سياسة عربية

‎الإمارات تستعد لعصر ما بعد الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط

14-05-2018 الساعة 12:23 | ترجمة وتحرير – الخليج الجديد

عندما نتأمل السياسات الخارجية البارزة والمثيرة للجدل للإمارات، فإنها تبدو لنا كخروج لافت عن سمعتها التاريخية بالوساطة الهادئة إلى حد ما، والحياد المتعمد الرامي لحفظ السلام، حيث تسعى الإمارات اليوم بوضوح إلى تحقيق أهداف مختلفة تماما وأكثر طموحا.

تتورط الإمارات اليوم بشكل أعمق في اقتصادات الدول التي تم اعتبارها وجهات استثمارية مناسبة أو مراكز جذابة تجارياً للإمارة. وفي ضوء ذلك، يمكن أن تُفهَم غزوات الإمارات القوية للغاية في الأماكن النائية التي تمتد من آسيا الوسطى إلى القرن الأفريقي، لأن أحد أهداف جهودها هو في تحقيق عوائد سيادية مناسبة وبالتالي تقليل الاعتماد على عائدات تصدير الهيدروكربونات.

ولكن الإمارات لا تستعد لمستقبل ما بعد النفط فقط، وإنما هناك مؤشرات على أن الإمارات تستعد لمستقبل ما بعد الولايات المتحدة، على الأقل في الشرق الأوسط.

ومرة أخرى، يبدو هذا عقلانيا، خاصة من خلال دراسة المنظور الواقعي للعلاقات الدولية، وكما هو الحال مع العديد من الوكلاء الأمريكيين الآخرين في المنطقة، فإن الإمارات تشعر بالقلق بشكل واضح من موثوقية القوة العظمى التي ترعاها ومدى التزامها، وتتأهب لاحتمالية اضطرارها للكفاح بمفردها للبقاء في بيئة أكثر اضطراباً.

التوحد ضد التهديد

وفي هذا السياق، بذلت الإمارات جهوداً مُعتبرة لكي تضع جانباً العديد من الاختلافات القديمة مع جارتها الأقوى عسكريا، السعودية، في سبيل تشكيل «جبهة موحدة» في مواجهة التهديد الذي تعتقد كلتا الملكيتين أنه تحول من تهديد مفترض إلى تهديد وجودي حيث تسعى جمهورية إيران الإسلامية وحلفاؤها إلى تطويق الأنظمة الخليجية ثم عزلها.

وبالموازاة مع ذلك، سعت كل من الإمارات والسعودية، إلى جانب رفقاء لهما مثل مصر في عهد «عبدالفتاح السيسي»، إلى السعي لدحر تأثير جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من المنظمات الإسلامية التي يفترض أنها «معتدلة».

وشعرت السعودية والإمارات بقلق غير مسبوق بعد وصول هذه الجماعات إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع في أعقاب «الربيع العربي» في عام 2011 ، وكان مكمن هذا القلق هو خشيتها من ظهور شكل بديل من الدولة السنية المحافظة، تشرعها الإجراءات الديمقراطية الصديقة للغرب على النقيض من الملكيات الوراثية الأقل توازنا والتي تسيطر عليها حكومات غير منتخبة.

وبعد أن أطلقت كل من السعودية والإمارات حملة ضد «رعاية الإرهاب» في قطر، التي تعد موطن شبكة الجزيرة المؤيدة للإخوان والتي تم تصنيفها باعتبارها أكثر الداعمين سخاءً للإخوان المسلمين، رأى البعض أن هذه الإجراءات كانت على أساس أيديولوجي.

ولكن من نواح عديدة، فإن عدائية الإمارات والسعودية تجاه التحالف الإسلامي القطري هي ظاهرة حديثة إلى حد بعيد، ومرة أخرى؛ هي رد فعل واقعي إلى حد كبير على شيء يُنظر إليه على أنه تهديد خطير لبقاء الأنظمة في كلا البلدين، فقد تمتعت كل من الإمارات والسعودية على مدى عقود بعلاقات ودية مع جماعة الإخوان المسلمين، وشاركتا في الاستثمار في البنوك الإسلامية، وأمدت جامعاتهما بالعلماء العرب الداعمين للإخوان.

وفي وقت ما، كانت اثنتان على الأقل من العائلات الحاكمة في الإمارات ترعي ماليا جماعة فرع جماعة الإخوان المسلمين المحلي المعروف باسم جمعية الإصلاح.

استراتيجيات متعثرة

لكن الأمور لم تسر بسلاسة فيما يخص تلك الاستراتيجيات المناهضة لإيران وللإسلاميين. ففي اليمن، على سبيل المثال، كان الهدف من العملية العسكرية السعودية الإماراتية المشتركة؛ دفع الحوثيين المرتبطين بإيران إلى الخروج من العاصمة واستعادة الرئاسة المتوافقة مع السعودية والإمارات، لكن الحملة تحولت إلى فوضى دموية، وكارثة علاقات عامة، حتى أنها وترت العلاقات الأمريكية الإماراتية الوثيقة تاريخيا.

وفي الوقت ذاته؛ بالرغم من أن اقتصاد قطر تضرر بالتأكيد من المقاطعة السعودية والإماراتية، إلا أن قيادتها ظلت ثابتة، وعلى الرغم من رحيل وزير الخارجية المؤيد لقطر «ريكس تيلرسون»، إلا أن الدوحة يبدو أنها حافظت على الولايات المتحدة في جانبها بمهارة كبيرة، أو على الأقل منعت دعمها لأي انقلاب تقوده السعودية والإمارات.

وفي ليبيا، حيث كانت الإمارات وحلفاؤها يحاولون إحباط طموحات الإسلاميين المدعومين من قبل قطر، لم تسر الأمور كما كان مخططاً له، مع فشل زعيمهم العلماني القوي، «خليفة حفتر»، في الظهور كأقوى شخصية في البلاد.

وعلى نطاق أوسع، سارت حملة العلاقات العامة ضد قطر بشكل سئ للغاية حيث فشلت الإمارات في تشويه سمعة قطر، وبالعكس فإنها خسرت الكثير من سمعتها وسمحت للدوحة بالظهور في ثوب «الرجل الجيد» في الكثير من وسائل الإعلام الدولية.

دروس مستفادة مؤلمة

ومع ذلك، وفي خضم هذه النكسات، هناك إشارات قوية على أن السياسة الخارجية لدولة الإمارات تصبح أكثر نضجا وبراجماتية، ويتضح أنها تتعلم عددا من الدروس المستفادة بالرغم من غياب الانتصارات بشكل إجمالي.

هذا يتبين لنا من خلال دعم الانفصاليين الجنوبيين في اليمن على سبيل المثال، فقد أظهر ذلك إدراكا جديدا للحاجة إلى دعم عدة خيول في نفس السباق في بعض الأحيان، خاصة إذا ثبت أن السباق أصعب في الفوز مما كان يعتقد في الأصل.

وعلاوة على ذلك، يبدو أن البحرية الإماراتية قد أقامت توجدا أكثر ديمومة على أرخبيل سقطرى ذي الأهمية الاستراتيجية قبالة سواحل اليمن، وأبدت استعدادها لترسيخ وجودها حتى لو تم طرد القوات الإماراتية في نهاية المطاف من البر الرئيسي.

وعلى صعيد المواجهة مع قطر، أثبتت الإمارات بعد عدة جولات فاشلة أنها تعلمت الكثير من الدروس حيث تراجعت عن خططها العدوانية للإطاحة بنظام آل ثاني في قطر على يد المرتزقة الذين تمولهم الإمارات، ويبدو أنها اليوم مستعدة للكمون، واستنزاف خزائن قطر، وانتظار لحظة أفضل لتأمين تأييد الولايات المتحدة لخططها.

المصدر | كريستوفر دافيدسون – أراب دايجيست

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: