للبنتاغون 4775 قاعدة داخل البلاد وخارجها، لكن لماذا يخفي عددها الحقيقي في الشرق الأوسط؟

8

بدأت الولايات المتحدة فعلياً، الجمعة 11 يناير/كانون الثاني 2019، بسحب معداتها من قاعدتها العسكرية في منطقة التنف بسوريا. والتنف هو مكانٌ ادّعى النظام السوري، وقتاً طويلاً، أنَّه قاعدة تدريب لمقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، وهو ممرٌ أرضي داخل سوريا بالقرب من الحدود العراقية والأردنية، وقالت روسيا عنه إنَّه معقلٌ للإرهاب (في حين كانت تطرح فكرة إدارة المنطقة بالاشتراك مع الولايات المتحدة الأمريكية). وبحسب تقرير لموقع Lobe Log الأمريكي، فإن التنف أيضاً هو موقع معسكر انضم فيه المئات من قوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) إلى قوات العمليات الخاصة العام الماضي (2018)، وهو قاعدةٌ زعم مسؤولون أمريكيون أنَّها كانت مهمة، ليس فقط لهزيمة تنظيم داعش، بل أيضاً لمواجهة «الأنشطة الخبيثة لإيران ووكلائها العديدين». كما تعلمون، تلك هي بلدة التنف.
جرد المعدات لسحبها
وفي غضون ساعات من إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قرار انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، خضعت المعدات الموجودة في القاعدة العسكرية للجرد، تمهيداً لسحبها. وهكذا ببساطة، (ربما) تكون أهم قاعدة عسكرية أمريكية بسوريا في طور الإزالة من سجلات وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون»، باستثناء أنَّ التنف، وبالصدفة، لم تُذكَر مطلقاً في سجلات البنتاغون. فمنذ تدشينها عام 2015 وحتى وقتٍ قريب، كانت التنف واحدةً من القواعد العسكرية العديدة الموجودة في منطقة وسط بين السر والعلن، فهي قاعدةٌ عسكرية مُعترَفٌ بها، لكنَّها لم تشق طريقها إلى قوائم جرد البنتاغون الخاصة بالقواعد العسكرية الأمريكية. ومن الناحية الرسمية، تحتفظ وزارة الدفاع الأمريكية بـ4775 «موقعاً» منتشراً في أرجاء الولايات الأمريكية الخمسين، والأقاليم الثمانية التابعة لإدارة الولايات المتحدة، و45 دولةً أجنبية. ويقع نحو 514 من هذه القواعد العسكرية خارج البلاد، وذلك وفقاً لحافظة ممتلكات البنتاغون على مستوى العالم. ولذكر بعض الأمثلة من قائمةٍِ طويلة، تشمل هذه الحافظة قواعد في جزيرة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي، وجيبوتي في منطقة القرن الإفريقي، بالإضافة إلى بيرو، والبرتغال، والإمارات، والمملكة المتحدة. لكنَّ أحدث نسخة من قائمة البنتاغون للقواعد العسكرية، الصادرة في بداية 2018 والمعروفة باسم «تقرير هيكل القواعد»، لم تأتِ على ذكر قاعدة التنف مطلقاً، أو أي قاعدة أخرى في سوريا، أو العراق، أو أفغانستان، أو النيجر، أو تونس، أو الكاميرون، أو الصومال، أو أي عددٍ من هذه المواقع التي يُعرَف وجود مثل هذه القواعد العسكرية فيها، بل والاستمرار في توسعتها.
قواعد شبيهة لا يتحدث عنها البنتاغون
وفقاً لديفيد فاين، مؤلف كتاب Base Nation: How U.S. Military Bases Abroad Harm America and the World، الذي يتناول القواعد الأمريكية في العالم، قد يكون هناك المئات من هذه المواقع العسكرية الشبيهة حول العالم والتي لم يرد ذكرها بالسجلات الرسمية. ويقول فاين: «تعكس هذه المواقع غير المذكورة غياب شفافية النظام، وأُقدِّر عددها بنحو 800 قاعدة عسكرية أمريكية خارج الولايات الخمسين والعاصمة واشنطن، وتحيط هذه القواعد بالعالم منذ الحرب العالمية الثانية». وفاين هو أيضاً عضوٌ مؤسس في مجموعة «تحالف إغلاق وترتيب أوضاع القواعد الخارجية»، «Overseas Base Realignment and Closure Coalition«، وهي مجموعة من المحللين العسكريين من مختلف الأطياف الأيديولوجية الذين ينادون بتقليص «البصمة» العالمية للجيش الأمريكي، بحسب الموقع الأمريكي. ولم تُسجَّل هذه القواعد العسكرية في السجلات الرسمية لسببٍ، وهو أنَّ البنتاغون لا يريد أن يتحدث عنها. وقالت الكولونيل ميشيل بالدانزا، المتحدثة باسم البنتاغون، لموقع TomDispatch، عند سؤالها عن المواقع العسكرية العديدة الغامضة التابعة لوزارة الدفاع: «تحدَّثتُ إلى الضابط المسؤول عن تقرير هيكل القواعد وأفاد بأنَّه ليس لديه ما يضيفه بهذا الشأن، وما من أحدٍ متاح لمناقشة الموضوع بصورة أكبر في الوقت الراهن». ويوضح فاين: «القواعد غير المُسجَّلة مُحصَّنةٌ من الرقابة العامة وحتى من رقابة الكونغرس في كثيرٍ من الأحيان. وتُعَد هذه القواعد تجسيداً مادياً للسياستين العسكرية والخارجية للولايات المتحدة. وتعني هذه القواعد غير المُسجَّلة أنَّ الجيش والسلطة التنفيذية يُقرِّران مثل هذه السياسات دون مناقشة عامة، وينفقان في كثير من الأحيان مئات الملايين أو مليارات الدولارات، ويُحتمَل أنَّها تُورِّط الولايات المتحدة في حروبٍ وصراعات لا يعلم غالبية سكان البلاد عنها شيئاً»، بحسب الموقع الأمريكي.
أين هي تلك القواعد؟
يشير تحالف إغلاق وترتيب أوضاع القواعد الخارجية إلى أنَّ الولايات المتحدة تملك ما يصل إلى 95% من القواعد العسكرية الأجنبية، في حين لا تملك دولٌ مثل فرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة إلا نحو 10-20 موقعاً عسكرياً أجنبياً لكلٍّ منها. ولا تملك الصين إلا قاعدة عسكرية أجنبية واحدة. وتتباهى وزارة الدفاع بأنَّ «مواقعها» تشمل 164 دولةً. ولصياغة الأمر بطريقةٍ أخرى، لدى الولايات المتحدة وجود عسكري في نحو 84% من الدول في العالم، أو على الأقل هذا ما تدَّعيه وزارة الدفاع. وبعدما بحث موقع Tom Dispatch عن هذا الرقم وأفرد صفحةً على الموقع مُصمَّمةً خصوصاً لإطلاع الجمهور على «قصة» البنتاغون، تغيَّر الرقم بسرعة. وقالت الكولونيل ميشيل بالدانزا: «نُقدِّر جهدكم في محاولة الوصول إلى الحقيقة. ونشكركم على ملاحظاتكم. لقد حدَّثنا بيانات موقع وزارة الدفاع لنقول إنَّ عدد المواقع العسكرية الخارجية يشمل (أكثر من 160 دولة)». لكن ما لا يقوله البنتاغون حتى الآن، هو طريقة تعريفه كلمة «موقع». ويتماشى رقم 164 دولة مع إحصاءات وزارة الدفاع بشأن تعداد قواتها العسكرية، والتي تُظهِر انتشار القوات بأعدادٍ مختلفة في نحو 166 موقعاً «خارجياً»، من ضمنها بعض الدول الموجود بها أعدادٌ رمزية من القوات الأمريكية، ودول أخرى مثل العراق وسوريا توجد بها قوات أكبر حجماً بكثير، حتى إن لم تكن مُدرَجةً في القوائم الرسمية وقت كتابة هذه التقديرات. (زعم البنتاغون مؤخراً أنَّ هناك 5200 جندي أمريكي في العراق، وما لايقل عن 2000 جندي بسوريا، مع أنَّ هذا الرقم من المفترض أن يكون تقلَّص حالياً بشكلٍ ملحوظ). وتشمل تقديرات وزارة الدفاع بشأن «مواقعها الخارجية» القوات الموجود في الأقاليم الخارجية التابعة للإدارة الأمريكية، مثل دولة ساموا، وهي عبارة عن جزيرتين بالمحيط الهادئ، وبورتوريكو، وجزر العذراء، وجزيرة ويك. ويوجد عشرات الجنود الأمريكيين بدولة أكروتيري (وهي في الواقع قرية تقع على جزيرة سانتوريني باليونان)، ويوجد آلاف الجنود الآخرين في مواقع «غير معروفة»، بحسب الموقع الأمريكي. وفي أحدث التقارير، تجاوز عدد القوات «غير المعروفة» نحو 44 ألفاً.
150 مليار دولار تكلفة تلك القواعد
ووفقاً لتحالف إغلاق وترتيب أوضاع القواعد الخارجية، تتجاوز تكلفة نشر القوات العسكرية الأمريكية في الخارج، بالإضافة إلى إدارة القواعد الأجنبية وصيانتها، نحو 150 مليار دولار سنوياً. وتبلغ تكلفة إنشاء هذه القواعد العسكرية فقط نحو ثلث التكلفة الإجمالية الخاصة بها. يقول فاين: «يتكلَّف بناء القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج وصيانتها نحو 50 مليار دولار سنوياً، وهي أموال كان من الممكن استخدامها لتلبية احتياجات مُلِحّة داخل البلاد مثل التعليم، والصحة، والإسكان، والبنية التحتية». وبحسب الموقع الأمريكي، فإنَّ البنتاغون غير واضح بشأن مواقع تمركز قواته، إذ طرح الموقع الجديد لوزارة الدفاع، على سبيل المثال، تقديراً بوجود «أكثر من 4800 موقع دفاعي» حول العالم. لكن بعدما استفسر موقع TomDispatch عن هذا الرقم الإجمالي وما علاقته بالتقدير الرسمي الموجود في تقرير هيكل القواعد، والبالغ 4775 موقعاً، غيَّر موقع وزارة الدفاع صياغة تقديره وكتب «4800 موقع دفاعي تقريباً». وكتبت الكولونيل ميشيل بالدانزا، مُعلِّقةً على الاستفسار: «نشكركم على الإشارة إلى الفرق بين الرقمين. نعمل على تحديث المعلومات، في حين ننتقل إلى موقعٍ جديد. برجاء الاستناد إلى تقرير هيكل القواعد الذي يحتوي على آخر الأرقام». واستناداً إلى المعنى الحرفي لتصريحها، يحتوي تقرير هيكل القواعد بالفعل على آخر الأرقام، لكن دقة هذه الأرقام تُعَد مسألةً أخرى. فيقول فاين: «لطالما كانت الصلة بين أعداد القواعد العسكرية المُدرجة ضمن تقرير هيكل القواعد والأعداد الحقيقية للقواعد الأمريكية الموجودة خارج الولايات المتحدة ضعيفة، إذ لم تُدرَج الكثير والكثير من القواعد العسكرية المعروفة والسرية ضمن القائمة الرسمية طويلاً». وبحسب الموقع الأمريكي، فإن أحد الأمثلة الرئيسة على هذا هي مجموعة القواعد العسكرية التي أقامتها الولايات المتحدة في أنحاء إفريقيا. وتُدرِج قائمة تقرير هيكل القواعد عدداً محدوداً من المواقع الموجودة هناك، في جزيرة أسنشن، بالإضافة إلى جيبوتي، ومصر، وكينيا. في الواقع، يوجد مزيد من القواعد العسكرية الأخرى الموجودة في دول إفريقية كثيرة أخرى.
القواعد الأمريكية في إفريقيا
وكشف تحقيقٌ حديث لموقع The Intercept الأمريكي، يستند إلى وثائق حصل عليها من القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا بموجب قانون حرية المعلومات، وجود شبكة مكونة من 43 قاعدة عسكرية متركّزة بدرجة كبيرة شمال القارة وغربها، بالإضافة إلى منطقة القرن الإفريقي. ويتكون «الموقف الاستراتيجي» للقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا من عددٍ كبير من القواعد «الدائمة»، التي تشمل موقعي عمليات أماميَّين، و12 موقعاً للتعاون الأمني، و20 موقعاً آخر تعرَف بأنَّها مواقع طارئة. وتشمل قائمة البنتاغون الرسمية لجرد القواعد العسكرية، بالفعل، قاعدتي العمليات الأماميتين الموجودتين بجزيرة أسنشن ومعسكر ليمونير في جيبوتي، والذي يُعَد جوهرة تاج قواعد واشنطن في إفريقيا واتسعت مساحته من 88 فداناً في بداية الألفية الجديدة إلى نحو 600 فدان حالياً. لكنَّ تقرير هيكل القواعد يغفل ذكر قاعدة تعاون أمني موجودة في البلد نفسه، مطار تشابيلي، الذي يُعَد موقعاً عسكرياً أقل بروزاً، يقع على بُعد 10 كيلومترات ويُستخدَم باعتباره مركز عمليات للطائرات من دون طيار في إفريقيا والشرق الأوسط، بحسب الموقع الأمريكي. ويذكر تقدير البنتاغون أيضاً موقعاً يُعرَف بالاسم المُربِك «كينيا-البحرين ن س أ». ووصفت مسبقاً القيادةُ العسكرية الأمريكية في إفريقيا هذا الموقع بأنَّه مجموعة من المستودعات التي بُنيَت في الثمانينات بمطارٍ وميناءٍ بحري في مدينة مومباسا بكينيا، لكنَّ الموقع يظهر حالياً في قائمة القيادة لعام 2018 بصفته قاعدةً طارئة. ولم تُذكَر قاعدةٌ عسكرية أخرى في كينيا، هي معسكر سيمبا، الذي ذُكِر في دراسةٍ داخلية للبنتاغون أُعِدَّت عام 2013 بشأن عمليات الطائرات من دون طيار السرية في الصومال واليمن. وكان يوجد على الأقل طائرتا مراقبة مأهولتين في القاعدة بذلك الوقت. وتُدار قاعدة سيمبا، وهي منشأة ظلّت تديرها البحرية الأمريكية وقتاً طويلاً، حالياً، من جانب أسطول القوات الجوية الاستكشافية 475، وهو جزء من الجناح الجوي 435. ويمكن أن نجد قوات من الجناح الجوي نفسه بقاعدةٍ عسكرية أخرى لا تظهر، هي أيضاً في تقرير هيكل القواعد، لكنَّ هذه القاعدة موجودة بالطرف الآخر من القارة. ويفيد تقرير هيكل القواعد بأنَّه لم يُدرِج معلومات محددة عن «المواقع غير الأمريكية» التي تقل مساحتها عن 10 أفدنة، أو تبلغ تكلفتها أقل 10 ملايين دولار. لكنَّ القاعدة محل التساؤل -القاعدة الجوية 201 في مدينة أغاديس في النيجر- بلغت تكلفة إنشائها بالفعل 100 مليون دولار، وتجاوزت تكلفة تشغيل هذه المنشأة المبلغ السابق: نحو 30 مليون دولار سنوياً. وبحلول 2024، عندما ينتهي الاتفاق الحالي الخاص باستخدام المنشأة والذي تبلغ مدته 10 سنوات، ستصل تكلفة إنشاء هذه القاعدة وتشغيلها إلى نحو 280 مليون دولار، بحسب الموقع الأمريكي. يغفل تقرير هيكل القواعد ذكر قواعد في الكاميرون المجاورة، من بينها قاعدة قائمة منذ زمنٍ طويل بمدينة دوالا، ومطار للطائرات من دون طيار يقع في بلدة غاروا النائية، ومنشأةً تُعرَف باسم «Salak» (سالاك). ووفقاً لتحقيقٍ يعود لعام 2017 أجراه موقع The Intercept وشركة الأبحاث Forensic Architecture ومنظمة العفو الدولية، استخدمت طواقم أمريكية ومتعهدون خاصون هذا الموقع لإجراء عمليات مراقبة باستخدام طائرات من دون طيارات والقيام بمهماتٍ تدريبية، واستخدمته القوات الكاميرونية الحليفة للاحتجاز غير القانوني والتعذيب. ووفقاً لديفيد فاين، فإنَّ الإبقاء على سرية القواعد الأمريكية بإفريقيا أمرٌ يصب في مصلحة واشنطن، إذ أشار فاين إلى أنَّ ذلك يحمي حلفاءها المحتملين بالقارة الإفريقية من أي اعتراضٍ محلي محتمل على وجود قواتٍ أمريكية، في حين يساعد على ضمان غياب أي نقاشٍ محلي بالولايات المتحدة حول مثل هذه النفقات والالتزامات العسكرية التي تتضمَّنها. وصرَّح فاين لموقع TomDispatch: «من المهم أن يعرف المواطنون الأمريكيون مكان تمركز قوَّاتهم في إفريقيا وغيرها من مناطق العالم، لأنَّ وجود القوات ذاك يُكلِّف الولايات المتحدة مليارات الدولارات سنوياً، ولأنَّ الولايات المتحدة مُشترِكة، أو ربما تشترك، في حروبٍ ونزاعات قد تخرج عن السيطرة».
تلك هي القواعد المفقودة
ليست إفريقيا هي المكان الوحيد الذي لا تتطابق فيه قوائم البنتاغون والواقع. فعلى مدار ما يقارب 20 عاماً، أغفل تقرير هيكل القواعد قواعد عسكرية من مختلف الأشكال بمناطق الحرب الأمريكية النشِطة. على سبيل المثال، في ذروة الاحتلال الأمريكي للعراق، كان للولايات المتحدة 505 قواعد عسكرية بالعراق، تتراوح بين مراكز قواتٍ صُغرى ومنشآتٍ ضخمة. ولم يَرِد أيٌ منها في السجلات الرسمية للبنتاغون. وبأفغانستان، كان تعداد القواعد أكثر حتى من ذلك. فكما أورد تقرير موقع TomDispatch في عام 2012، كانت قوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف)، بقيادة الولايات المتحدة، تملك نحو 550 قاعدة عسكرية في البلاد. وإذا أضفت عدد نقاط التفتيش التابعة لـ «إيساف» -وهي نقاطٌ وبحسب الموقع الأمريكي، استُخدِمت لتأمين الطرق والقرى- لتعداد القواعد العسكرية الكبرى، وقواعد العمليات الأمامية، ومراكز القتال، وقواعد الدوريات، كان العدد سيصل إلى عددٍ صادم يبلغ 750 قاعدة. وباحتساب كل المنشآت العسكرية الأجنبية من مختلف الأنواع -ومن بينها تلك المنشآت التخطيطية، والإدارية، ومنشآت الدعم- يرتفع العدد الرسمي لقواعد القيادة المشتركة التابعة لـ «إيساف» إلى 1500 موقع. مع ذلك، فإنَّ نصيب الولايات المتحدة المُعتَبَر من تلك المواقع قد غاب بشكلٍ غامض عن الإحصاء الرسمي لوزارة الدفاع الأمريكية. أصبح عدد مثل هذه المنشآت بأفغانستان أقل بكثير الآن، وقد تنخفض أرقامها أكثر فأكثر على مدار الأشهر المقبلة، في ظل تراجع مستويات القوات الأمريكية. لكنَّ وجود معسكر مورهيد، وقاعدة العمليات الأمامية فينتي، ومطار تارين كوت، ومعسكر دالكي ويست، ومطار بوست، بالإضافة إلى معسكر شوراب، وهي منشأةٌ صغيرة تَشغَل الآن الموقع الذي كان يوماً موقع قاعدتين توءمتين أكثر ضخامة كان يُطلَق عليهما معسكر ليذرنيك ومعسكر باستيون- أمرٌ مُثبَت لا جدال فيه. ومع ذلك، لم يظهر اسم أيٍّ منها في تقرير هيكل القواعد، بحسب الموقع الأمريكي.
القواعد الأمريكية في العراق
وبالمثل، في حين لم يَعُد بالعراق الآن أكثر من 500 قاعدة عسكرية أمريكية، فإنَّ السنوات الأخيرة، مع القوات الأمريكية للبلاد، شهدت إعادة بناء بعض المواقع العسكرية الأمريكية أو بناء أخرى جديدة. وتتضمَّن هذه المواقع العسكرية مُجمَّع بسماية، وقاعدة سخيم المدفعية، وقاعدة أم جريس المدفعية، وقاعدة عين الأسد الجوية، وكذلك مطار غرب القيارة، وهي قاعدة تقع 40 ميلاً (64 كيلومتراً) جنوب الموصل، ويُشار إليها باسم «Q-West». ومجدداً، لن تجد أياً من هذه القواعد مسجلاً في إحصاءات البنتاغون الرسمية. وهذه الأيام، بات الحصول على تعدادٍ دقيق للطواقم العسكرية الأمريكية في مناطق الحرب المُشتركة فيها أمريكا مهمة أصعب، فضلاً عن عدد القواعد العسكرية في كل منطقةٍ منها. وكما يوضح فاين، «يُبقي الجيش هذه الأرقام سرية إلى حدٍ ما، ليُخفي حقيقة وجود القواعد العسكرية عن خصومه. ومع ذلك، ولأنَّ مثل هذه القواعد غير عصيَّة على الملاحظة في أماكن مثل سوريا والعراق، فإنَّ هذه السرية يُقصَد بها أساساً منع نشوء أي جدلٍ محلي حول الأموال المضخوخة فيها، والخطر والموت المرتبطين بها، وكذلك لتجنُّب أي توتر دبلوماسي أو طرح أسئلةٍ على الصعيد الدولي». وإذا كان هدف وزارة الدفاع الأمريكية الحقيقي هو إخماد المساءلة الداخلية من خلال السيطرة على المعلومات، فإنَّها كانت تُبلي بلاء حسناً بهذه المهمة طوال أعوامٍ من المراوغة في الأسئلة حول موقفها العالمي، أو ما سمَّاه تشالمرز جونسون، الكاتب الراحل الذي كان يكتب بصورة منتظمة في موقع TomDispatch، «إمبراطورية القواعد العسكرية» الأمريكية. وفي منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول 2018، طلب موقع TomDispatch من هيذر باب، وهي متحدثة أخرى باسم وزارة الدفاع الأمريكية، توفير تفاصيل أكثر عن قواعد القوات الأمريكية بأفغانستان، والعراق، وسوريا غير المذكورة في تقرير هيكل القواعد، وكذلك عن القواعد الإفريقية الغائبة عن التقرير. وكان بين الأسئلة المُوجَّهة لهيذر: هل بإمكان البنتاغون أن يُقدِّم تعداداً بسيطاً -إن لم يكن قائمةً- بجميع قواعد قواته؟ هل يوجد لدى الوزارة حصرٌ حقيقي وصائب لكل المنشآت العسكرية خارج البلاد، حتى وإن لم يكن قد نُشِر للعلن، أو لائحة تقوم حقيقةً بالمهمة التي كان يُفتَرَض من تقرير هيكل القواعد القيام بها؟ مرَّ شهرا أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2018 دون إجابات، بحسب الموقع الأمريكي. وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، ورداً على طلبات متابعةٍ للأسئلة المطروحة، أجابت هيذر بأسلوبٍ يتماشى مع شدة البنتاغون وسياسته المبتذلة، القائمة على إبقاء دافعي الضرائب الأمريكيين على جهلٍ بالقواعد العسكرية التي يدفعون هُم نفقاتها، أياً كانت الصعوبة النظرية في إنكار وجود قواعد قواتٍ أمريكية تمتد ما بين أغاديس بالنيجر وحتى الموصل في العراق. وأوضحت هيذر قائلةً: «ليس لديَّ ما أضيفه إلى المعلومات والمعايير الموجودة في التقرير». ويعني قرار الرئيس ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا، أنَّ تقرير هيكل القواعد لعام 2019 سيكون الأكثر دقة منذ سنوات. وللمرة الأولى منذ عام 2015، لن يغيب عن سجلّ البنتاغون لمراكز القوات الأمريكية اسم حامية التنف (أو ربما يحدث مجدداً). لكنَّ هذا لا يزال من الممكن أن يترك مئاتٍ من القواعد التي لم يرد ذكرها الكشوفات خارج السجلات الرسمية كما هي. ويمكن النظر إلى الأمر على أنَّه كشفٌ لحقيقة قاعدة واحدة (التنف)، ومَن يدري كم يتبقّى غيرها.

عربي بوست

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.