عقوبات على سياسيين من خلال قانون ماغنيتسكي وقانون إعتمادات الخارجية
حظر مالي ونقدي غير مُعلن والوضع الاجتماعي الأكثر تأثرًا بالأزمة

المُحلّل الاقتصادي- الديار

تُظهر الأحداث أن لبنان يُشكّل عنصراً أساسياً في الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط. هذا الأمر يُمكن ملاحظته من العديد من التطورات التي آلت إليها الأمور وخصوصًا القرار الأميركي بمحاربة «النفوذ الإيراني» في لبنان ولكن أيضًا منع الفساد من المسّ بالمصالح الأميركية المُستقبلية في لبنان. وهذا ما نشهده في العديد من التقارير التي صدرت عن مكاتب الأبحاث الأميركية.

 سيناريو فنزويلا الشرق الأوسط 

في التاسع عشر من تشرين الثاني 2019، قام معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بتقديم تقرير بعنوان «ماذا ينتظر لبنان في المرحلة المُقبلة؟ نظرة على تداعيات الإحتجاجات الراهنة» إلى لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي ـ اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والإرهاب الدولي. وتضمّن هذا التقرير وصفاً للوضع القائم أنذاك بالإضافة إلى تحليل وتوصيات قدّمها هذا التقرير إلى اللجنة المعنية.

مُحتوى هذا التقرير هو عبارة عن سيناريو لما يُمكن للولايات المُتحدة الأميركية أن تقوم به إتجاه لبنان في ظل تمدد ما سُمّي بـ «نفوذ حزب الله» داخل الدولة اللبنانية وتفشّي الفساد في الإدارات العامة. فقد نصّ التقرير على أن الإنتخابات النيابية في العام 2018 ، أدّت إلى فوز حزب الله وحلفاؤه بأكثر من 70 مقعدًا من أصل 128. وقال التقرير أن أي حكومة جديدة تهدف إلى تحجيم حزب الله لن ترى النور، وفي المقابل أي حكومة مرفوضة من غالبية اللبنانيين لن يكون بمقدورها تفادي الأزمة الإقتصادية أو الإنعزال عن الغرب والعالم العربي ليُصبح بذلك لبنان «فنزويلا الشرق الأوسط». ويعتبر التقرير أن حزب الله يمرّ في أزمة مالية نتيجة العقوبات الأميركية على إيران وبالتالي لن يكون بمقدوره مُساعدة لبنان الذي يمرّ بأزمة مالية وإقتصادية خانقة. ويعتبر التقرير أن أمام المُجتمع الدولي فرصة لمساعدة الجيش اللبناني و«إحتواء حزب الله».

يعتبر التقرير أن جوهر الإحتجاجات هو إقتصادي، وقد دفع الضغط المالي الذي بدأ قبل 17 تشرين الأول مصرف لبنان إلى تقنين الدولارات. إلا أن فشل الحكومة في تصحيح الخلل المالي في الموازنة إلا من خلال رفع الضرائب غير المباشرة وخفض التقديمات الإجتماعية، دفع الشعب إلى التظاهر مع تردّي الأوضاع الإجتماعية والمالية والإقتصادية (بطالة مُرتفعة، فقر 30%، هجرة مرتفعة، إرتفاع الإنفاق العام 16 مليار دولار مقارنة بعائدات بقيمة 12.5 مليار دولار، خدمة دين عام بنسبة 35% من النفقات، إحتياطي مصرف لبنان ينخفض بشكل سريع، وإنخفاض في قيمة الليرة).

ويُضيف التقرير أن لبنان لم يقم بأي من الإصلاحات المطلوبة (ملء المراكز الشاغرة، إصلاح الكهرباء،) في مؤتمر سيدر الذي وعد بمساعدات إستثمارية بقيمة 11 مليار دولار أميركي مما يعني إستحالة إعطاء هذه المُساعدات. ويقول التقرير أن عدم القدرة على القيام بهذه الإصلاحات سببه الفساد المُستشري وأنه لا يُمكن حلّ هذه المُشكلة إلا بحكومة مؤلفة من تكنوقراط ومُستقّلة.

ويُضيف التقرير أن النمو الإقتصادي في العام 2019 هو صفر مع عجز يفوق الـ 11% والتضخم 10% الناتج عن السوق الموازية للدولار! وبحسب التقرير الوضع الإقتصادي البائس يزيد بؤسًا مع تراجع إحتياط مصرف لبنان الذي يُستخدم لدفع إستحقاقات الدولة من الدين العام، تأمين السحوبات من المصارف، وتمويل الإستيراد. ويتوقّع التقرير أنه بدون إصلاحات جذرية، لن يكفي الإحتياط لأكثر من ثلاث أو أربعة أشهر وأن تمسّك الطبقة السياسية بالسلطة قد يدفع بالأمور إلى الخروج عن السيطرة.

ويذهب التقرير بعيدًا في وصف حكومة التكنوقراط الواجب تشكيلها حيث يُقسّمها إلى ثلاث كفاءات: إقتصادية، دستورية، وقضائية مع التركيز على قانون إنتخابي جديد ولا يقوم على أساس طائفي بحكم أنه لا يُمكن إحياء الإقتصاد مع النظام السياسي نفسه، كما وسنّ القوانين لمحاربة الفساد والتهرب الضريبي!

توصيات التقرير تبقى الأخطر في هذا التقرير نظرًا إلى أن قسم مما نشهده اليوم منصوص عليه في التقرير:

أولا ـ إعادة النظر في المساعدات الأميركية للجيش اللبناني بحجّة قمع المتظاهرين؛

ثانيًا ـ عدم تقديم أي مساعدة مالية للدولة (التي ستنهار سريعًا!) بما فيها مساعدات مؤتمر سيدر من دون إنشاء حكومة تكنوقراط مُستقلين وإجراء إنتخابات مُبكرة؛

ثالثًا ـ حث الجيش على حماية المُتظاهرين ووضع شروط على إعطاء مساعدات للجيش وتأمين حزمة مساعدات لدفع أجور الجيش عند إفلاس الدولة اللبنانية؛

رابعًا ـ ممارسة ضغط على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من أجل القيام بالإستشارات النيابية الُملزمة؛

خامسًا ـ فرض عقوبات على حلفاء حزب الله وعلى رأسهم التيار الوطني الحر وحركة أمل؛

سادسًا ـ التعاون مع الدول الأوروبية لمنع تقديم مساعدات سيدر؛

سابعًا ـ ضبط الأنشطة الإيرانية في المنطقة.

 حكومة البربارة 

تعتبر أروقة واشنطن أن الحكومة التي تمّ تشكيلها حديثًا، هي حكومة مدينة لحزب الله ولا تخظى بتأييد درزي أو سنّي. وتم إطلاق إسم «البربارة» على هذه الحكومة بإعتبارها وجه من وجوه الطبقة السياسية الحالية، وبالتالي لا يُمكن لهذه الحكومة القدرة على مواجهة الفساد المُتفشّي المسؤول عن الأزمة في البلاد.

على هذا الصعيد، تقول دراسة نشرها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في 26 تشرين الثاني 2019 أن السلطة السياسية في لبنان تورّطت كلها تقريبًا في أزمة الفساد التي تتخطى المحسوبيات الطائفية. وتُطالب الدراسة الإدارة الأميركية على إتخاذ الإجراءات اللازمة لإرغام الحكومة الجديدة على مواجهة «السلطة السياسية الفاسدة». وبحسب الدراسة، لا يُمكن لهذه الحكومة القيام بهذا الأمر من دون مساعدة خارجية، لذا يتوجب على الإدارة الأميركية القيام بإصدار عقوبات تستهدف الجهات الأكثر فسادًا من مختلف الفئات المذهبية من خلال قانون ماغنيتسكي الدولي (Global Magnitsky Act). وتُضيف الدراسة أن الزعماء الفاسدون يطمعون بالأرباح والسلطة السياسية التي تترافق مع تمويل مشاريع للمحسوبيات! من هذا المنُطلق، يتوجّب إستخدام هذا القانون لفرض العقوبات وفضح الجهات الأكثر فسادًا ومنعهم من الوصول إلى الأصول والمصالح الأميركية والتي «من المحتمل أن تكون كبيرة»!

وتحث الدراسة الإدارة الأميركية على إستخدام أدوات أخرى لمحاربة الفساد السياسي المُصنّف مثل قانون إعتمادات وزارة الخارجية والبرامج ذات الصلة (القسم 7031 ج) للعام 2020 والذي تمّ إستخدامه لمحاربة الفساد في مولدوفا.

وبحسب الدراسة، فرض عقوبات سيحظى بدعم شعبي واسع من قبل الشعب اللبناني الذي نزل إلى الشارع منذ 17 تشرين الأول 2019. وتضيف الدراسة أن المُحتجّين ما زالوا يرفضون الحكومة الجديدة وبالتالي سيُرحبون بالعقوبات! فقد تورّط الزعماء الطائفيون في «لائحة طويلة من الصفقات والمعاملات الفاسدة التي إستخدموها لبناء إمبراطورياتهم المالية من خلال … رجال أعمال فاسدين مُتحالفين معهم سياسيًا». ويكفي بحسب الدراسة النظر إلى قطاع الكهرباء والنفط والقمامة في لبنان لمعرفة كيفية إستنزاف الفساد لموارد الدولة اللبنانية!!!

من هذا المُنطلق، نرى أن عملية التضييق على الطبقة السياسية وعلى رجال الأعمال بدأت من خلال إدراج أسماء من الصف الأول والصف الثاني على لوائح العقوبات وبالتالي تأتي لتخدم هدفين للأميركيين: الأول محاصرة حزب الله من خلال حلفاءه والثاني محاربة الفساد نظرًا إلى مصالحها المُستقبلية في لبنان. على هذا الصعيد أكد ديفيد شينكر في مقابلة على شاشة الـ MTV أن إستهداف سياسيين ورجال أعمال لبنانيين غير مُستبعد.