عاجل عاجل | سلفية الرماد: علي بدر وعقدة المركز المتهاوي أمام جغرافيا المعنى - أخبار السعودية
اخبار لبنانثقافة

عاجل | تخيُّل «السلام»

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | تخيُّل «السلام»
  إذا أردنا أن نعرف ماذا في السلام التطبيعي، يجب أن نعرف ماذا في الذكاء الاصطناعي. نحن نُفتَن دائماً بما تعدنا به التكنولوجيا، وأحياناً نغفل عمّا يمكن أن تفعله بنا. اعتقدنا أن وسائل التواصل الاجتماعي ستقرّب البشر من بعضهم، وتكسر عزلة الفرد، وتجعل العالم أكثر انفتاحاً ووعياً. لكن وجدنا العكس تقريباً؛ أدمنَتنا المنصات على شاشاتها وسمّمت الإدراك السياسي والاجتماعي إلى أن أنتجت أكثر الأجيال قلقاً واكتئاباً. صدفة؟ لا، بل نتيجة طبيعية لنظام حوافزه قائمة على جذب الانتباه بأيّ ثمن، عوضاً عن خدمة الإنسان. يتكرر الدرس نفسه بين مروّجي فكرة «السلام» مع الكيان الصهيوني. فالأمر، ويا للمفاجأة، أعقد وأخطر من أوهام الواقفين في طوابير الفيزا أمام «السفارة في الأشرفية»، بحثاً عن «كأس الويسكي» في يافا/تل أبيب. أنصار هذا السلام يتخيّلون «الممكن» ويرفضون رؤية «المرجّح». لنضع جانباً كارهي اللبناني «الآخر» وحوافزهم الكيْدية، ولنركّز على من يريدون صفاء العيش الكريم بين أكثرية اللبنانيين. هؤلاء يتحدّثون عن الاستقرار والاستثمارات والسياحة وإعادة الإعمار والانفتاح على العالم، تماماً كما آمن جيل الإنترنت الاجتماعي ببناء عالمٍ أكثر إنسانية. لكنّ السياسة، مثل التكنولوجيا، تُفهَم بالحوافز وموازين القوى، لا بثانوية النوايا. أرِني الحوافز، أرِك النتائج. هي قاعدة يعرفها مستعملو التكنولوجيا كما هواة الجيوسياسة. لسنا بحاجة إلى عقل كيسنجر لتفكيك الشيفرة، يكفينا هواة بعبدا. هذه القاعدة التي فسّرت كوارث وسائل التواصل ومخاطر الذكاء الاصطناعي تصلح أيضاً لفهم معنى السلام بين كيان نووي متفوّق عسكرياً وتكنولوجياً، وبلد هشّ ومُنهك، مُفكّك ومُنقسم، مُخترَق سيادياً ورقمياً مثل لبنان. فالرسائل تُفهم من بداياتها. الكيان يحتل أرضاً لبنانية، يقصف متى شاء، يقتل المدنيين، يجرف البلدات، يهين الدولة والجيش، ويتعامل مع لبنان كساحة أمنية مفتوحة. أي سلام بين ندّيْن يُولَد من هذا الاختلال الهائل في القوة؟ هو عملية إعادة تشكيل للبنان وفق شروط الطرف الأقوى. الكارثة أن فئة مُصغّرة من اللبنانيين، صاخبة وأعلى ضجيجاً من غيرها، تتعامل مع «السلام» كما يتعامل الناس مع الذكاء الاصطناعي، بإبهار طفولي تجاه الوعود، مع تجاهل مُتعمّد أو ساذج للبنية الحقيقية التي ستحكم النتائج. ربما تكمن الحقيقة في السؤال المُزعِج: ماذا سيحدث عملياً عندما يدخل بلدٌ مُستضعف في شبكة تطبيع اقتصادي وأمني وثقافي مع كيان فرانكشتايني يملك تفوّقاً ساحقاً في كل شيء، لكنه يفتقر إلى الحد الأدنى من الشرعية الأخلاقية والتاريخية؟ ماذا سيحدث لاقتصاد لبنان؟ لقراره السياسي؟ لخطابه الإعلامي (المتنفّع أصلاً)؟ لذاكرته المدوّنة؟ لجامعاته؟ لما تبقّى من سيادته؟ لمياهه وغازه؟ لسكان الجنوب؟ لمفاتيح الأبواب وعودة اللاجئ الفلسطيني إلى دياره؟ ولموقع لبنان التاريخي كمجتمع متنوّع حافَظَ، رغم كل المصائب، على شيء من استقلاله الثقافي؟ وهل لدى الكيان الصهيوني، أساساً، أي حافز حقيقي لأن يستعيد لبنان عافيته وسط مخططات «أرض الميعاد الكبرى»؟ أعادت وسائل التواصل تشكيل المجتمعات من دون احتلال عسكري، فقط عبر الحوافز والخوارزميات والإدمان النفسي. فكيف بكيان يملك أجهزة استخبارات شريرة ومتطوّرة، وشبكات نفوذ دولية، وتفوّقاً اقتصادياً وتقنياً، وتاريخاً طويلاً من الإرهاب والاختراق والتفكيك؟ هل يظن أحد أن لبنان، بصيغته الحالية المُنهكة، قادر على امتصاص كل ذلك دون التحوّل التدريجي إلى تابع اقتصادي وأمني وثقافي أكثر تقسيماً؟ هل يصعب علينا تصوّر المنافسة بين مواطنينا من كل الطوائف في خدمة المستوطنين، اللبناني ضد اللبناني في كابوس التمزيق الوطني؟ سمعنا هذا الخطاب المطَمئن من قبل. سمعه الفلسطينيون في أوسلو طوال ثلاثة عقود من الخديعة. يومها أيضاً قيل إن المنطقة تغيّرت، وإن الواقعية تقتضي قبول «الفرصة التاريخية». لكنّ النتيجة كانت تكريس اختلال القوة وتدمير الفرصة إلى غير رجعة، كي لا ينسى كل مَن سئم «حرب الآخرين على أرضنا» أنها كانت وما زالت حروب الكيان ذاته على أرضنا. الأمر نفسه حدث مع وسائل التواصل الاجتماعي. كبار مهندسي التكنولوجيا تجاهلوا التحذيرات سنوات طويلة، ثم اكتشفوا متأخّرين أنهم ساهموا في بناء منظومة تفتك بالمجتمعات من الداخل. طبعاً لا نرفض فكرة السلام كقيمة إنسانية مجرّدة مع أي طرف يحترمها. المشكلة في السياق الذي يُفرض فيه السلام لتكريس موازين القوى. لبنان يعيش خطر تحويل «السلام» إلى آلية العصا القاتلة على الأرض واستكمال الجزرة الناعمة في واشنطن لما عجزت الحروب عن تحقيقه بالكامل: تفكيك قوة المقاومة وإلغاء السيادة وإعادة هندسة البلد بما يناسب هيمنة الكيان على لبنان والمنطقة. علّمنا الذكاء الاصطناعي درساً قاسياً؛ أن ليس كل ما يبدو واعداً آمناً، وليس كل ما يحمل فوائد مُحتمَلة خالياً من المخاطر الوجودية. التكنولوجيا قد تعالج السرطان، لكنها تنتج أيضاً أدوات تدمير غير مسبوقة، كما نختبر في مدن لبنان وغزة. كذلك السلام: قد يَعد بالازدهار، لكننا نعلم أن ازدهار العدو على حسابنا فيما نلتقط بعض الفُتات، ونعلم أنه يحمل داخله ديناميكيات تفكيك طويلة الأمد لبلد لا يملك مناعة كافية. دعونا جانباً من العواطف والأيديولوجية وأغبياء الكأس التي ستتحطّم على رؤوسهم. المسألة بصيرة سياسية محدودة ومجتمع ينبهر بالوعود المُعلّبة. المجتمعات تُدمّر بالوعود الرنّانة أيضاً، لكنها تنجو عندما تفهم الحوافز قبل دفع الثمن. فئة الضجيج لم تتعلّم من تاريخنا الحديث ولا تاريخ المنطقة للنظر إلى العواقب المُحتملة قبل وقوعها، وقبل أن يصبح لبنان نفسه وجنوبه الثمن. يمكن توقّع ما ستفعله التكنولوجيا بالعالم لو فهمنا الحوافز التي تحكم وسائلها. يمكن أيضاً توقّع ما قد يفعله «سلام» غير متكافئ بلبنان، إذا امتلكنا الجرأة الكافية لننظر إلى الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. عماد عطاالله كاتب لبناني السبت 23 ايار 2026 المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى