بغداد | ما من خطرٍ أحاق بالعملية السياسية في العراق سابقاً، كالذي نعيشه اليوم من مجهولٍ يُنذر بفوضى لا تُبقي ولا تذر. فبعد قبول البرلمان استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، برزت تحركات الكتل السياسية نحو بديل لا يزال مجهولاً حتى اللحظة، على رغم وجود تسريبات متعمّدة لعدد من الأسماء التي تنتمي إلى أحزاب وكتل وتوجهات مختلفة. يوازي ذلك تصاعدٌ ملحوظ في الحراك الشعبي المستمر منذ 1 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ومطالبته بتغيير شكل نظام الحكم، وعدم اقتصار القضية على تنحّي رئيس الوزراء فحسب.
هذا المطلب ليس وليد التظاهرات القائمة، بل يمكن القول إنه استكمالٌ لمسار من تحذيرات أُطلقت منذ الشهر الأول من عمر حكومة عبد المهدي في تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي. أوساط مراقبة للعملية السياسية حذّرت، آنذاك، من «عدم إكمال رئيس الوزراء ولايته»، بفعل استقالة مبكرة تسبق إتمام الرجل عامه الثاني في منصبه، ما يعني – وفقها – أن هذه الحكومة ستكون الأخيرة في النظام السياسي البرلماني القائم. اليوم، ومع استقالة عبد المهدي بعد 13 شهراً فقط من تسنّمه لأرفع منصب سياسي في حياته، تَبيّن أن التوجهات والرؤى المسيطرة على القرار داخل البرلمان وخارجه أنتجت أضعف حكومة عراقية «في عراق ما بعد 2003».
وفي ظلّ مطالبة الحركة الاحتجاجية وكتل سياسية نافذة بتعديلات دستورية، لا تزال الضبابية مخيّمة على المشهد بشكل يصعّب التفكير في معالم المرحلة القادمة. وعلى الرغم من أن أي عملية تعديل دستوري تحتاج إلى وقت كافٍ للصياغة والتصويت، إلا أن مداولات تعديل قانونَي الانتخابات التشريعية و«المفوضية العليا المستقلة للانتخابات» تقطع أشواطاً حذرة. ومن الطبيعي، أيضاً، أن يتأثّر أي توجّه إزاء شكل النظام السياسي القائم حالياً بمجموعة من التحديات، أهمها العامل الخارجي. وفي هذا الإطار، لم تبدِ طهران أو واشنطن موقفاً واضحاً، وهو أمرٌ لا يقلّ عنه أهمية صراع المحاصصة بين أركان العملية السياسية في البلاد؛ إذ أن «الأكراد» وأطرافاً من «السنة» و«الشيعة» لن يرضوا بأيّ شكل من الأشكال بنظام رئاسي أو حكم عسكري. والأخير روّج له بعض المحتجين الذين طرحوا اسم عبد الوهاب الساعدي كرئيس مؤقّت، إلى حين إجراء التعديلات الدستورية المفترضة، والتي قد لا تَحدث أساساً.
وفي ضوء معطيات المرحلة الراهنة، تبرز الحاجة إلى حوار وطني شامل للخروج بقاسم مشترك، ربما ينقذ العملية السياسية لنظام أوشك على الانهيار، بما لا ينذر إلا بالفوضى العارمة، التي إن نشبت ستعبّد الطريق أمام حكم العسكر، أو استقواء جهات عسكرية بالأوضاع لفرض أمر واقع، قد ينسف كلّ جهود احتواء الأزمة، ويشعل احتجاجات