هذه البلاد ما عادت تُشبهنا يا فخامة الرئيس

19

“ليبانون ديبايت” – قاسم يوسف

نعترف أمامكم يا فخامة الرئيس، نحن المواطنون البائسون اليائسون، أننا انضممنا طوعًا إلى ثلة الأشرار، أولئك الذين يروّجون الشائعات عن وضعنا المالي المتهالك، وعن أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهد واحدة من أحطّ وأفظع حقباتها على الإطلاق.

نعترف أمامكم أننا متورطون حتى النخاع، نسعى عن سابق تصوّر وتصميم إلى اسقاط هذا النظام، وإلى ضرب مقومات وجوده ونسف ركائز استمراره. لقد وهبنا أقلامنا وجماجمنا لهذه القضية، وبات لزامًا علينا أن نبحث كل يوم عن ثغرة نلجُ عبرها إلى استهدافه وكسره، بعد أن نُمعن فيه تشويهًا وضربًا وانتقامًا. نعترف بكل هذا أمامكم، بلا ضربة كفٍ أو شتيمةٍ أو سحسوح.

ماذا يعني لنا لبنان يا فخامة الرئيس؟ كنا نظنه، ولا نزال، على سجية فؤاد شهاب الذي بنى الدولة ومؤسساتها حجرًا حجرًا، وجمع حوله كوكبه من أعقل الناس وأنزههم وأكثرهم وطنية واستقامة على الإطلاق. ونظنه كذلك على مثال زوجته التي عجزت عن دفع ديونها المستحقة لدكانة الحي، كونها لم ترث من زوجها حسابًا مصرفيًا عامرًا، بل اكتفت بسيرته العطرة ومسيرته العابقة بالزهد والكرامة وعزة النفس.

نحسبه أقرب ما يكون إلى ريمون إده، ذلك الفارس المُجليّ الذي عُرضت عليه الرئاسة أكثر من مرة، فنظر إليها من منظار مواصفاته ومبادئه، ومن علياء كرامته، فلم يجد بُدًا من أن يبصق عليها، وقد بصق بالفم الملآن، على ما يقول عقل العويط في مقالة بديعة.

نظنه أيضًا يشبه الياس سركيس، ذاك الذي رسم صورته الناصعة بتواضعه وحكمته ونزاهته، وبحشرجة لا تغيب أبدًا عن صوته المتهدج ووجهه الحزين. حسبناه قويًا بعاطفته وصبره وصمته، مترفعًا بنبله، وفائضًا بعقله وحصافته. لم يدخل أندية الرؤوس الحامية والمغامرين المشتعلين، وظل هادئًا كالثلج وهو يكبت الوجع في عميقه، إلى أن ترجل باكرًا في فراشه الأخير.

فكرّنا أنه وسليم الحص وجهان لاستقامة واحدة، وأن الذهب الذي ملأ عين الليرة كان جزءًا لا يتجزأ من نباهته وبصيرته، ثم أدركنا أن لكل ذلك ارتباط وثيق بزمن الكبار وقماشة الكبار، ولو كانا على طرفيّ نقيض، منذ فؤاد بطرس، الذي أخذ معه رهطًا هائلاً من دبلوماسية العرب وحكمتهم، إلى شارل مالك، العبقري الذي هندس نظرة العالم المستجدة إلى حقوق الإنسان، قبل أن يعود ويجثو باكيًا على ركبتيه وهو يُقبّل راحتيّ الشيخ بيار، ذاك الأب المثلوم أمام جثة نجله وأحلامه التي تناثرت بين الركام.

جنحت بنا الحماسة المفرطة نحو رفع هؤلاء وغيرهم إلى مراتب الأمثولة والأيقونات، وقد جعلنا من سيرتهم الذاتية ومن حيواتهم السياسية والوطنية مقياسًا نقيس فيه كل صغيرة وكبيرة، لكن هذه البلاد ما عادت تُشبههم أو تُشبهنا، صارت مليئة بالعبثية والحقد والإحباط، وأهلها ما عادوا يبحثون إلا عمّن يزرع فيها الحب والأمل، بعد أن كفروا بكل أولئك الذين يمتهنون الكذب والصراخ وكم الأفواه، ويحترفون ضرب الطاولات أو إحراقها بمن فيها.

ليس الحل في جرنا جميعًا إلى أقبية التحقيق، بل في تحمل المسؤولية أو الاستقالة يا فخامة الرئيس.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.