بقلم الشيخ نعيم قاسم: نَصرُ تموز عطَّل خياراتٍ سياسية دولية صهيونية

0 8

   “إسرائيلُ” كيانٌ عدواني تشكَّلَ من خلال احتلال الصهاينة لفلسطين، برعاية دولية أبرزها بريطانية، وقد تكرَّسَ هذا الاحتلال بقرار دولي عام 1948 عندما قُسِّمت فلسطين إلى أراضي 1948 ممنوحة للكيان الغاصب الإسرائيلي، وإلى الأراضي الباقية من فلسطين التي احتلتها “إسرائيل” عام 1967، والتي أصبحت الأراضي المحتلة محلَّ النِّزاع والمساومة، لتشكيل دولة للفلسطينيين بمواصفاتٍ تُلائمُ الكيان الإسرائيلي الغاصب.

تاريخُ “إسرائيل” هو تاريخُ الاعتداءات والحروب المتنقلة ضد الفلسطينيين والدول المجاورة مصر وسوريا والأردن ولبنان، وقد خاضت “إسرائيل” حربها باجتياحها الشامل للبنان عام 1982، ووصلت إلى العاصمة بيروت، بهدفِ إنهاءِ أي وجودٍ للمقاومة الفلسطينية، وبَدء تاريخٍ جديدٍ في المنطقة قائمٍ على أساس أنَّ “إسرائيل” هي القوية بلا منازع، والتي تفرض شروط كيانها وحدوده، وحدود فلسطين وواقعها، في إطار اتفاقات تشمل الدول العربية لتكون الحاضنة السياسية والاقتصادية لـ”إسرائيل”، ما يُمكِّن كيان العدو من الانطلاق من جغرافيته في فلسطين المحتلة، إلى السَّيطرة على مقدِّرات الدول المحيطة والدول العربية كافة ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا…

1 – ولادةُ حزب الله

فوجئتْ “إسرائيلُ” والعالم بولادة حزب الله عام الاجتياح، حيث نَمَتْ المقاومة الإسلامية مع حزب الله العقائدي الإسلامي إلى درجةٍ أربَكَت الاحتلال في لبنان، وهدَّدتْ وجوده، فانسحبَ عام 1985 من جزء من لبنان ليُخفِّفَ الوطأةَ عنه، ولكنَّ المقاومةَ ازدادت قوَّة وتصميمًا، فما كان من “إسرائيل” إلَّا أن خاضت حربًا ضد حزب الله في تموز 1993 ظنًّا منها بقدرتها على إنهاءِ هذه الظَّاهرة الجديدة، فكانت النَّتيجةُ تفاهمَ تموز غير المكتوب، الذي أوجَدَ معادلةَ عدم قصف “إسرائيل” للمدنيين مقابلَ عدمِ إطلاق صواريخ المقاومة على المستوطنات الإسرائيلية.

ثم كانتْ حربُ “إسرائيل” العدوانية ضد لبنان في نيسان 1996 للهدفِ نفسِه، وهو إنهاءُ وجودِ المقاومة، فكانت النَّتيجة تفاهم نيسان المكتوب والذي كرَّسَ معادلةَ المدنيين مقابل المدنيين.


اعتقدتْ “إسرائيلُ” بأنَّ خروجها من لبنان عام 2000 سيُبطلُ ذريعةَ حزب الله باستمرار قوَّتِه ومقاومته، وأنَّ بقاءَ مزارع شبعا وتلال كفرشوبا محتلَّة لا يؤثرُ على مسارِ الضغطِ على الحزب ليَترُكَ السِّلاحَ والمقاومة. اعتقدَ قادةُ “إسرائيل” أنَّ انسحابَهم محطةٌ لانتهاء المقاومة اللبنانية، ولكنَّهم فوجئوا بأنَّ المقاومةَ استمرَّتْ وأعدَّتْ للمرحلة القادمة، فلم يكنِ التَّحريرُ محطَّةَ استراحةِ المقاومة! بل كان محطَّةَ تراكم القوة والاستعداد لجولةٍ جديدةٍ محتملة, يمكنُ أن يخوضَها العدو الإسرائيلي، لأنَّ منهجَهُ قائمٌ على الاحتلال والعدوان وحماية الاحتلال والتوسع بالمزيد من العدوان دائمًا.
    لم تَصمدْ “إسرائيلُ” أمام تصميمِ وجهادِ المقاومة الإسلامية وعملياتِها المتكرِّرة والنَّاجحة ضد الصهاينة وعملائهم، ما اضطَّرَ “إسرائيل” للانسحاب من لبنان في 25 أيار 2000، وهو يومُ التَّحريرِ الكبير والأوَّلِ الذي حصلَ من دون اتِّفاقٍ وبلا قيدٍ أو شرط، ما أعطى المقاومةَ موقعًا عظيمًا في الصراع مع “إسرائيل”، وأثبتَ جدوى المقاومة لتحرير الأرض، بدلَ تضييعِ الجهودِ والآمال الزَّائفة بالاعتماد على القرارات الدولية ومجلس الأمن والدول الكبرى، الذين لم يُحرِّكوا ساكنًا لانسحاب “إسرائيل” من لبنان وفق القرار 425 عام 1978.

2 – حربُ تموز

إنَّ أسرَ حزب الله للجنديين الإسرائيليين في تموز 2006 كان بهدفِ الإفراجِ عن المعتقلين والأسرى في السجون الإسرائيلية، وهذا العمل له علاقة بتحصينِ المقاومة وأهلِها، لإرغام العدو أن لا تكونَ يَدُهُ العُليا في فرض قواعد الأسر والاعتداء، فالأسرى يجب أنْ يتحرّروا، والعدوانُ يجبُ الرَّد عليه بالمقاومة، وهذه هي الخطوات الضَّرورية لتثميرِ عملِ المقاومة ومراكمتِه من أجل التحرير الكامل.

احتَجَّ الصهاينةُ بأسْرِ الجنديين ليشنوا حربًا طاحنة على لبنان وحزب الله، في 12 تموز 2006، استمرت ثلاثة وثلاثين يومًا، وقد انكشف بعد ذلك أنَّ الحربَ كانتْ مقرَّرةً في أيلول أو تشرين الأول 2006، بتنسيقٍ وإشرافٍ كاملٍ من أمريكا، ولكنْ تَمَّ تقديمُها بقرارٍ أمريكي رغم تردُّد القادة الإسرائيليين لعدم جهوزيتهم الكافية، وعلى كلِّ حال فـ”إسرائيلُ” لا تحتاجُ إلى ذريعةٍ لخوضِ حربٍ تراها مصلحة لها، وهي التي خاضتْ كلَّ حروبِها بذرائعَ واهية، انطوى خلفَها قرارٌ بمصلحةِ “إسرائيل” ومناسبةِ التوقيتِ للتَّوسع.

انتصَرَ حزبُ الله ولبنان انتصارًا مدوّيًا ومفاجئًا للعالم ولـ”إسرائيل” وأمريكا، وانهزمتْ “إسرائيل” التي لم تُحقِّق هدفَهَا في سَحْقِ حزب الله، وخَرَجَ ثلاثيُّ القوَّة: الجيشُ والشعبُ والمقاومةُ بمعنوياتٍ أعلى، وقوةٍ موصوفةٍ، تستطيعُ المواجهة والصُّمود بوجهِ “إسرائيل”، وتستطيعُ حمايةَ لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية بردعٍ واضحٍ، كثمرةٍ من ثمارِ الحرب، وكنتيجةٍ إيجابيةٍ من نتائج العدوان.

أثبتتِ المقاومةُ بأنَّ القوَّة والحق إذا اجتمعا حقَّقا إنجازاتٍ وانتصاراتٍ عظيمة، فالنَّصرُ لا يُقاسُ بالإمكانات فقط، إذ مع تفوقِ “إسرائيل” بإمكاناتِها انهزمتْ مرَّاتٍ عدة في لبنان وغزة، إنَّما يُقاسُ النَّصرُ بعزيمةِ أهلِ الحقّ والأرض واستعدادِهم للتَّضحية مع ما توفَّرَ لديهم من إمكانات لينتصروا. قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ”.

3 – هزيمةُ “إسرائيل”

سجَّلَ انتصارُ تموز 2006 عصرًا جديدًا للمقاومة، بل يُمكنُ القولُ بأنَّه بدايةُ عصرِ انتصاراتِ المقاومة في مواجهة أصعب التحدِّيات. شكَّلَ نصرُ تموز منعطفًا في موقع المقاومة في المنطقة، فهي تُلهمُ شعوبها، وتتوسَّعُ في البلدان المختلفة بأيدي مواطنيها، وتُحفِّزُ المقاومةَ الفلسطينية للمزيدِ من التَّضحيات والصَّبر وهي مقاومة الشعب الفلسطيني الصامد والعظيم.

    نصرُ حزب الله في تموز 2006، لم يهزمْ “إسرائيل” فقط، بل هَزَمَ أمريكا وكلَّ من معها من عرب التآمر. نصرُ حزب الله هَزَمَ مشروعًا ضخمًا من بوابة لبنان، تحدثتْ عنهُ وزيرةُ خارجية أمريكا  “كونداليزا رايس” في اليوم العاشر للحرب، عندما رفضت الوَقفَ الفوريَّ للحرب الإسرائيلية على لبنان، ووصفت العدوان عليه بأنَّه: “آلامُ مخاضِ ولادةِ شرقِ أوسطٍ جديد”. إنَّه مشروعُ الشرق الأوسط الجديد الذي انهزمَ على يد حزب الله في تموز 2006، إنَّه مشروعُ تحطيمِ الإرادة وكسرِها لإضعاف لبنان، وإعطاء النَّموذج لجميع بلدان وشعوب المنطقة بأن تخضع للمشروع الأمريكي الإسرائيلي، إنَّه مشروعُ تيئيس الفلسطينيين بأنْ تكونَ المنطقة كلُّها مُلحقةً وتابعةً وفي خدمة “إسرائيل” التي ستركِّز دولتها على حساب الشعب الفلسطيني، وتقهر العرب من بوابة القدس وفلسطين.    دقَّ انتصارُ تموز إسفينَ بدايةِ الهزائمِ الإسرائيلية، ومعها أصبحَ المشروعُ الإسرائيلي في خطرِ عدمِ الاستقرار والاستمرار، وضعفِ القدرةِ على المبادرة إلى العدوان في كلِّ آن. أسَّسَ انتصارُ تموز لمرحلةٍ جديدة من الرَّدعِ المتوازن، جعلَ “إسرائيل” تحسبُ ألفَ حسابِ لأيِّ اعتداءٍ على لبنان، ما جعلَ لبنان بمنأى عن ضربات “إسرائيل” وعوانها منذ ثلاثة عشر عامًا.

نصرُ حزب الله مَدينٌ للمجاهدين والشهداء والأسرى وعوائلهم، مَدينٌ للشعب اللبناني المضحِّي والشجاع والصامد، مَدينٌ للقيادة الحكيمة التي يرأسها سماحة الأخ العزيز السيد حسن نصر الله(حفظه المولى) بإرادته الواثقة وتوجيهاته الحكيمة والمؤثرة، مَدينٌ لهذا التلاحم بين ثلاثي الجيش والشعب والمقاومة. نَصرُ حزب الله هو نَصرُ فلسطين والقدس، هو نَصرُ العرب ونَصرُ المسلمين، هو نَصرُ الأحرار التوَّاقين إلى العزَّة من مستضعفي العالم.

نَصرُ تموز عطَّل خياراتٍ سياسية دولية صهيونية، وحلَّ محلَّها خيارات وآمال شعوب المنطقة، وهي قابلةٌ للتَّحقُّق مع التَّضحية والصَّبر والمقاومة. وكلّ ما رأيناه من إفشال للمشروع الأمريكي – الإسرائيلي المتنقِّل في المنطقة منذ نَصرِ تموز حتى الآن، هو من بركاتِ نَصرِ المقاومة والتحرير.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.