طوني خليفة.. العشوائية وانتفاخ الأنا!

0 10

 

بتول خليل
المصدر : موقع المدن

لم يزد لقاءه مع ريفي على خيبته إلا خيبة أخرى
لكلّ من شاهد الحلقة الأولى من برنامج “طوني خليفة” نتوجّه بالقول: نفهم حيرتكم وإرباككم، ونتعاطف معكم إذا أصابكم الضيق والكرب طوال ساعتين، مدة عرض سيرك العشوائية والفوضى، التي لا بدّ أن يصاحبها اتساع في حدقة العين، كعلامة للتعجّب ولعدم التصديق.

البرنامج الذي قدّمه طوني خليفة، والذي يحمل اسمه، استهله بداية بتشديده على النفي وخلع صفة التكبّر والغرور عن اختياره له، الأمر الذي يدعو للدهشة فوق الدهشة، خصوصاً بعد استعراضه لما ينتظرنا من أفكارٍ وفقرات على طريقة من كلّ وادٍ عصا، إذ أن مكونات “السَلَطة” تتضمن تشكيلة من السياسة، المجتمع، الفن، الرياضة، مشاكل، محاربة الفساد، مسابقات وجوائز، استفتاء المشاهدين، وتقييم لإنجازات وأعمال يُكرّم أصحابهم خليفة بمنحهم “تروفي” ضمن فقرة تحمل اسم “Tony’s Award”.

يبدأ العرض بتعريفنا إلى مجموعة الطهاة والطباخين “المهرة”، الذين قدّموا لنا هذا النتاج العظيم المكوّن من السمك واللبن والتمر هندي، والمقصود منه، حسب قول خليفة، بأن يكون تتويجاً لتوليفة انتقائية كخلاصة لمجموعة تجارب إعلامية وتلفزيونية خاضها على مدى أكثر من 25 عاماً، آن أوان حصادها وجمعها اليوم ببرنامجه الموعود، وحرص على تقديمها بطريقة جديدة ومبتكرة، حسب زعمه، وذلك بعد أن كان قد استبق عرض حلقته الأولى بالترويج لبرنامجه، واعداً بأنه سيشكّل بمختلف جوانبه سابقة في الإعلام اللبناني، وذلك خلال الحفل الذي أقامه “الجديد”، مساء الأحد، لإطلاق برمجته الجديدة.

التسمّر على المقعد وحبس الأنفاس نتيجة لارتفاع التوقعات بمشاهدة برنامج استثنائي ومتمايز، سرعان ما تغلب عليها الخيبة منذ الدقائق الأولى لبداية الحلقة، التي بدأت بكشف النرجسية والأنا المتضخمة عند مقدم البرنامج. وهو ما تكرّس لاحقاً في أداءه واسلوب تعاطيه مع الضيوف ليصل حدّ الانتفاخ لحظة الكشف عن فقرة تحمل اسم “جائزة طوني خليفة”، ربما تيمّناً ولا نقول غيرة من ألفرد نوبل. جائزة طوني ستكون من نصيب شخصية عامة (أو فرد من أفراد الشعب وعوام الناس)، تستحق تكريم وثناء وعطف طوني خليفة شخصياً. طوني واظب على التذكير بأنّ فقرات برنامجه مستوحاة من ثلّة برامجه السابقة، التي حقق فيها نجاحاً “منقطع النظير”، ووقع الجمهور في حبها وعشقها وغرامها. الأمر الذي لا بدّ أن نستشعر من خلاله بمدى نجوميته عقب استحضار ذكريات إبداعاته، ليأتي بعدها التصفيق من مراسلي البرنامج ومعدّيه الجالسين في الاستديو، والذين تورمت شفافهم وكفوفهم من الابتسامات والتصفيق. كل هذا لزوم الايحاء بأننا في حضرة مقدم عملاق وبرنامج ضخم.

البرنامج الذي اختار “الجديد” أن يفتتح به دورة برامج الخريف، ظهر كخليط عجيب وهجين من مكونات لا تقدر على جمعها سوى نشرات الأخبار، التي من المفترض أنها تمتاز بحياديتها وخلوها من العواطف والمشاعر، ما يجعلها قادرة على التنقل برشاقة وسلاسة من أخبار المعاناة والمآسي والأهوال إلى أخبار الابداع والفن والرياضة والطرائف. أما القفز المفاجىء بين الفقرات والخوض في المآسي بالأسلوب الذي شاهدناه في حلقة الأمس لكيفية تناول قضية الطفل الذي تعرّض لحادث بهذا المستوى من المعاناة، وعرض التفاصيل المفجعة من خلال ذويه، والسيدة التي برأها القضاء من تهمة إلقاءه من شرفة مبنى، فإنّ خليفة أعطى لنفسه الحق بداية بوصف ما حصل على أنه اكتشاف لجريمة مروّعة، ليظهر نفسه لاحقاً وكأنه ملاك الرحمة الذي يسعى لانتشال الطفل من براثن أمّه المفجوعة ووالده المكلوم، ثم ينصّب نفسه قاضياً يوبّخ الأب وينهره، ويتهمه بعدم الأهلية، صارخاً في وجهه “ما إلكن مصاري، ما إلكن مصاري”، رغم عدم طلب الأهل أي نقود، بل كل ما يسعون إليه هي المساعدة الطبية التي وعد خليفة بتأمينها، واتخذها حجّة لإهانة ومذّلة الأبوين.

برنامج “طوني خليفة” الذي أراد مقدمه أن يكون جامعاً للجدية وخفة الظل لم يظهر منه سوى الارتباك وعدم الجهوزية والافتعال والانفعال، من قبله ومن قبل ضيفيه الذين شاركاه في الحلقة. أما زيادة عناصر التشويق التي حاول خليفة إضافتها على مقابلته مع الوزير السابق أشرف ريفي، وعلى باقي فقرات البرنامج فلم تزد على خيبته إلا خيبة أخرى. وذلك عقب تكشّف أن ما تحويه الفقرات والحوار لم يأتِ بجديد ولم يخرج عن المألوف، ولم يحقق سبقاً، ولم يشوبه أي تفصيل يدعو للإعجاب أو يوحي بالبراعة، خصوصاً أن خليفة وعد بأن تكون الفقرة الأخيرة التي تتضمن لقاءه بريفي صادمة وتتخللها مواقف نارية، خصوصاً بأنها قد سجلت قبل مصالحة ريفي والحريري، وهي الجملة التي كررها مرات ومرات أثناء الحلقة، ما أوحى بأنّ كلام ريفي سوف يتخطّى السقوف المعهودة، خصوصاً تجاه الحريري. وهو الأمر الذي اتضح عكسه تماماً، حيث بدا كلام ريفي تصالحياً ومنخفض السقف وهادىء النبرة عكس ما عهد عنه في الفترة الأخيرة. كلّ ذلك، دون أن ينسى خليفة دسّ لمحات من الابتذال والاسلوب الفضائحي من خلال الفقرة التي تمحورت حول الشاب الذي يعرض جسده للبيع عبر الانترنت والقوّاد الموظف في شركة “كهرباء لبنان”، ليثبت تمسكّه بتلك اللازمة التي تشبه إقحام الراقصة في الأفلام العربية الهابطة.

كشف “طوني خليفة” محاولة مقدمه المستميتة لتكريس نفسه واحداً من نجوم الصف الإعلامي الأول في لبنان، وظهر ذلك جلياً من خلال استعراض ما ظنّ أنه إبهار وقدرة تمكّنه من مقارعة ومنافسة البرامج التي تحتل الصدارة والتي يقدمها إعلاميون متميزون، مستنداً في ذلك إلى السنوات الـ25، التي ما كانت لتدعم استمراريته لولا الشعبوية التي انتهجتها مجموعة من البرامج الهابطة ودون المستوى، مهما حصدت من متابعة ومشاهدة، ما يجعلها واحدة من أهم الأزمات الثقافية التي أعقبت فترة الحرب، والتي أوحت لخليفة بإمكانية تقديمه لطبقٍ يجمع بين مكونات متنافرة ينقصها الكفاءة والمستوى، ومع ذلك يُعوّل على أنها ستحقق أرقام مشاهدات قياسية!

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.