عاجل عاجل | ما الذي قصده فؤاد مخزومي بالحديث عن “المنطقة من نهر الأولي نزولًا”؟
ثقافة

عاجل | سلفية الرماد: علي بدر وعقدة المركز المتهاوي أمام جغرافيا المعنى – أخبار السعودية

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | سلفية الرماد: علي بدر وعقدة المركز المتهاوي أمام جغرافيا المعنى - أخبار السعودية

​لم تكن المأوضحة الأخيرة للروائي العراقي علي بدر، المعنونة بـ«المثقفون العرب ودول الخليج: حين انتقل المال ولم ينتقل التاريخ»، مجرد قراءة قاصرة للمشهد الثقافي الراهن، بل جاءت سقطة معرفية مدوية تكشف عن «وقاحة مفاهيمية» فجة. إنها الوقاحة التي تجرد الثقافة والأدب من أسمى وظائفهما: تهذيب الخطاب، والتحرر من النرجسية الشوفينية، والانعتاق من أسر الأيديولوجيات البائدة. لقد كشفت المأوضحة عن عقلية استعلائية، طبقية وعنصرية، لا تقرأ الواقع إلا بعيون الماضي المأزوم، متدثرة بعباءة «نخبوية» زائفة لم يزدها الأدب إلا صلفاً وتنكراً للحقائق.

​إن هذا الإصرار على اختزال الخليج في جغرافيا «المنصة والمال»، ونفي قدرته على إنتاج «التاريخ والمعنى»، لا يمكن تفسيره أدواتياً إلا عبر تفكيك البنية النفسية والاجتماعية التي يصدر عنها هذا الخطاب.

​في علم الاجتماع النقدي، يفكك بيير بورديو (Pierre Bourdieu) في كتابه المرجعي «التميز: النقد الاجتماعي للحكم» (Distinction, 1979) كيف تحاول النخب الآفلة استخدام ما تسميه «الشرعية التاريخية» أو «الأصالة الثقافية» كنوع من العنف الرمزي (Symbolic Violence) لحماية امتيازاتها القديمة المهددة. يرى بورديو أن النخب عندما تفقد أدوات السيطرة الفعلية، تلجأ إلى صناعة تراتبية وهمية تقصي بها القادمين الجدد، معتبرةً أن إنتاجهم الثقافي مجرد «مُحاكاة» تفتقر للعمق.

​هذا السلوك الهجومي يتقاطع بنيوياً مع ما أسماه الفيلسوف وعالم الاجتماع ماكس شيلر (Max Scheler) في كتابه «الضغينة في بناء الأخلاق» (Ressentiment, 1912) بـ«الإنقاص القيمي اللاشعوري». حيث ​يرى شيلر أن العاجز عن مضاهاة تفوق الآخر أو مواكبة صعوده الحيوى، يلجأ لا شعورياً إلى «بخس قيمة» منجزات هذا الآخر وإرجاعها حصراً إلى عوامل مادية بحتة (كالمال)، كآلية دفاعية نفسية لحماية ذاته المتضخمة من الشعور بالدونية وفقدان المركزية.

​وعلي بدر في مأوضحته يمارس هذا الإنقاص القيمي بكل حذافيره؛ فهو لا يجهل الأسماء الروائية والشعرية والنقدية الخليجية التي ملأت الساحة العربية إبداعاً وتميزاً طوال ربع القرن الأخير، بل يتجاهلها عمداً. إنه تجاهل مسبق الصنع، لأن الاعتراف بها يعني بالضرورة انهيار أطروحته الهشة، واعترافاً قسرياً بأن «المركز» التقليدي الذي يتباكى عليه قد تفتت وتوزع، وأن الشرعية الإبداعية تُكتسب بالنص لا بالبطاقة الجغرافية.

إنني ​بوصفي شاعراً ومترجماً حضرمياً، وُلدت ونشأت في أرض المملكة العربية السعودية، وعاشت أسرتي متأملة وشاهدة على التحولات العميقة والديناميكيات التي مر بها الخليج طوال خمسين عاماً، يحق لي أن أضع الحقائق في سياقها التاريخي الطويل الذي يتناسى بدر فصوله...

فإن تحدثنا عن ​«أصالة المعنى» فإنه ومنذ البدء، منذ عهد المعلقات وشعرية الصحراء الأولى، كانت الجزيرة العربية هي مصدر هذا المعنى الأول وموئل لغته ومجازاته.

​ولا غرابة اليوم أن يعود هذا الفضاء الجغرافي ليقود المشهد ليس بوصفه «مديراً» أو «ممولاً» كما يزعم بدر باختزاله الفج، بل بوصفه مُنتجاً حقيقياً وصانعاً متفوقاً للمعنى، روائياً، وشعرياً، ونقدياً.

​إن المشهد الترجمي العربي اليوم، على سبيل المثال، يقاد في أنصع صوره وأكثرها حيوية وعمقاً بواسطة مترجمين شبان من أبناء هذه الجغرافيا الخليجية. هؤلاء الشباب لا يتنكرون لمن سبقهم في رقعة الوطن العربي الكبير، ولا يمارسون قطعاً معرفياً مع الحواضر الأخرى، بل يؤمنون بعقلية ناضجة أن إنتاج المعنى هو فعل تراكمي مستمر؛ شعلة حضارية تتنقل عبر الجغرافيا، تعلو يوماً هنا وتخفت يوماً هناك، دون أن يعني خفوتها موتاً، ودون أن يعني علوها «تعدياً صفيقاً» على التاريخ.

إن ​الخليج العربي في خضم التحولات الكبرى الحالية لم يطلب يوماً تعاطفاً من النخب المأزومة ولكنه طالما قاد السؤال المعرفي والأخلاقي الحاد لمحاولة فهم أسباب غياب هذا التعاطف والجفاء من شرائح معينة تدعي التنوير، بينما هو في الوقت ذاته يُثمن مواقف أولئك المنصفين الأحرار الذين رأوا الحق وأدانوا الباطل بلا مواربة أو حسابات ضيقة.

​وهنا تكمن المفارقة المضحكة المبكية بالعودة إلى منجز علي بدر وسيرته الثقافية؛ فالرجل الذي ملأ الدنيا ضجيجاً بروايات تحاكم الأيديولوجيات وصناعة الأيقونات الزائفة والتمركز حول الذات النخبوية -مثل «بابا سارتر» و«شتاء العائلة»- يسقط اليوم في الفخ ذاته الذي ادعى طوال مسيرته تفكيكه. يتحول الروائي «الحداثي» فجأة إلى حارس لبوابة معبد قديم مهدم، ليمارس «سلفية ثقافية مقيتة» لا تختلف في جوهرها الإقصائي عن أي سلفية دينية متطرفة: كلاهما يسكن القبور، وكلاهما يرفض الاعتراف بالزمن وتحولاته.

​إنك يا علي بدر، وبعد كل هذه السنين، تثبت أنك لا تقرأ بعقلك، بل تراقب وتحلل من خلال عدسة موجهة مسبقاً، استقر فيها وقرُ النخب العربية التقليدية التي أخطأت تاريخياً بحق أنفسها وبحق شعوبها في القرن الماضي فأوردتهم المهالك بالشعارات الجوفاء والأوهام الاستعلائية.

​لقد عجزت هذه النخب عن صناعة واقع مستقر في أوطانها، فاستكثرت على الآخرين أن يصنعوا منجزاً وثقافة وتاريخاً مشرقاً يتجاوز أخطاء الماضي.

عليك أن تعيش زمنك لا زمن أسلافك. عليك أن تتخلى عن هذه الشوفينية الثقافية التي تلفظ أنفاسها الأخيرة. الخليج اليوم ليس بحاجة لصك غفران ثقافي من نخب تعيش على أطلال القرن العشرين؛ فالقوافل الإبداعية الخليجية تسير، تنتج، تترجم، وتصنع التاريخ حقيقةً لا مجازاً، بينما لم يتبقَ للمستعلين سوى إعادة تدوير الرماد.

المأوضح الأخير للروائي العراقي علي بدر بعنوان «المثقفون العرب ودول الخليج: عندما تحرك المال ولم يتحرك التاريخ»، لم يكن مجرد قراءة محدودة للمشهد الثقافي الحالي، بل هو فشل فكري مدوي يكشف عن «غطرسة مفاهيمية صارخة». هذه الغطرسة تجرد الثقافة والأدب من أعلى وظائفهما: تهذيب الخطاب، والتحرر من الشوفينية النرجسية، والتحرر من أغلال الأيديولوجيات التي عفا عليها الزمن. وكشف المأوضح عن عقلية متعالية وطبقية وعنصرية لا ترى الواقع إلا من خلال عيون الماضي المضطرب، متخفية بعباءة "نخبوية" زائفة لم يضيفها الأدب إلا إلى غطرسته وإنكاره للحقائق.

إن هذا الإصرار على اختزال الخليج في جغرافية "المنصات والمال"، مع إنكار قدرته على إنتاج "التاريخ والمعنى"، لا يمكن تفسيره بشكل فعال إلا من خلال تفكيك البنية النفسية والاجتماعية التي ينبثق منها هذا الخطاب.

في علم الاجتماع النقدي، يفكك بيير بورديو في كتابه المبدع "التمييز: نقد اجتماعي للحكم" (1979) كيف تحاول النخب المتدهورة استخدام ما يسمونه "الشرعية التاريخية" أو "الأصالة الثقافية" كشكل من أشكال العنف الرمزي لحماية امتيازاتهم القديمة المهددة. ويرى بورديو أن النخب عندما تفقد السيطرة الفعلية، فإنها تلجأ إلى خلق تسلسل هرمي وهمي يستبعد الوافدين الجدد، معتبرين إنتاجهم الثقافي مجرد "تقليد" يفتقر إلى العمق.

ويتقاطع هذا السلوك العدواني بنيويا مع ما أشار إليه الفيلسوف وعالم الاجتماع ماكس شيلر في كتابه "الاستياء" (1912) بـ"التخفيض اللاواعي لقيمة العملة". ويرى شيلر أن العاجزين عن مجاراة تفوق الآخرين أو مواكبة نهضتهم الحيوية يلجأون دون وعي إلى "التقليل من قيمة" إنجازات ذلك الآخر، وينسبونها فقط إلى عوامل مادية بحتة (مثل المال)، كآلية دفاع نفسي لحماية أنفسهم المتضخمة من مشاعر الدونية وفقدان المركزية.

ويمارس علي بدر في مأوضحته هذا التخفيض من القيمة بكل تفاصيله؛ وهو لا يجهل الروائيين والشعراء والنقاد الخليجيين الذين ملأوا الساحة العربية إبداعا وتميزا على مدى ربع القرن الماضي، لكنه يتعمد تجاهلهم. وهذا إهمال مُصطنع مسبقاً، لأن الاعتراف بها يعني بالضرورة انهيار أطروحته الهشة والاعتراف القسري بأن "المركز" التقليدي الذي يرثي له قد تشرذم وتشتت، وأن الشرعية الإبداعية تكتسب من خلال النص، وليس البطاقة الجغرافية.

باعتباري شاعرًا ومترجمًا حضرميًا، ولدت ونشأت في المملكة العربية السعودية، وبعد أن شهدت عائلتي وهي تتأمل وتراقب التحولات والديناميكيات العميقة التي مر بها الخليج على مدى الخمسين عامًا الماضية، يحق لي أن أضع الحقائق في سياقها التاريخي الطويل الذي ينساه بدر بسهولة...

وإذا تحدثنا عن «أصالة المعنى»، فقد كانت الجزيرة العربية، منذ البداية، منذ عصر المعلقات وأوائل شعر الصحراء، هي منبع هذا المعنى الأولي وملجأ لغته ومجازاته.

وليس من المستغرب اليوم أن يعود هذا الفضاء الجغرافي ليتصدر المشهد ليس كـ«مدير» أو «ممول» كما يدعي بدر باختزاله الفظ، بل كمنتج حقيقي ومبدع متفوق للمعنى، سواء في الروايات أو الشعر أو النقد.

على سبيل المثال، يقود مشهد الترجمة العربي الحالي في أبهى صوره وأكثرها حيوية وعمقا مترجمون شباب من هذه الجغرافيا الخليجية. هؤلاء الشباب لا ينكرون من سبقهم في الوطن العربي الواسع، ولا ينخرطون في قطيعة معرفية مع المراكز الثقافية الأخرى، بل يؤمنون بعقلية ناضجة أن إنتاج المعنى هو عمل تراكمي مستمر؛ شعلة حضارية تنتقل عبر الجغرافيا، تشرق يوما هنا وتنطفئ يوما هناك، دون أن يخفت يعني الموت، ودون أن يعني صعودها "انتهاكا صارخا" للتاريخ.

إن الخليج العربي، في ظل التحولات الكبرى الراهنة، لم يطلب قط تعاطف النخب المضطربة، لكنه دائما ما يطرح السؤال المعرفي والأخلاقي الحاد لفهم أسباب غياب هذا التعاطف والبرود لدى شرائح معينة تدعي التنوير، مثمنا في الوقت نفسه مواقف هؤلاء الأحرار المنصفين الذين رأوا الحق وأدانوا الباطل دون مواربة أو حسابات ضيقة.

وهنا تكمن المفارقة الساخرة والمأساوية عند العودة إلى إنجازات علي بدر وسيرته الثقافية؛ الرجل الذي ملأ العالم ضجيجا من خلال روايات تحكم على الأيديولوجيات وخلق أيقونات زائفة وتتمحور حول الذات النخبوية -مثل "بابا سارتر" و"شتاء العائلة"- يقع اليوم في نفس الفخ الذي ادعى أنه يفككه طوال مسيرته. يتحول الروائي "الحداثي" فجأة إلى حارس بوابة معبد قديم مدمر، يمارس "أصولية ثقافية بغيضة" لا تختلف في جوهرها الإقصائي عن أي أصولية دينية متطرفة: كلاهما يسكن القبور، وكلاهما يرفض الاعتراف بالزمن وتحولاته.

علي بدر، بعد كل هذه السنوات، تثبت أنك لا تقرأ بعقلك، بل تراقب وتحلل من خلال عدسة موجهة مسبقا، استقرت فيها النخب العربية التقليدية التي ظلمت نفسها وشعوبها تاريخيا في القرن الماضي، وأوصلتها إلى الكارثة بالشعارات الجوفاء والأوهام المتغطرسة.

لقد فشلت هذه النخب في خلق واقع مستقر في أوطانها، وامتعضت من غيرها لإنتاج إنجاز وثقافة وتاريخ مشرق يتجاوز أخطاء الماضي.

يجب أن تعيش زمنك، وليس زمن أسلافك. يجب أن تتخلى عن هذه الشوفينية الثقافية التي تلفظ أنفاسها الأخيرة. إن الخليج اليوم لا يحتاج إلى الانغماس الثقافي من جانب النخب التي تعيش على أنقاض القرن العشرين؛ فالقوافل الخليجية المبدعة تسير وتنتج وتترجم وتجعل من التاريخ واقعا وليس استعارة، أما المتكبرون فلم يبق لهم إلا إعادة تدوير الرماد.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.okaz.com.sa

تاريخ النشر: 2026-05-23 16:15:00

الكاتب: عبدالله عبيد - شاعر يمني ‏kternma@

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.okaz.com.sa بتاريخ: 2026-05-23 16:15:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى