المقاومة تعيد المكانة العالمية للسلاح الروسي

3

 

 

 

 

 

«إذا تحدثنا بصراحة فإن الصناعات العسكرية الروسية وكل إنجازاتنا التقنية في مجال التصنيع الحربي، لم تحظ لوقت طويل بالتقدير الموضوعي الذي تستحقه على مستوى العالم، حيث كانوا يعتبرونها كلها قديمةً وصدئة، وأن صواريخنا لا تطير، وحتى ليس هناك إطلاقاً سلاحٌ روسي له قدرة على العمل الصحيح، إلا أن هذه الصورة تغيرت مؤخراً، وظهر للعالم بأسره أن روسيا هي دولة تستحق أن تؤخذ بالحسبان وبشكل جدي» لخص هذا التصريح الصريح لـ «يوري بوريسوف» نائب رئيس الوزراء الروسي، حالة التغير الدراماتيكي الذي طرأ خلال العقد الأخير على مكانة السلاح الروسي في العالم، فبعدما قضت شركات تصنيع السلاح الروسي عقد التسعينيات وبداية الألفية، تبحث عن سوق لمنتجاتها في دول آسيا وإفريقيا الفقيرة، وصلنا اليوم إلى زمنٍ تضحي فيه دول حليفة تقليدياً للولايات المتحدة، باستقرار علاقاتها مع واشنطن، وتخاطر بتحمل عبء عقوبات اقتصادية أميركية، كل ذلك مقابل الحصول على سلاحٍ روسي.
دول كبيرة وذات وزن إستراتيجي في العالم، مثل تركيا عضو الناتو التي لم يسبق أن أدخلت إلى ترسانتها العسكرية سلاحاً من مصدر غير غربي، ضحت بفرصتها للحصول على أحدث طائرات الولايات المتحدة «إف35»، وبعقوبات أميركية، كل ذلك مقابل الحصول على منظومة «إس400» الدفاعية الروسية، وهي المنظومة التي سعت وراءها أيضاً دولة مثل الهند كانت في الماضي سوقاً تقليدياً للسلاح السوفيتي، قبل أن تبدأ باستيراد السلاح الأميركي منذ التسعينيات، لتعود لإبرام صفقات السلاح مع روسيا، والتي تشمل توطين صناعات عسكرية روسية في الهند مثل رخصة تصنيع طائرة السوخوي 30 الاعتراضية.
صفقات الحصول على رخص تصنيع السلاح الروسي اختارها العملاق الصيني أيضاً وسيلة لتطوير تقنيات التصنيع العسكري الصينية، لكن دولاً عربية أخرى كالسعودية وقطر اختارت طريقاً آخر، إثر تنامي أهمية الدور الروسي في المنطقة العربية مؤخراً: إنه طريق إبرام صفقات سلاح مع الروس لغرض نيل الرضا وتوطيد العلاقات مع دولة كبرى صاعدة، وهي ذات أهداف صفقات السلاح الأميركي المبالغ في ضخامتها التي تبرمها تلك الدول مع واشنطن.
لكن ما العوامل الحقيقية التي أدت لتصاعد مكانة السلاح الروسي عالمياً؟
في الواقع تتحكم بسوق السلاح عوامل معقدة، فالسلاح وكما يقول الخبراء سلعةٌ لا يمكن التأكد من إمكانياتها إلا عملياً على محك التجربة في ميادين القتال، فلا يمكن لحكومة مسؤولة أمام شعبها، ويستثنى من هذا الكلام طبعاً إمارات ومشيخات الخليج، أن تتخذ قرار ابتياع منظومة تسليحية تتكلف مليارات الدولارات، وتكلف صيانتها والحصول على قطع غيارها عشرات الملايين، لمجرد أرقام توردها الشركة المصنعة عن قدرات تلك المنظومة، حيث يصنف السلاح من ضمن السلع الأكثر كلفةً في العالم.
لذلك وبدءاً من حرب الخليج الثانية عام 1991 أي «عملية عاصفة الصحراء» التي شنتها الولايات المتحدة لطرد العراق من الكويت، عملت الآلة الإعلامية والدعائية الضخمة التي تمتلكها الولايات المتحدة على استثمار الحروب غير المتكافئة التي خاضها الجيش الأميركي في العراق وأفغانستان والصومال والبوسنة والهرسك وكوسوفو، وذلك بهدف الترويج لقدرات أسطورية للسلاح الأميركي، في مقابل تقليل مبالغ به لقدرات السلاح الذي تصنعه موسكو، مع تجاهل حقيقة أن جميع الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة إنما كانت تستهدف جيوش دولٍ من العالم الثالث، أو حتى ميليشياتٍ، جميعها تمتلك نسخاً متقادمة أو تصديرية من السلاح السوفييتي في مقابل أحدث نسخ السلاح الأميركي.
ويمكننا أن نعتبر حملة الترويج التي شنتها قناة الـ«CNN» ولاحقاً أفلام هوليود لمنظومة «الباترويت» نموذجاً عن ذلك، وكانت المنظومة المخصصة أصلاً للدفاع ضد الطائرات قد استخدمت لمحاولة اعتراض صواريخ «السكود» التي أطلقها العراق ضد دول الخليج وإسرائيل، وتم إقناع العامة بأن صواريخ باتريوت تعمل بأداء قريب من المثالية، وبأنها تمكنت من اعتراض ما بين 45 و47 صاروخ سكود، بعدها بفترة عدل الجيش الأميركي من تقديراته لتنخفض إلى 50 بالمئة، ثم قالت تقارير له بعد ذلك إنه يثق في ربع الحالات فقط، بعد فترة لاحظ أحد موظفي خدمات أبحاث الكونغرس إنه إذا طبق الجيش تقديراته بشكل منهجي سليم فسوف يكون الرقم أقل بكثير، حيث يُقال إنهم أسقطوا صاروخ سكود واحداً فقط وكان الصاروخ فاسداً.
فوفقاً للتحقيقات التي أجرتها لجنة «الكونغرس» بخصوص العمليات العسكرية الأميركية خلال حرب الخليج الثانية، ما من دليلٍ على حدوث أي اعتراضاتٍ للصواريخ العراقية، التي لم تلحق خسائر كبيرة بين صفوف الإسرائيليين ليس بسبب إسقاطها قبل وصولها أهدافها، بل لأن العراق اضطر لتعديلها وتخفيف وزن شحنتها المتفجرة، بهدف زيادة مداها، حتى تصل إلى المدن الإسرائيلية، ويقول ملخص التقرير: «هناك أدلة قليلة على أن «باتريوت» أسقطت عدة صواريخ سكود أطلقها العراق في حرب الخليج، وهناك بعض الشك في أن تكون هذه الاشتباكات قد حدثت بالفعل».
بعد هذا التقرير دعا البنتاغون لرفع السرية عن مزيد من المعلومات بشأن أداء صواريخ باتريوت، وطالب بتقييم مستقل للبرنامج لم ير النور مطلقاً نتيجة حملة ضغط من الجيش وشركة «رايثون» المنتجة للصواريخ، التي أنتجت بدءاً من حرب الخليج الثانية نسخاً مطورة للباتريوت ادعت أنها متخصصة في اعتراض الصواريخ البالستية.
وكما كانت مواجهات الشرق الأوسط العسكرية في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات الميدان الذي أثبت للعالم تفوق السلاح الغربي على نظيره السوفيتي، كانت هذه المنطقة أيضاً ميداناً لمواجهات عسكرية بدءاً من تموز 2006 قلبت الصورة وأعادت لسوق السلاح الروسي مكانته التي يستحقها موضوعياً، ولقد دخلت إسرائيل حربها في تموز من ذلك العام، معتمدةً، إلى جانب تفوقها الجوي الكاسح، على أسطولها من دبابات الميركافا التي اعتبرتها فخر الصناعة الإسرائيلية، والدبابة الأكثر تدريعاً وحمايةً للجنود في العالم، لكن الميركافا تحولت إلى مجرد تابوت متنقل في مواجهة صواريخ الكورنيت الروسية التي ابتاعتها سورية منذ التسعينيات، وزودت بها مقاتلي حزب الله، قبل فترة وجيزة من حرب تموز.
ويمكننا أن نعتبر معركة «وادي الحجير» النقطة المفصلية التي تحطمت عندها أسطورة «الميركافا»، وأطلت أسطورة الكورنيت، فقد زجت القيادة العسكرية الإسرائيلية بـ90 دبابة ميركافا في هذه المعركة، وأعطت الضباط الميدانيين مهلة 60 ساعة لإتمام المهمة، والسيطرة على وادي الإستراتيجي والمرتفعات المطلة عليه، لكن النتيجة كانت مفجعة، فلم تنج من أصل الدبابات الـ90 ألا أربع دبابات، على حين تم تدمير أو تعطيل الباقي، أحد المحللين العسكريين الإسرائيليين سمى هذه المواجهة «الحرب الكبرى داخل الحرب الكبرى»، أما أحد جنود طواقم الدبابات الذي شارك في المعركة فقد وصفها بقوله: «جهنم، الجحيم ولا شيء آخر، أنا لم أصدق أنني سأخرج من هناك، أنت ترى الموت بناظريك وتصافحه، فطوال الوقت كان هناك إطلاق نار وإطلاق صواريخ مضادة للدبابات، كانت هذه نار الجحيم ولا تعرف متى ستطولك وفي سرك تصلي لأن تنتهي».
إثر حرب تموز ألغت كل من تركيا والهند والصين وجنوب إفريقيا صفقات مع إسرائيل لابتياع الميركافا، التي تحولت من أغلى دبابة في العالم، إلى مجرد دبابة ثقيلة الوزن، على حين صعدت مبيعات السلاح الروسي حول العالم بشكل قياسي، كما شهد قطاع غزة مواجهات ناجحة تالية للكورنيت ضد الميركافا، خلال الحروب التي شنتها إسرائيل على القطاع المحاصر أعوام 2008، 2012، 2014.
وكانت الحرب السورية النقلة النوعية الأخرى التي قفزت بمكانة السلاح الروسي، فقد استغلت روسيا دخولها ميدان الحرب بدءاً من العام 2015 لاستعراض أحدث ما أنتجته من التكنولوجيا العسكرية، سواء المنظومات التي استخدمها سلاح الجو الروسي في سورية لقصف المجموعات المسلحة التي كانت تقاتل الدولة السورية بدعم غربي وإقليمي، أم المنظومات التسليحية التي تم تزويد القوات السورية الحكومية بها، التي استخدمت إما في المعارك البرية ضد الميليشيات الإرهابية مثل دبابات «تي90» الحديثة المزودة بنظام تشويش وتضليل الصواريخ المضادة للدبابات من طراز «شتورا»، وإما المنظومات التي استخدمتها قوات الدفاع الجوي السوري في صد الغارات الإسرائيلية والهجمات الصاروخية التي شنتها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ضد المواقع والمطارات العسكرية السورية، وهي بشكل رئيسي نظاما «البانتسير» و«البوك إم 2» اللذان صدا معظم صواريخ كروز المجنحة، وسجل لهما النجاح في حماية المطارات السورية، حيث لم يسجل خروج مطارٍ واحد عن العمل، إضافة طبعاً لمنظومة «الإس 200» السوفييتية القديمة التي نجحت في إسقاط طائرة إسرائيلية حديثة من نوع «إف 16» فوق فلسطين المحتلة في 10 شباط عام 2018.
كما تكفلت حملة الضغوط الإسرائيلية المكثفة التي شنتها كل من تل أبيب وواشنطن على موسكو بهدف منعها من تزويد الجيش السوري بمنظومة «إس 300» بتسويق هذه المنظومة ونظيرتها المشتقة منها «إس400»، حيث تترقب المؤسسات العسكرية حول العالم اليوم، نتائج المواجهة المحتملة بين سلاح الجو الصهيوني والدفاع الجوي السوري الذي تسلح بالـ«إس300 » أخيراً.
هكذا أعادت المواجهات التي خاضتها أطراف محور المقاومة المكانة العالمية للسلاح الروسي في مواجهة نظيره الغربي، تماماً مثلما منحت إسرائيل للسلاح الأميركي سمعته المرعبة خلال حرب الأيام الخمسة ضد الجيوش العربية عام 1967.

فارس الجيرودي .. الوطن

التعليقات مغلقة.