خطاب السيد نصر الله ومعادلة الأمن القومي اللبناني

8


تحدث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله خلال الاحتفال الذي أقامه حزب الله في الذكرى الأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، تحت عنوان “أربعون ربيعاً”. أهم ما قدّمه السيد في خطابه هو مقاربة جديدة للملف اللبناني ضمن واقع المنطقة والإقليم. مقاربة تُحاكي الواقع الحالي للبنان ضمن بيئته الإستراتيجية ونقاط القوة والضعف الموجودة، دون أن تتجاهل الملفات اللبنانية الداخلية التي تهم المواطن. قدَّم السيد قراءةً تؤكد قدرة لبنان على النهوض والتنمية، والتحوُّل نحو مسار بناء القوة الوطنية، وبالتالي بناء “معادلة الأمن القومي اللبناني”. فيما كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية النموذج الذي يمكن الإقتداء به. فكيف تؤسس مقاربة السيد نصر الله لمسار لبناني جديد؟

فيما يلي نذكر أهم ما يمكن استنتاجه من خطاب السيد نصر الله، للبناء عليه:

أولاً: أراد السيد أن يؤسس لمرحلة جديدة ينتقل بها لبنان كدولة وكيان من موقع الضعف الى موقع القوة، ومن موقع البلد المفروض عليه معادلات الآخرين الى الدولة القادرة على بناء معادلاتها الخاصة. هنا تُشكل المقاومة نقطة القوة الأساسية للبنان.

ثانياً: طرح السيد رؤيته لمستقبل لبنان كدولة، من موقع امتلاك لبنان للفرص. فقد أكد السيد امتلاك المقاومة لتجربة غنية، على الصُعد كافة، قادرة على أن تقارب الواقع اللبناني بحسب الأولويات.  وهنا فإن الأولوية اليوم، تأتي لبناء وتحصين الداخل اللبناني. وهو ما يبدو أنه الحد الأدنى الذي يطمح له حزب الله.

ثالثاً: انطلق السيد من الواقع الحالي للصراع، ونتائج الإنتصارات التي ثبَّتت معادلات الردع مع الكيان الإسرائيلي وأنهت التهديدات الإرهابية. وبالتالي أدخلت لبنان في مرحلة القدرة على التوجه للداخل وتحقيق النهوض وبالنتيجة صناعة المعادلات اللبنانية الخاصة. فلو لم تكن المقاومة، لكان لبنان غارقاً في معادلات الآخرين على أرضه، وهو ما سيمنعه حتما من التوجه لتحصين بنيته كدولة وتحقيق الإصلاح والتنمية.

هذه النقاط ونقاط أخرى، تجعل خطاب الأمين العام لحزب الله خطاباً مفصلياً في مرحلة حساسة ودقيقة يمر بها لبنان في ظل تحديات تعصف بالمنطقة والعالم. أراد السيد أن يُعبِّر عن رؤية مختلفة، لما يسود في الإعلام والسياسة من جوٍ سلبي في مقاربة الواقع اللبناني. باختصار”لبنان قادر على تأمين حياة عزيزة للمواطن اللبناني وعلى عدة صُعد. الأمر يحتاج فقط لقرار سيادي ومُستقل وطروحات سيادية!”.

إذاَ، أزمات عديدة تخص المواطن اللبناني يُمكن حلها من خلال مقاربتها بشكل مختلف. الأمر ليس محصوراً بالتعاون مع دولة معينة، المهم هو القرار السيادي. هكذا قال السيد، مُشيراً الى أن الجمهورية الإسلامية التي تُعتبر نموذجاً للتطور والتقدم العلمي والإكتفاء الذاتي، تُشكل بحسب التجربة فرصة للتعاون أيضاً. من الأمن السياسي مروراً بالأمن الإقتصادي والإجتماعي الى الأمن العسكري، وعلى كافة الصُعد التي تُعتبر مكونات لمعادلة الأمن القومي، قدَّم الأمين العام لحزب الله مقاربة جديدة تصلح لأن تكون رؤية وورقة عمل لدولة تسعى لتعزيز قدراتها وتحقيق المعنى الفعلي للسيادة والإستقلال والقوة. مقاربة لبنانية بامتياز تأخذ بالإعتبار كل أبعاد الواقع اللبناني دون أن تفصله عن محيطه وبيئته الإستراتيجية. استطاع السيد أن يجمع بين هم المواطن الحياتي ومعادلة الدولة للأمن القومي. لذلك يُعتبر خطاب الأمين العام لحزب الله الخطاب اللبناني الأهم والأبرز في المرحلة الحالية التي يعيشها لبنان. وهنا فإن من يفقه معنى امتلاك الدول للقوة، وما تعنيه معادلة الأمن القومي من أهمية، سيُدرك أن خطاب السيد صنع تحولاً في مقاربة المسار الإستراتيجي للبنان. أثبت السيد أن مسار النهوض والتنمية والإصلاح الشامل هو مسارٌ ممكن، ومؤشراته الحالية مرتفعة.

مرة أخرى وكالعادة، يُثبت السيد أن المقاومة هي نقطة قوة لكل لبنان، وحلفاءها هم حلفاء اللبنانيين جميعاً. وضع السيد تجربة المقاومة وعلاقاتها الإقليمية في خدمة لبنان. لكن هذه المرة في خدمة لبنان الإقتصاد والمجتمع والسياسة. هذه الأولويات، باتت من الأمور المقدور على تحقيق انجازاتٍ فيها، لأن القوة العسكرية للبنان مؤمَّنة ضمن معادلة الجيش والمقاومة. مقاربة السيد، هي فرصة للبنان الدولة ونقطة قوة له في سبيل بناء معادلة “الأمن القومي اللبناني”. فهل من سيغتنم الفرص؟

التعليقات مغلقة.