاسة، لقد تمكنت هذه الحماسة الوطنية المرافقة للتأميم ضد المستعمر القديم، إلى حد ما، من أن يلبس الرئيس الانقلابي جبة الشرعية الوطنية وإكليل الزعامة أيضاً، وقد كان تأميم المحروقات سبباً في التفاف كثير من المثقفين حول الرئيس الانقلابي العسكري بمن فيهم اليساريون الذين كانوا قبل سنوات قليلة الذراع اليمنى للرئيس السجين أحمد بن بلة، ومن الشعبوية المعبرة عن الرد على مقاطعة النبيذ الجزائري من قبل فرنسا، ما صدر عن أحد المثقفين اليساريين المشاكسين وهو الطاهر بن عائشة (توفي 2016) الذي عرف بعدائه للرئيس الانقلابي العسكري هواري بومدين، من فتوى، أو ما يشبه الفتوى السياسية الدينية والتي مفادها: “إنه لَمِنَ الواجب الوطني علينا جميعاً، وحتى نواجه الحصار الذي تمارسه فرنسا الاستعمارية على الاقتصاد الوطني، وبالأساس على إنتاج الخمور، وحتى تتمكن البلاد من تسويق منتوجها الكبير من النبيذ، من الواجب على كل مواطن أن يستهلك قنينة واحدة من النبيذ يومياً، وبهذا نواجه حصار فرنسا، ونستهلك المنتوج الوطني وننقذ الاقتصاد الوطني”!

وفي سياق الرد على حصار فرنسا للنبيذ الجزائري، وبطريقة شعبوية غاضبة وغير مدروسة العاقبة، أمر الرئيس بومدين ومن دون الرجوع إلى الخبراء الزراعيين، وهذه سنّة معروفة لدى الطاغية العربي أو طاغية العالم الثالث بشكل عام، أمر الرئيس بومدين بتجريف كل حقول الدالية التي كانت تعطي أجود العنب الموجهة للاستهلاك ولصناعة النبيذ العالمي، العالي الجودة، وطالب بزراعة الأرض المُجرّفة قمحاً بدلاً من الدالية، وبكل حماسة وطنية شعبوية، وعلى الفور، تم تجريف حقول أشجار العنب بالكامل في الغرب والشرق والهضاب العليا، وفي الموسم الموالي زرعت المساحات قمحاً، بعدها اتضح بأن هذه الأرض لا تصلح لزراعة القمح، إذ لم تعط أي محصول يُذكر، ودخل مئات الآلاف من العمال الزراعيين الذين كانوا يشتغلون في حقول الدالية في بطالة، وأهملت الأرض، وكان أن استغل التيار الإسلاموي الصاعد آنذاك هذه الفرصة (الحملة ضد الخمور) ليمتِّن وجوده على الساحة الشعبية، بعد أن شرع نظام بومدين في مبادلته الغزل السياسي لضرب الشيوعيين تارة، وتارة أخرى لخلق توازنات في البلاد بين أحزاب اليسار النشطة والممنوعة كـ”حزب الطليعة الاشتراكية” بقيادة بشير حاج علي، ثم الصادق هجرس وحزب القوى الاشتراكية بقيادة حسين آيت أحمد، وحزب  الثورة الاشتراكية بقيادة محمد بوضياف من جهة، وبين التيار الإسلامي المشكل من شخصيات تحلقت حول مالك بن نبي من خلال ندواته الفكرية التي كان يعقدها في بيته بالعاصمة، ومن بقايا جمعية العلماء المسلمين (التي خرج منها لاحقاً تنظيم الإخوان المسلمين في الجزائر) ومن تيار الدعوة السلفية التي تطورت لتولد حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ).

بعد تجريف حقول الدالية وانهيار إنتاج النبيذ الجزائري على مستوى النوع والكمية وأصبح غير منافس في السوق العالمية، انتقل التيار الإسلامي وبدعوى تنظيف المجتمع من الموبقات إلى المطالبة بإغلاق الحانات، التي كانت تعتبر من أجمل حانات البحر الأبيض المتوسط، حانات مدينة الجزائر العاصمة ووهران وعنابة وبجاية وتلمسان وقسنطينة وسكيكدة وجيجل وغيرها، حانات شعبية وأخرى نخبوية عرفت مرور عشرات المئات من كبار الكتاب والرسامين والسينمائيين والساسة، والتي استولى عليها جزائريون بعد رحيل الفرنسيين والأوروبيين عن البلد في عام 1962 وبعدها بقليل، خصوصاً بعد انقلاب 19 يونيو (حزيران) 1965، بدعوى وهم البحث عن مجتمع جزائري إسلامي صاف، بدأت الحرب المكشوفة ضد الخمارات في الجزائر، لتتواصل حتى أيامنا هذه، وقد ظل هذا التيار يروّج من على منابره إلى أنه وبمجرد غلق هذه الأماكن، أي الخمارات، ستتم أسلمة المجتمع، وكأن المجتمع الجزائري كان قبل ذلك كافراً! وكي يتموقع التيار الديني شعبياً بدأ في الاستثمار في “الخطاب المُأَخْلَق”، مدعياً أن سبب تأخر الجزائر هو “الحانات” الكثيرة، ولم يتوقف هذا التيار عن نداءاته وتهديداته حتى أغلقت الحانات، ولم يبق في الجزائر إلا القليل جداً، وما بقي منها ظل أصحابها والعاملون بها عرضة للتهديدات بالقتل خلال العشرية السوداء وما قبلها وما بعدها، كل ذلك في صمت من النظام.

واللافت للانتباه هو أنه وعلى الرغم من انهيار إنتاج النبيذ الجزائري وتردي جودته، وعلى الرغم من إغلاق الخمارات إلا أن الجزائري لا يزال من أكثر المستهلكين للمشروبات الكحولية على اختلاف أنواعها، بل إن الجزائر تصنف من بين البلدان الأكثر استهلاكاً لهذه المشروبات، ولكن السؤال الغريب والمحيِّر هو كيف وأين يستهلك الجزائري هذه الخمور والمشروبات الكحولية بعد أن أغلقت الخمارات وقلت محلات بيع هذه السلعة؟ إذ إن بعض الولاة، وتحت ضغط التيار الإسلامي، أصدروا مراسيم وقوانين تمنع بيع هذه المشروبات على إقليم ولايتهم، وهو أمر غير قانوني أصلاً وضد حق المواطنة والتساوي بين أبناء المناطق المختلفة من البلد، ولكن الملاحظ أن البلد الذي أغلق مسؤولوه السياسيون الخمارات الرسمية تحت ضغط سياسي إسلامي أصبح كله عبارة عن خمارة مفتوحة الأبواب، فالغابات أصبحت مرتعاً للشاربين وقارعات الطرق الوطنية والولائية والبلدية أصبحت مكبات مفتوحة للقناني الفارغة، قناني البيرة والنبيذ والمشروبات الكحولية المختلفة الأخرى، ونتج جراء ذلك ارتفاع في حوادث الطرقات والاعتداءات نظراً للاستهلاك غير المنظم وغير المراقب.

وموازاة مع إغلاق الخمارات الرسمية ومحلات بيع المشروبات الكحولية المرخصة، فقد ظهر جيش من سماسرة تجارة هذه المادة، وأصبحوا أباطرة في تهريب هذه السلع غير مراقبة الجودة لتباع في بعض المدن والقرى الداخلية بأسعار خيالية تقدر بأضعاف سعرها الحقيقي، وتمارس هذه الشرذمة الاقتصادية التجارية ضغطاً كي تبقى الأمور على ما هي عليه، لأنه وبمجرد التفكير في تقنين سوق هذه السلعة ستنهار إمبراطوريتهم، بل إن بعضهم يصرف أموالاً كبيرة في بناء المساجد أو في دعم المشرفين عليها من جمعيات وأشخاص، كل ذلك حتى يصنعوا لأنفسهم صورة مثالية ويشجعوا العامة من المواطنين السذج على المضي في مثل هذا السلوك الذي يحمي ثروتهم وتجارتهم غير الشرعية.

في مقابل عمليات إغلاق الخمارات الرسمية ومنع نقاط بيع المشروبات الكحولية منعاً باتاً في بعض الولايات وفي بعض المدن، ارتفع عدد بناء المساجد، حيث أضحت الجزائر تعد من البلدان المغاربية والعربية التي ترتب في الصفوف الأولى من حيث عدد المساجد، فعلى سبيل المثال تجاوز عدد المساجد بولايتي تيزي وزو والبويرة عدد المساجد في دولة مثل قطر أو الإمارات العربية المتحدة، لكن مع ارتفاع عدد المساجد التي ظهرت في كل حي وفي كل شارع وفي كل قرية في رأس جبل، لم ينقص هذا الواقع من عادة استهلاك الخمور ولم يستطع محاربة الفساد المعمم ولا التقليل من تجارة الغش في شهر رمضان وخارجه، ولم تستطع هذه الأعداد الهائلة من المساجد صناعة مواطن إيجابي تجاه وطنه وعمله ومجتمعه، فالشارع وسخ، والتحرش بالنساء ازداد، والبعض يدعو إلى فتح ملف تحويل أموال الزكاة، وعمت الفوضى المدن.

الأخلاق قبل الدين. المواطنة قبل الدين.

فلا غلق الخمارات في المدن الجزائرية من قبل النظام قلص من عدد مستهلكي الخمور والمشروبات الكحولية ولم يتعقلن الاستهلاك، بل، على العكس من ذلك، فقد حول البلاد إلى خمارة مفتوحة على كل المخاطر. ولا كثرة المساجد التي ارتفعت مناراتها في كل كيلومترين مربعين تقريباً استطاعت أن ترفع حس المواطنة، بل على العكس سمح لتجار الدين السياسي من التسرب عبر بيوت الله الكثيرة التي أصبحت ملكاً لهم ومنبراً لرسائلهم، وازداد المجتمع فوضى وتنوع الفساد البشري والاقتصادي وابتعد المواطن عن دينه البسيط وجُرّ إلى دين الساسة.

إن مجتمعاً تغيب عنه الثقافة العقلية الجادة والثقافة الديمقراطية لا يمكن للدين السياسي ولا للمنع الإداري الانتهازي أن يُؤَخلقه.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.