عاجل | متى يعتبر التفاوض في معاهدة السلام باطلاً؟
عاجل | متى يعتبر التفاوض في معاهدة السلام باطلاً؟
- من الثابت أن الخلاف ليس في أصل حق التفاوض في ما إذا كان من حقّ رئيس الجمهورية التفاوض أم لا، بل في مشروعية هذا التفاوض، أيّ في مدى توافقه مع قواعد الشرعية الداخلية والدولية، وعلى سبيل القياس، عندما يمارس مجلس النواب التشريع، لا نناقش في أصل حقه في التشريع أم لا، بل في مشروعية القوانين الّتي يقرّها، وكذلك الأمر عندما يقر مجلس الوزراء مرسوما، فالنقاش يستقيم في مشروعية هذا المرسوم لا في حقه في إقرار المرسوم، وبالتالي ما دام أن التفاوض في عقد المعاهدات من الصلاحيات الّتي منحها الدستور إلى سلطة دستورية، فلا يجوز أن تكون هذه الصلاحية مطلقة، بحيث أن إطلاقية الصلاحية تتحدد في أن جهة معيّنة تتمتع بهذه الصلاحية أو تلك، ولا تنافسها أيّ جهة أخرى لم يلحظ النص على مزاحمتها من قبل مرجع آخر، لكنها لا تعني أن الجهة عندما تمارس صلاحياتها بمنأى عن الرقابة، فإذا كانت المعاهدات الدولية تدخل في فئة الأعمال الحكومية التي لا يجوز الطعن بها أمام مجلس شورى الدولة، إلا أن إقرارها بموجب قانون يدخلها في إطار رقابة المجلس الدستوري، تمامًا كمعاهدات السلم المعقودة بين الدول في حالتنا الراهنة، حيث تتطلّب مصادقة المجلس النيابي بلزوم أنها مرتبطة أشد الإرتباط بسيادة الدولة وكيان الأمة، وأنها تدخل، في آنٍ، من ضمن المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة بموجب الفقرة الثانية من المادة 52 من الدستور، أيّ تلك المعاهدت المعقودة، عادةً، لفتزة تزيد عن السنة الواحدة..
- من الناحية الداخلية، لا يجوز إخراج المعاهدات، كلياً، من دائرة المشروعية، وإلا صار ممكنا، لا سمح الله، لأيّ نائب او وزير أن يفاوض، أو صار ممكناً إبرام المعاهدات من قبل سلطة مستقلة عن الحكومة بحجّة ان دائرة التفاوض مطلقة أو غير مقيّدة، وكذلك الحال لا يمكن أن تفاوض الدولة اللبنانية دولة أخرى يعتبر تشريعها الداخلي عدواً لا يجوز عقد أيّ اتفاق معها، بحيث أن حظر الإتفاق ، كما هو مرسوم في المادة الأولى قانون مقاطعة "إسرائيل"، يعني حظر أيّ تعامل أو تواصل، مما يعني أن في مقدور الدولة اللبنانية أن تفاوض دولة معتدية بهدف الوصول إلى عقد سلم مع هذه الدولة، في حين أن "اسرائيل" كيان عدو، من منظار التشريع اللبناني، لا يمكن أن يسري عليها ما يجري سريانه على آخرين من الدول سواء كانوا من الأصدقاء أم من المعتدين، بحيث أن القوانين التي أؤتمن رئيس الجمهورية على إحترامها، ومن بينها قانون مقاطعة "اسرائيل"، بموجب المادة 50 من الدستور، لا يمكن استبعادها، إلا بقوانين مغايرة أو بقرارات قضائية تبطلها، بحيث أن هذا التحليل ليس انتقاصاً من حق التفاوض الّذي يملكه رئيس الجمهورية بموجب المادة 52 من الدستور، إلا أن الأحكام في الدستور اللبناني لا تفسّر بمعزل عن بعضها البعض، بدليل أن المجلس الدستوري، في قرار رقم 6/2026، شدّد بأن النصوص الدستورية متممة بعضها للبعض الآخر وتفسّر على وجه التلازم، وعلى ذلك لا يمكن حصر النظر في المادة 52 بمعزل عن المادة 50 والفقرة "ط" من مقدمة الدستور، أما الذين يعتبرون أن تقييد التفاوض هو تقييد للسيادة للمؤسسات الدستورية، فيرد على ذلك بموجب قرار المجلس الدستوري رقم 2/2002 الّذي شدّد بأن السلطة التشريعية في سنّها للتشريعات إنما تمارس السيادة الوطنية للمحافظة على الأرض، وبما أن قانون مقاطعة "اسرائيل" الذي كان قد أقره مجلس النواب يجرّم الإتفاق مع "اسرائيل" وبالتالي يعتبرها عدوا، فهذا يعني أن المجلس مارس، في اقراره للقانون السالف أفاده؛ السيادة الوطنية، وهو، بهذا الوصف، عمل سيادي لا يجوز ازاحته الا بقانون آخر...
- شدّدت الفقرة "ط" من مقدمة الدستور مبدأ سيادة القانون، أيّ الخضوع للقانون من قبل الحكام والمحكومين، بحيث لا يجوز للحاكم، وفق هذا المبدأ، التنصّل من أحكامه الا بنص صريح يحدّد فئة المنتمين له أو الخارجين عن أحكامه، في حين أن المادة الأولى من قانون مقاطعة "اسرائيل" عندما حظّرت على كلّ شخص طبيعي أو معنوي من عقد أيّ اتفاق مع "اسرائيل" فجاء هذا الحظر على إطلاقه، ذلك أن الشخص المعنوي يستقيم في دائرة القانون العام وفي القانون الخاص، وإلا لو أراد المشرّع حصر سريانه على فئة أشخاص القانون الخاص لكان قد أفاد ذلك صراحةً بمفروض عبارة افتراضية "يحظر على الشخص المعنوي الخاص"، علاوةً على أن فكرة الشخصية المعنوية تبلورت مع القانون الروماني حيث اقترنت بالدولة إبان تطور مفهوم الدولة الحديثة كأثرٍ على تمييز الدولة كشخص معنوي مستقل عن شخص المَلك الّذي
كان يُمسك كلّ مأوضحيد السلطات، وبهدف إقامة الدعاوى للحفاظ على المال العام، إلى أن جرى استنساخها في مجال الجمعيات والتجمعات التجارية، أيّ في ميدان القانون الخاص، مما يعني أن هذه الفكرة أصيلة في القانون العام لا الخاص، وبالتالي صار ممكناً بعد هذا التطور أن يتوزّع الشخص المعنوي إلى قسمين: شخص معنوي عام (الدولة والبلديات والمؤسسات العامة) وشخص معنوي خاص (الشركات والجمعيات والنقابات)، عدا أن نظام مجلس شورى الدولة يميّز، وهو القانون المنفذ بمرسوم، بين الشخص المعنوي من القانون العام والشخص المعنوي من القانون الخاص، ويظهر هذا التمييز في المادة 93 بمفروض عبارة "على الشخص المعنوي من القانون العام أن ينفذ الأحكام القضائية..."، ليترجم مجلس شورى الدولة هذا التمييز في العديد من القرارات ومن بينها قرار رقم 576/ 2006 لجهة التمييز بين الشخص المعنوي في القانون العام، وبين الشخص المعنوي في القانون الخاص في إطار المصلحة في الإدعاء..
- أما من الناحية الدولية، إن صحّة أيّ معاهدة، تتوقف على شرعية مراحلها الثلاث: التفاوض، الإبرام، المصادقة، بحيث تعتبر باطلة، وفق المادة 52 من اتفاقية فيينا للمعاهدات، إذا تمّ التوصل إلى عقدها بطريق التهديد أو استخدام القوة بصورة مخالفة لمبادئ القانون المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، ولئن كان من الثابت أن التفاوض مع "اسرائيل" كان بدافع دفع القوة أو العدوان، أيّ بنتيجة التهديد المحظورة في المادة 52، وبما أن من المبادئ التي عنتها هذه المادة هي تلك المبادئ الواردة في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة ومن بينها حظر القوة بين الدول، فيعني أن معاهدة السلم بكل مراحلها باطلة، وهذا البطلان يعني أن المحادثات صارت مشوبة بالبطلان الوارد في المادة 52 من اتفاقية فيينا كما يعني أن تطبيق المادة 52 من الدستور لجهة حق التفاوض لا يصلح في حالة تنتهج دولة معيّنة العدوان والإحتلال بما يتجاوز حدود الإكراه أو التهديد الوارد قي المادة 52 من اتفاقية فيينا، لا سيما أن هناك معاهدة نافذة بين لبنان و"اسرائيل"، أيّ اتفاقية الهدنة 1949، لا يجوز تعديلها، وفق المادة 41 من اتفاقية فيينا، الا اذا كان التعديل جائزاً أو غير محظور في متن الاتفاقية، في حين أن المادة الثامنة من هذه الإتفاقية حظّرت تعديل المادتين الأولى والثالثة، اللتين تؤكدان حظر القوة أو الأعمال العدائية، وبالتالي إن إقامة معاهدة جديدة لمنع القوة يخالف المادة الثامنة من اتفاقية الهدنة التي منحت الأمم المتحدة دوراً تفاوضيًا في حلّ النزاع بين أطرافه من جهة، وشدّدّت مبدأ حظر الأعمال العدائية من جهة أخرى، وبناءً عليه، إن شرعنة المفاوضة بحجة حجب القوة أو العدوان تتطلّب العودة إلى اتفاقية نافذة لا يجوز تعديل أحكامها، لا سيما المتعلقة باستخدام الأعمال العدائية، الا بالقدر التي سمحت به هذه المعاهدة..
جرّاء ما تقدّم، إن إقامة السلم بين "اسرائيل" ولبنان لا تتطلّب بالضرورة معاهدة جديدة في ظل نفاذ معاهدة سارية منذ عام 1949، كما لا تتطلّب مفاوضات مباشرة بين اطراف النزاع، بل يمكن أن تكون بموجب رعاية مباشرة من الأمم المتحدة تفاديا لأيّ عقبة تشريعية أو سيادية تماماً كما تقضي به اتفاقية الهدنة، وإعمالاً بأحكام ميثاق الأمم المتحدة التي تؤكد إحترام السلطان الداخلي للدولة..
بقلم: الدكتور جهاد فرحان اسماعيل - خبير دستوري لبناني
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.alalam.ir بتاريخ: 2026-04-30 17:04:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.



