عاجل عاجل | سلفية الرماد: علي بدر وعقدة المركز المتهاوي أمام جغرافيا المعنى - أخبار السعودية
اخبار لبنانثقافة

عاجل | «الدولة» لا تُبنى بتجريد المجتمع

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | «الدولة» لا تُبنى بتجريد المجتمع
  تبدو بعض المرافعات عن «الدولة» في لبنان كأنها اكتشفت فجأة أن المشكلة كلها تكمن في وجود قوة مقاومة خارج النص الإداري للدولة. يكفي، بحسب هذه النظرة، أن يُنزع السلاح حتى تنهمر علينا الدولة كما ينهمر المطر بعد صلاة الاستسقاء: قضاء مستقل، إدارة نزيهة، جيش قادر، اقتصاد منتج، طبقة سياسية مهذبة، وزعماء طوائف يتحولون في صباح اليوم التالي إلى آباء مؤسسين لجمهورية حديثة. إنها وصفة لطيفة، بل تكاد تكون شاعريّة، لولا أن لبنان لم يُفسده السلاح وحده، ولم تولد محاصصته بعده، ولم تبدأ تبعيته الخارجية معه، ولم ينتظر نظامه الطائفي مقاومة مسلحة كي يثبت أنه قادر على منع الدولة ولو بأظافر ناعمة وابتسامة دستورية. المغالطة الأولى في هذا الكلام أنه يجعل الدولة نتيجة ميكانيكية لغياب السلاح. كأن الدولة كانت واقفة خلف الباب، بكامل أناقتها وحيادها، تنتظر فقط أن يفتح لها أحدهم الطريق. والحال أن الدولة اللبنانية لم تكن يوماً مشروعاً مكتملًا عطّله عامل واحد. هي منذ نشأتها محكومة بتوازن هش بين طوائف، وزعامات، ومصالح خارجية، ونظام اقتصادي ريعي، وخوف متبادل بين الجماعات. الدولة هنا لم تُخطف في لحظة واحدة، بل وُلدت ناقصة، ثم أعادت الطبقة الحاكمة إنتاج نقصها بوصفه مصلحة. لذلك، فإن اختزال أزمة الدولة في السلاح لا يفسّر الدولة، بل يبرئ الذين أجهضوها قبل أن تكون هناك مقاومة بهذا الحجم أصلًا. نعم، وجود قوة مسلحة خارج البنية الكلاسيكية للدولة يطرح إشكالًا حقيقياً. لا حاجة إلى إنكار ذلك. لكن الإشكال الحقيقي لا يُحلّ بالتبسيط. السؤال ليس: هل نريد دولة أم مقاومة؟ هذا سؤال يصلح للمناظرات التلفزيونية التي تُدار بعقلية «اختر رقم واحد أو رقم اثنين». السؤال الفعلي هو: أي دولة يريدون أن تحتكر القوة؟ دولة قادرة على الدفاع، أم دولة ممنوعة من التسلّح؟ دولة صاحبة قرار، أم دولة تنتظر إشارة السفارة؟ دولة تحمي حدودها، أم دولة تطلب من مواطنيها أن يكونوا عراة سياسياً وعسكرياً كي تحصل على شهادة حسن سلوك؟ حين يكون الاحتكار بيد دولة سيّدة، يصبح عنواناً للوحدة الوطنية. أمّا حين يكون الاحتكار بيد دولة مقيدة، مستتبعة، مفرغة من القدرة، فإنه يتحوّل إلى اسم مهذب لنزع عناصر القوة من المجتمع. المغالطة الثانية هي الادّعاء أنّ التخلص من السلاح شرط ضروري للإصلاح. هذه العبارة تبدو منطقية لأول وهلة، لكنها تخفي سؤالًا محرجاً: لماذا لم تُصلح القوى نفسها ما يقع تحت يدها من دولة؟ هل منع السلاح إصلاح القضاء؟ هل منع السلاح بناء إدارة شفافة؟ هل منع السلاح وقف الهدر في الكهرباء؟ هل منع السلاح محاسبة المصارف؟ هل منع السلاح إقرار قوانين عادلة للضرائب؟ هل منع السلاح إنشاء نقل عام؟ هل منع السلاح إصلاح الجامعة اللبنانية؟ هل منع السلاح منع التوظيف الزبائني؟ غريب أمر هذا السلاح: يبدو في خطابهم كائناً أسطورياً له قدرة على الوجود في كل وزارة وبلدية ومصرف ومرفأ ومجلس إدارة، حتى حيث لا وجود سياسياً مباشراً له. إنه تفسير مريح؛ كل فساد له أب واحد، وكل عجز له شماعة واحدة، وكل فشل له اسم واحد. والأطرف أن الذين يجعلون نزع السلاح باب الإصلاح غالباً ما لا يقدّمون مشروعاً إصلاحياً جدياً أصلًا. هم لا يقولون ماذا سيفعلون بالمصارف، ولا كيف سيبنون دولة رعاية، ولا كيف سيحررون القضاء، ولا كيف سيخرجون لبنان من اقتصاد الوكالات والديون والريع. كل ما يفعلونه أنهم يطلبون من المجتمع أن يتخلّى عن قوّته أوّلًا، ثم يعدونه بأن أهل المحاصصة سيكتشفون فجأة فضائل مونتسكيو وروسو ودولة القانون. كأن الزعماء الذين التهموا الدولة سيتحوّلون إلى خدّامها بمجرد أن تزول المقاومة من طريقهم. وهذا، على لطفه، لا يرقى إلى مستوى التحليل السياسي؛ إنه أقرب إلى أدب الأطفال، لكن بلا براءة الأطفال. المغالطة الثالثة هي تحويل تجربة السلاح الفلسطيني إلى قياس جاهز على كل مقاومة. هذه حيلة قديمة: استحضار ذاكرة الحرب الأهلية لإغلاق النقاش لا لفتحه. نعم، السلاح الفلسطيني كان عاملًا من عوامل تفجير التناقضات اللبنانية، لكنه لم يهبط على لبنان من كوكب آخر. دخل إلى بلد منقسم أصلًا، تحكمه تسوية طائفية مهترئة، وتتنازعه مشاريع عربية وغربيّة وإسرائيلية ومحلّية. المشكلة لم تكن فقط في السلاح، بل في دولة لم تستطع أن تبني إجماعاً حول موقع لبنان من القضية الفلسطينية، ولا حول معنى السيادة، ولا حول علاقة الداخل بالخارج. ثم إن قياس مقاومة نشأت من احتلال أرض لبنانية على سلاح فلسطيني ارتبط بقضية شعب آخر، مع احترام تلك القضية، هو قياس كسول. يشبه مَن يقارن بين الطبيب والجراح لمجرد أن كليهما يحمل أداة حادة. المغالطة الرابعة هي القول إنّ المقاومة لا تريد الدولة إلا إذا كانت «مثالية». هذه صورة كاريكاتورية. المقاومة لا تطلب دولة من الملائكة، ولا دولة ناصعة كالثلج، ولا جمهورية أفلاطونية تخرج من كهف الطوائف وقد اغتسلت من خطاياها. ما يُطلب، بالحد الأدنى، دولة لا تعمل ضد أسباب قوتها. دولة لا تعتبر الدفاع عن الأرض عبئاً على صورتها الدولية. دولة لا ترتجف أمام كل تهديد بالعقوبات. دولة لا تُستخدم مؤسساتها لتصفية حسابات خارجية. دولة تستطيع أن تقول للعدو لا، لا أن تشرح له بأدب أن اللبنانيين تعبوا ويريدون العيش. بين الدولة المثالية والدولة التابعة مسافة كبيرة. والمطلوب ليس الأولى، بل رفض الثانية. إنّ القول بأنّ المقاومة تشترط دولة كاملة كي تسلّمها قرار القوة يتجاهل أن المشكلة ليست في كمال الدولة بل في اتجاهها. قد تكون الدولة ناقصة وفقيرة وضعيفة، لكنها وطنية؛ وعندها يمكن البناء عليها. وقد تكون منظمة، أنيقة، ممولة، مدعومة دولياً، لكنها تعمل بوظيفة نزع القدرة من بلدها؛ وعندها تصبح خطرة. ليست المسألة عدد الموظفين ولا جمال المباني ولا لغة البيانات الرسمية، بل وظيفة الدولة. هل هي أداة سيادة أم أداة ضبط؟ هل تريد حماية الوطن أم إدارة ضعفه؟ هل تتعامل مع القوة الوطنية كرصيد تفاوضي أم كمرض يجب استئصاله؟ هنا بيت القصيد الذي تهرب منه الخطابات السهلة. المغالطة الخامسة هي أن «أسوأ الدول خير من أحسن المقاومات». هذه عبارة جميلة للصالونات، تصلح لتُأوضح مع فنجان قهوة وبعض الحنين إلى دولة لم توجد. لكنها تنهار أمام أسئلة بسيطة. هل كانت دولة الاحتلال في الجزائر خيراً من مقاومة الجزائريين؟ هل كانت دولة الأبارتهايد خيراً من مقاومة السود في جنوب أفريقيا؟ هل كانت الدولة الفيشية في فرنسا خيراً من المقاومة الفرنسية؟ هل كل دولة، لمجرد أنها دولة، أرقى أخلاقياً وسياسياً من كل مقاومة؟ الدولة ليست صنماً. الدولة قد تكون أداة تحرير، وقد تكون أداة قمع، وقد تكون واجهة احتلال، وقد تكون شركة مساهمة بين الطوائف والمصارف والخارج. تقديس الدولة بصرف النظر عن وظيفتها ليس فكراً محافظاً، بل عبادة إدارية. والأدهى أن هذه العبارة نفسها تُأوضح في لبنان، حيث الدولة لم تحمِ المواطنين من الانهيار المالي، ولم تحمِ الودائع، ولم تحمِ المرفأ، ولم تحمِ الحدود دائماً، ولم تحمِ الفقراء، ولم تحمِ القضاء من السياسة، ولم تحمِ الإدارة من المحاصصة. ومع ذلك يُطلب من الناس أن يسلّموا لها كل عناصر القوة لأن اسمها «دولة». يا لها من عبقرية: لا تستطيع الدولة أن تعيد للمواطن ماله من المصرف، لكنها تستطيع أن تطلب منه الثقة المطلقة في قضايا الحرب والسلم. لا تستطيع أن تؤمن كهرباء مستمرة، لكنها ستؤمن السيادة. لا تستطيع أن تحاسب فاسداً معروف العنوان، لكنها ستردع عدواً مدججاً. هذه ليست دولة، هذا طلب إيمان بالغيب الإداري. المغالطة السادسة هي تصوير حب المقاومة بوصفه كراهية للدولة. كثيرون في لبنان لا يكرهون الدولة؛ هم يكرهون الدولة التي لا تأتي إلا كجباية أو قمع أو وعد كاذب. يكرهون دولة تظهر عند الفقراء كشرطي، وعند الأغنياء كخادم، وعند السفارات كموظف، وعند الطوائف كسمسار. يكرهون دولة تُحدّثهم عن القانون ثم تعقد التسويات مع الخارجين عليه. يكرهون دولة تعاقب الضعيف وتفاوض القوي. هؤلاء لا يكرهون الدولة بما هي فكرة، بل يطلبونها أكثر من غيرهم: دولة تحمي لا تبتز، ترعى لا تترك، تقاوم لا تستسلم، تحاسب لا تساوم. أما أن يُأوضح لهم إن اعتراضهم على هذه الدولة هو أصل خرابها، فذلك يشبه اتهام المريض بأنه سبب فشل الطبيب لأنه تجرأ واشتكى من الألم. ثم إن من يكررون أن المقاومة ضد الدولة يتجاهلون تاريخاً طويلًا من العلاقة بين المقاومة ومؤسسات الدولة، بكل ما فيه من تناقض. المقاومة استفادت من غطاء الدولة في محطات، وتفاعلت مع حكومات ورؤساء ووزارات وجيش وأجهزة وقرارات دولية، ولم تكن دائماً في موقع الرفض المطلق. لكنها في الوقت نفسه خافت من الدولة حين بدت قابلة للاستخدام ضدها. هذه ليست فضيلة كاملة ولا خطيئة كاملة؛ إنها نتيجة واقع لبناني معطوب. الدولة في لبنان ليست مرجعاً محايداً يقف فوق الجميع. هي غالباً ساحة صراع. ومَن يتجاهل ذلك يتحدّث عن دولة في الكتب لا عن دولة في بيروت. المغالطة السابعة هي السخرية من فكرة أن المقاومة «سند للدولة» إلى أن تقوى. طبعاً، يمكن تحويل العبارة إلى مادة تهكمية سهلة. لكن ما البديل العملي؟ هل المطلوب أن تنتظر الشعوب المستهدفة حتى تصبح دولها قوية كي تدافع عن نفسها؟ لو فعلت ذلك، لما تحررت أرض في العالم. في حالات كثيرة، تنشأ المقاومة لأن الدولة ضعيفة، ثم تفرض المقاومة شروطاً تسمح للدولة بالتفاوض أو استعادة بعض مكانتها. هذا ليس وضعاً مثالياً، لكنه يحدث في التاريخ. ومن المضحك أن يُطلب من مقاومة نشأت بسبب عجز الدولة أن تختفي قبل علاج سبب نشأتها. كأننا نقول للمريض: تخلّص من العكاز أولًا، وبعد ذلك نناقش كيف نعالج ساقك. طبعاً لا يجوز أن يتحول العكاز إلى ساق أبدية. هنا النقد مشروع. المقاومة، إذا لم تفكر في الدولة، تتحول إلى عبء على نفسها ومجتمعها. لكنها إذا سلّمت نفسها لدولة عاجزة أو مستتبعة، تتحول إلى أفادى جميلة في كتاب هزيمة. المطلوب إذاً ليس إطلاق النار على الدولة ولا إطلاق النار على المقاومة، بل بناء صيغة انتأوضحية معقدة تعترف بحقيقة الخطر الخارجي وبحقيقة الحاجة إلى الدولة. المشكلة أن دعاة التبسيط لا يريدون هذه المنطقة الصعبة. يريدون شعاراً نظيفاً: الدولة أولًا. حسناً، ولكن أي دولة؟ وبأي قدرة؟ وتحت أي سيادة؟ ومَن يضمن ألا تكون «الدولة أولًا» ترجمة أنيقة لعبارة أخرى: الخارج أولًا، واللبنانيون لاحقاً؟ المغالطة الثامنة هي استخدام اتهام الولاء الخارجي باتجاه واحد. في لبنان، كل فريق تقريباً له خارج ما، علني أو مقنع، إقليمي أو دولي، مالي أو سياسي أو ثقافي. هناك مَن يستند إلى إيران، ومَن يستند إلى واشنطن، ومَن يستند إلى باريس، ومَن يستند إلى الرياض، ومَن يستند إلى صندوق النقد، ومَن يستند إلى المصارف، ومَن يستند إلى الكنيسة أو الأزهر أو أنقرة أو الدوحة أو غيرها. الفرق أنّ بعض الخارج يُسمّى تبعيّة، وبعضه يُسمّى علاقات دولية. بعضه عار، وبعضه أناقة. بعضه محور، وبعضه مجتمع دولي. هذه اللغة نفسها جزء من المشكلة. لا يمكن بناء دولة بمنطق أن علاقتي بالخارج ديبلوماسية، وعلاقتك بالخارج خيانة. الجواب الوطني لا يكون بتبرئة كل علاقة خارجية، بل بوضع معيار واحد للجميع: هل تزيد هذه العلاقة قدرة لبنان أم تنقصها؟ هل تحمي قراره أم تصادره؟ هل تمنحه هامشاً أم تجعله ملحقاً؟ هل تخضع للمساءلة أم تعمل في الظل؟ بهذا المعنى، لا يكفي اتهام المقاومة بأنها مرتبطة بمحور إقليمي، ما لم نفتح في المقابل ملف الارتباطات الأخرى التي جعلت الاقتصاد اللبناني رهينة، والقرار المالي مرتهناً، والسياسة الخارجية مُدارة من خارجها. السيادة لا تتجزأ. ومَن يريدها ضد طرف واحد فقط لا يريد سيادة؛ يريد غلبة داخلية بوساطة الخارج. المغالطة التاسعة هي تحميل المقاومة مسؤولية موت الأحزاب العابرة للطوائف. هذا تبسيط آخر. الأحزاب غير الطائفية في لبنان لم تضعف فقط بسبب السلاح، بل بسبب بنية النظام الطائفي، وانهيار المشروع اليساري التقليدي، والتمويل السياسي غير المتكافئ، وصعود النيوليبرالية، وتحول المجتمع إلى زبائن طوائف، وفشل هذه الأحزاب نفسها في تجديد خطابها وتنظيمها. من السهل أن نقول إن السلاح منع الإصلاح العابر للطوائف. الأصعب أن نسأل: لماذا لم تستطع القوى المدنية، حين فتحت لها لحظات كثيرة، أن تنتج قيادة موثوقة، وبرنامجاً اجتماعياً، وتنظيماً مستمراً، وعلاقة حقيقية بالأطراف لا بالنخب المدينية وحدها؟ تعليق كل هذا على السلاح يشبه طالباً يرسب في كل المواد ثم يلوم ضجيج الشارع. المغالطة العاشرة هي تجاهل العدو. في كل هذا الخطاب عن الدولة والسلاح والإصلاح، يظهر العدو كأنه تفصيل مزعج يفسد جمال النظرية. يصبح الاحتلال تاريخاً، والتهديد مبالغة، والحرب سوء تفاهم، والردع فائض قوة. هذه هي الثغرة الكبرى. لا يمكن لدولة صغيرة على حدود كيان عدواني أن تناقش سلاحها كما تناقش سويسرا تنظيم الصيد في الغابات. لبنان لم يعش في محيط وديع. إسرائيل احتلت، ودمرت، واغتالت، وهددت، واعتدت، ولا تزال تنظر إلى لبنان من زاوية الأمن والقوة. فإذا كانت الدولة اللبنانية عاجزة عن ردعها، فهل نطلب من المجتمع أن يتخلى عن كل قدرة ردعية لأنه يتمنى دولة أفضل؟ الأمنيات لا تصنع سيادة. تصنع فقط مأوضحات أنيقة عن السيادة. هنا يجب أن يكون الكلام واضحاً: من يريد دولة فعلًا، لا يبدأ بنزع القوة بل ببناء القدرة. يبدأ بجيش قوي، واقتصاد صامد، وديبلوماسية ذات وزن، ووحدة داخلية، ومؤسسات لا تخضع للخارج، ورؤية دفاعية وطنية. عندها يصبح النقاش حول موقع المقاومة داخل الدولة نقاشاً جدياً. أما أن تُترك الدولة ضعيفة، والجيش محاصراً، والاقتصاد مرتهناً، والقرار السياسي مفتوحاً على الإملاء، ثم يُأوضح للمقاومة: تفضلي إلى التقاعد، فهذه ليست دعوة إلى الدولة. هذه دعوة إلى إراحة العدو من كلفة المواجهة. ليس المطلوب تقديس المقاومة. المقاومة ليست فوق النقد. أخطاؤها موجودة، وحساباتها الداخلية ليست دائماً مقنعة، وتحالفاتها أحياناً مكلفة أخلاقياً وسياسياً، وارتباكها في ملفات الدولة والإصلاح حقيقي. لكن نقد المقاومة شيء، وتحويلها إلى أصل كل الشرور شيء آخر. النقد الحقيقي يقول لها: لا تكوني غطاء للفساد، لا تتركي الدولة لخصومها، لا تختزلي المجتمع في منطق أمني، لا تحصري الوطنية ببيئتك، لا تؤجلي سؤال الدولة إلى الأبد. أمّا النقد المزيف فيقول لها: اختفي أولًا، وبعدها سنبني الدولة. وهذا ليس نقداً، بل طلب استسلام بصيغة مأوضح. المفارقة أن بعض عشاق الدولة لا يحبون منها إلا ضعفها. يريدون دولة كافية لنزع سلاح المقاومة، لا كافية لردع إسرائيل. دولة قوية على الداخل، ضعيفة أمام الخارج. دولة تملك شرعية الأمر والنهي على مواطنيها، لكنها لا تملك قرار الحرب والسلم أمام العدو إلا بإذن. دولة تفرض القانون على الفقراء، وتفاوض الناهبين، وتسترضي المانحين. هذه ليست دولة حديثة. هذه نسخة محسّنة من المتصرفية، مع تطبيقات مصرفية وهواتف ذكية ومؤتمرات إنقاذ. أمّا الدولة التي تستحق اسمها فهي غير ذلك تماماً. هي دولة تجعل الأرض كلها لكل اللبنانيين، لا مربعات نفوذ. دولة تجعل الجيش جيش دفاع لا جيش ضبط داخلي فقط. دولة تجعل القضاء سلطة لا مكتب خدمات. دولة تجعل الاقتصاد إنتاجاً لا تسوّلًا. دولة تجعل العلاقة بالخارج شفافة وخاضعة للمصلحة الوطنية. دولة تجعل المقاومة، أو أي قوة دفاعية نشأت خارجها، جزءاً من نقاش وطني جدي، لا مادة للإلغاء ولا ذريعة للهيمنة. هذه الدولة لا تُبنى بشعار «انزعوا السلاح» وحده، بل ببناء الثقة والقدرة والعدالة والسيادة. لذلك، الرد على المرافعة السهلة ليس أن نقول إن المقاومة وحدها تكفي. لا، المقاومة لا تكفي. لكنها أيضاً ليست العائق الوحيد ولا الجذر الأصلي لغياب الدولة. الدولة لا تُبنى بتجريد البلد من عناصر قوته، ولا بتسليم المجتمع إلى طبقة سياسية أثبتت أن خبرتها الكبرى هي تحويل الخراب إلى حصة. الدولة تُبنى حين يتوقف الجميع عن استخدام اسمها كسلاح في الحرب الداخلية. فمن أراد الدولة فعلًا، فليبدأ من شروطها: سيادة، عدالة، قدرة، تمثيل، استقلال، حماية اجتماعية، واستراتيجية دفاعية لا تشبه رسائل الاعتذار المسبقة إلى العدو. أمّا القول إنّ أسوأ الدول خير من أحسن المقاومات، فهو يصلح خاتمة ساخرة لا نظرية سياسية. أسوأ الدول قد تكون مقبرة لشعبها، وأحسن المقاومات قد تكون الطريق الوحيد إلى أن يصبح لهذا الشعب دولة يوماً ما. العبرة ليست في الاسم: دولة أو مقاومة. العبرة في الوظيفة. هناك دولة تحرّر، وهناك دولة تستعبد. هناك مقاومة تحمي، وهناك مقاومة تخطئ وتحتاج إلى مراجعة. أمّا مَن يضع الدولة صنماً والمقاومة شيطاناً، فقد حسم تفكيره قبل أن يبدأ. وهذا مريح جداً، لكنه لا يبني وطناً. طبعاً لا تهتم المقاومة بكيف يراه من صغت قلوبهم. باحث في العلوم الاجتماعية الكاتب: باسم الموسوي السبت 23 ايار 2026 المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى