الكلفة الحقيقية المخبوءة في تشييد وزارة الصحة

12

 

باسكال بطرس|

المصدر : موقع المدن

وضع الحجر الأساس للمبنى في عهد وزير الصحة الأسبق محمد خليفة (دالاتي ونهرا)

قبل حوالى العشرين يوماً، وقع بين يديّ مستند صادر عن وزارة الصحة اللبنانية، هو عبارة عن إفادة أعطيت لشركة خاصّة، تعهّدت تنفيذ أعمال مشروع إنشاء المقر الجديد للوزارة، ويكشف عن معلومات صادمة، تطرح أكثر من علامة استفهام. تردّدت كثيراً في نشر هذا المستند وقرّرت أن أتحدّث بشأنه مع الأطراف المعنية لأخذ حق الردّ، قبل وضعه في متناول الرأي العام.

أربعة أضعاف؟ 
تنصّ الإفادة المذكورة، والتي تحمل توقيع الوزير الحالي غسان حاصباني، على أنّ “المتعهّد شركة هاي كون ش.م.م. قام مع مجلس الإنماء والإعمار بتنفيذ أشغال مشروع إنشاء المقر الجديد لوزارة الصحة العامة في بئر حسن، والتي بلغت قيمتها الإجمالية عشرين مليون وتسعمئة ألف دولار أميركي، تشمل الضريبة على القيمة المضافة، ومن ضمنها فروقات الأسعار، وجدول مقارنة لأعمال إضافية مع وزارة الصحة. علماً أنه جرى استلام هذه الأعمال استلاماً نهائياً في السادس عشر من شباط 2017”.

وحسب ما أكدت مصادر مطّلعة لـ “المدن”، فإنّ “هذه الإفادة حُرّرت بناءً على طلب المتعهّد، الذي أرفقها بملفٍ أحاله على إدارة المناقصات، للمشاركة في مناقصة تلزيم مشروع إنشاء سوق خضار لبيروت، والتي كان أحد أبرز شروط المشاركة فيها، هو أن يكون سبق للمتعهّد أن نفّذ أشغالا تابعة لإحدى إدارات الدّولة، لا تقلّ قيمتها عن عشرين مليون دولار أميركي”. وهنا لفتت المصادر الى أنّ “الكلفة المالية لمشروع مبنى وزارة الصحة تفوق المبلغ المذكور في الإفادة أربعة أضعاف، وقد تم تأمين الاعتماد له على عهد الوزير السابق محمد جواد خليفة، الذي كان يرسل مندوبي وزارة الصحة للإشراف على الأشغال، فيما أشرف الوزير علي حسن خليل على التجهيزات، وقد تم تدشين المبنى في أواخر عهد الوزير أبو فاعور”، في إشارة إلى شبهة الهدر والفساد الذي ينخر ملف الشركة المذكورة، المملوكة للمتعهّد عماد الخطيب، والتي لزّمها مجلس الإنماء والإعمار.

إذاً، أكثر من عشرين مليون دولار هي الكلفة المالية لمبنى وزارة الصحة الجديد، من دون ثمن التجهيزات، ومن دون ثمن الأرض المقدَّمة للوزارة على شكل هبة!؟



حسابات دقيقة
ووفق المعلومات التي حصلت عليها “المدن”، فإنّ رقم العقار الذي شُيّد عليه مبنى الوزارة الجديد، والذي يضمّ مبانٍ عدّة أخرى من بينها مركز “أوجيرو”، هو 3016 / الشياح، إلا أنّ مساحة الأرض المخصّصة لمبنى الوزارة وتوابعه تقدّر بحوالى الستة آلاف وسبعمئة متر مربّع، أما مساحة المبنى وحده فهي حوالى الألف ومئتي متر مربع.

في هذا الإطار، واستنادا إلى حسابات دقيقة لمقاييس المشروع، الذي هو عبارة عن مبنى حكومي – خدماتي عادي جداً، ولا يشبه المباني السكنية الفخمة، وهو مؤلف من سبعة طوابق وموقف للسيارات، يكشف المهندس المعماري جوزف بيطار أنّ “تكلفة المشروع لا تتجاوز في أعلى المبالغ ربع الثمن المذكور في الإفادة”، مشيراً إلى أنّه “حتى لو افترضنا أن سعر المتر المربّع الواحد ألف دولار أميركي”، هذا من دون أن نأتي على ذكر المعلومات التي تؤكد أن المشروع كلّف أربعة أضعاف المبلغ المنصوص عليه في الإفادة.

في المقابل، أكّدت مصادر مقرّبة من حاصباني أن “لا علاقة للوزير بتلزيم مشروع إنشاء المبنى لا من قريب ولا من بعيد، فالانتقال إلى المبنى الجديد قد تمّ على عهد سلفه الوزير وائل أبو فاعور”، موضحةً أنّ “توقيعه على الإفادة، يأتي في سياق الإجراءات الروتينية، التي يمارسها كلّ وزير من لحظة تسلّمه شؤون وزارته، وبالتالي فإنّه لا يدقّق كثيراً بكلّ المعاملات، التي يسلّمها له مستشاروه لتوقيعها”. واستطردت مصادر حاصباني: “في كثير من الأحيان، يضطرّ الوزير إلى توقيع أوراق على عكس قناعته، فقط تفادياً للدخول في سجالات عقيمة لا تؤدي إلى أي نتيجة”.

ثلاثة وزراء
وكان وضع الحجر الأساس للمبنى قد تم في عهد وزير الصحة الأسبق محمد خليفة بتاريخ 1-9-2010، قبل أن يتابع الوزير السابق علي حسن خليل إجراءات وضع المبنى قيد الإستخدام، وصولا إلى إنهاء الأعمال فيه وافتتاحه من قبل الوزير وائل أبو فاعور في 21 -1-2016، في حضور رئيس مجلس الإنماء والإعمار نبيل الجسر، المدير العام لوزارة الصحة الدكتور وليد عمار، وموظفي الوزارة.

وفي وقت باءت جميع محاولات التواصل مع كل من الوزيرين وائل أبو فاعور وعلي حسن خليل، يؤكد الوزير الأسبق محمد جواد خليفه، في حديث لـ “المدن”، أنّه تولّى وزارة الصحة في الفترة الممتدة بين عامي 2004 و 2011، وكان مبنى الوزارة القديم عند المتحف، عبارة عن بناية سكنية مؤلفة من ثمانية طوابق. تتشارك الوزارةَ فيها مع مخابرات الجيش، ولا تحتوي إلا على مصعد واحد ضيّق وقديم، ما يؤدي الى حالة ازدحام مستمرّة. ويروي جواد خليفة كيف فوجىء يوماً بفاتورة ايجار الطابق الذي يضم مكتب الوزير، كان يفترض أن يوقّعها للموافقة على دفع المبلغ لمالك المبنى، وقدره 500 مليون ليرة سنويا أي نصف مليار ليرة لبنانية، علما أنّ عملية تأجير المبنى كانت تتمّ وفق عقود إيجار عديدة، استنادا إلى عدد الطوابق المخصصة للوزارة، فكانت تدفع ايجار كل طابق على حدة، أي ما مجموعه حوالى ملياري ليرة سنويا، عدا عن كلفة الصيانة السنوية للمبنى والتي تقدّر بحوالى مئتي ألف دولار أميركي.

إلى مجلس الإنماء والإعمار
رفض جواد خليفه يومها التوقيع. “لم أجد مبرّرا لتبذير هكذا مبلغ خيالي مقابل ايجار طابق واحد بحالة سيئة، يقول جواد خليفه، فحتى حمامه لم يكن صالحا للاستخدام، فضلا عن كل التكاليف الأخرى. فعملياً كانت الدولة تخسر ملياري ليرة بدل ايجار سنوي لمبنى قديم لا يليق بالوزارة واللبنانيين”. فتدخّل يومها رئيس الجمهورية طالبا صرف المبلغ تفادياً للمشاكل مع المالك، ما قد يضطر الوزارة إلى إخلاء المبنى.

على الإثر، طالب جواد خليفه بتأمين عقار خاص بوزارة الصحة، لبناء مبنى خاص بها عليه. وفي المحصّلة، تمكّن الوزير من الاستحصال على موافقة لتأمين عقار ملاصق لمستشفى بيروت الحكومي، لبناء الوزارة عليه. الأمر الذي اعتبره الوزير مثاليا، إذ يوفّر تكاليف إنشاء مستودعات للأدوية ومختبرات، لكونها مؤمنة في المستشفى التابعة لها.

طلب جواد خليفه من منظمة الصحة العالمية دراسة الجدوى أو الـ organogram للمبنى. فأرسلت فريقا من المتخصصين من فرنسا لإعداد دراسة المشروع، من حيث الموقع والمساحة والأقسام والتجهيزات، وقدّمتها للوزارة مجاناً، من دون أية كلفة على الدولة اللبنانية، حسب ما يؤكد جواد خليفه.

وفي وقت لم تتوفّر أية موازنة في مجلس الوزراء لتغطية تكاليف إنشاء المبنى، عرض وزير الصحة الاستعانة بمبلغ سبق أن وفّرته الوزارة، نتيجة عملية تدقيق على المستشفيات، بلغ مجموعه 7 مليارات ليرة، وهو لدى وزارة المالية، فيشكّل دفعة أولية لبدء بناء المبنى. “وبعد موافقة مجلس الوزراء على اقتراحي، يوضح جواد خليفه، طلبت تسليم المشروع إما الى وزارة الأشغال وإما إلى الجهة المخوّلة بناء مراكز الوزارات، على أن أضع في تصرّفهم دراسة الجدوى، التي أنجزتها مشكورة منظمة الصحة العالمية. لأنني لست خبيرا في هذا المجال”. ويشدّد جواد خليفه على أنّ “كلامه هذا مسجّل ومذكور في محضر مجلس الوزراء”. وعليه، قرر مجلس الوزراء تحويل الملف إلى مجلس الانماء والاعمار لتولّي المهمة. لينتهي هنا دوري كوزير ودور الوزارة”.

دعا مجلس الوزراء في رسالة وجهها إلى مجلس الانماء والاعمار، إلى البدء باجراء الاستشارات والتراخيص لإنشاء مبنى وزارة الصحة. وبعد إجراء عملية استدراج العروض، رست في النهاية على شركة المتعهّد عماد الخطيب. مع العلم، يتابع جواد خليفه، أنّ “متعهدَين فقط تقدما يومها لالتزام المشروع، هما عماد الخطيب ومحمد الدنش، وذلك لأنهما الوحيدان ربما اللذان يوافقان على إنجاز مشروع تموّله الدولة، ولا تمويل خارجيا له، خصوصاً عندما لا يكون تمويله مؤمنا من ضمن الموازنة”.

وإذ ينفي حاجة للشركة التي يملكها الخطيب إلى افادة تبين أنه سبق أن أنجز أشغال بناء مبنى وزارة الصحة، للمشاركة في مناقصة سوق الخضار لبيروت، يؤكد جواد خليفه “لطالما التزم الخطيب معظم الأشغال والتعهّدات الخاصة بالدولة. فهو على سبيل المثال لا الحصر، من نفذ مبنى وزارة التربية في الاونيسكو، قبل ثماني سنوات من إنشاء مبنى وزارة الصحة، كما أنه هو من أشرف على بناء مقر رئيس مجلس النواب في عين التينة”.

توفير 150 مليارأ
ويجدّد جواد خليفه التشديد: “عند قرار المباشرة ببناء المبنى لم تكن كلفة مبنى الوزارة قد حُدّدت نظراً إلى عدم توفّر أي مبلغ في الموازنة. فعندما استلم الوزير علي حسن خليل، وقّع بدوره على تصريف مبلغ جديد لمتابعة الأشغال، وبعده وقّع خلفه أبو فاعور على مبلغ آخر لاستكمال المبنى”، مشيرا إلى أن “مجلس الانماء والاعمار كان يسدّد للمتعهّد على دفعات وعلى مراحل. وحتى يومنا هذا، لا يزال المجلس مدينا للخطيب بحوالى 4 مليارات ليرة”.

ويختم جواد خليفه: “لا شك أنّ أحد أهم انجازاتي في وزارة الصحة هو تحرير الوزارة من تكبد ملياري ليرة كبدل ايجار سنوي”، داعيا إلى “إجبار كل الوزارات على بناء مراكزها الخاصة. هناك 30 وزارة في لبنان، وبالتالي نستطيع توفير أكثر من 150 مليار ليرة سنوياً، عوضا عن هدر عشرات المليارات تنفيعات بهذا الشكل غير المقبول على الاطلاق”.

 

التعليقات مغلقة.