نيويورك تايمز- مخبر سعودي مزروع في شركة تويتر..والخاشقجي ضحيته

28

المدن – ميديا

كان خاشقجي، قبل مقتله، بصدد إطلاق مشاريع لمكافحة الإساءات في شبكة الانترنت (غيتي)
كلّ صباح، كان جمال خاشقجي يفحص هاتفه المحمول، ليكتشف ما الجديد الذي أطلقه الجحيم في مواقع التواصل أثناء نومه. كان يرى عمل جيش من متصيدي “تويتر”، الذين أعُطيت إليهم أوامر بمهاجمته، إلى جانب ناشطين وشخصيات سعودية مؤثرة، عادة ما كانت تنتقد السلطة الحاكمة.

كان خاشقجي، في بعض الأحيان، يأخذ هذه المضايقات على محمل شخصي، ولهذا كان أصدقاؤه يتواصلون معه بشكل دائم للإطمئنان على حالته النفسية.

“الصباح كان الوقت الأسوأ بالنسبة إلى خاشقجي، لأنه كان يستيقظ على ما يُشبه إطلاق النار المستمر في الانترنت”، على ما تقول ماغي ميتشل سالم، صديقة خاشقجي منذ أكثر من 15 عاماً، في حديثها إلى صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، التي نشرت تقريراً تحدثت فيه عن الحسابات الوهمية التي هاجمت جمال خاشقجي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت الصحيفة إنّ هذه الحسابات كانت جزءاً من توجّه عام أمر به ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ومستشاريه المقربين، لإخماد صوت المعارضين في الداخل والخارج. وهنالك المئات من الأشخاص الذين يعملون داخل ما يسمى “مزرعة الشائعات” في الرياض، من أجل إسكات أصوات المعارضين من أمثال خاشقجي. وتضمنت أيضاً هذه الجهود المحمومة تجنيد موظف سعودي في شركة “تويتر”، يشتبه مسؤولو أجهزة استخبارات غربية في أنه كان يتجسس على خاشقجي وحسابات المعارضين من أجل مساعدة الحكومة السعودية.

وبحسب “نيويورك تايمز” فإنّ ما تكشّف حول الحملة الدعائية التي تقوم بها المملكة، يستند إلى حوارات مع سبعة أشخاص مطلعين عليها، إلى جانب نشطاء وخبراء قاموا بدراسة الاستراتيجية الدعائية السعودية، ومسؤولين أميركيين وسعوديين، إضافة إلى رسائل اطلعت عليها الصحيفة، تضمنت وصفاً لأسرار عمل “مزرعة نشر الشائعات”.

ووفقاً لما تبيّن، فقد تم تجنيد عملاء سعوديين لمضايقة المنتقدين في “تويتر”، الذي يمثل منصة تحظى بشعبية كبيرة في تداول الأخبار في المملكة، منذ بدء ثورات الربيع العربي. وكان العديد من السعوديين يأملون بأن تساعدهم منصة “تويتر” بنشر الخطاب الديموقراطي، من خلال منح المواطن العادي صوتاً، إلا أن المملكة العربية السعودية أصبحت، عوضاً عن ذلك، نموذجا لكيفية قيام الأنظمة المستبدة بالتلاعب بشبكات التواصل الاجتماعي، من أجل إسكات أو إغراق الأصوات الناقدة، مع تعويم الرواية التي تناسبها للأحداث.

وكان خاشقجي، قبل مقتله، بصدد إطلاق مشاريع لمكافحة الإساءات في شبكة الانترنت، ومحاولة إظهار أن ولي العهد محمد بن سلمان كان يسيء إدارة الأمور في البلاد.

وفي أيلول/سبتمبر الماضي، قدم خاشقجي مبلغ خمسة آلاف دولار لشاب سعودي معارض يعيش في كندا، يُدعى عمر عبد العزيز، كان بصدد إنشاء جيش من المتطوعين لمكافحة الشائعات التي تبثها الحكومة عبر “تويتر”، وكان المشروع يحمل اسم “جيش النحل الالكتروني”. وقبل 11 يوماً من اختفائه ومقتله داخل القنصلية السعودية في اسطنبول، نشر خاشقجي تغريدة قال فيها إن “النحل قادم”.

وأوضحت “نيويورك تايمز” أن إحدى أذرع هذه الحملة ضد المعارضين مصدرها مجموعة من المكاتب والمنازل في مدينة الرياض وضواحيها، حيث يوجد المئات من الشبان الذين يجوبون منصة “تويتر”، بحثاً عن الأصوات والنقاشات التي يجب إخمادها.

وعادة ما يقوم مديرو هذه الحملة باستعراض أساليب لمهاجمة المعارضين، الذين يتطرقون الى مسائل حساسة مثل الحرب في اليمن وحقوق المرأة. ثم يقومون بالتوجه نحو جيشهم، المكون من خبراء في شبكات التواصل الاجتماعي، ويتواصلون معهم عبر مجموعات دردشة في تطبيقات مثل “واتس اب” و”تيلغرام”، حيث يرسلون لهم قوائم بأسماء الأشخاص الذين يجب تهديدهم وشتمهم وترهيبهم، وعدد التغريدات التي يجب نشرها كل يوم، والرسائل الحكومية التي يجب ترويجها.

وبناءً على ذلك، يقوم هؤلاء برصد “تويتر”، بحثاً عن نقاشات دائرة حول مواضيع محددة، ويقومون بنشر رسائل من حسابات متعددة يديرها الشخص نفسه. وحين يلحظون ارتفاع وتيرة النقاش حول موضوع معيّن، يلجأون إلى نشر صور إباحية، بهدف تحويل الاهتمام نحوها، وتشتيت انتباه المغردين عن الموضوع الرئيسي.

واللافت أن هؤلاء المتخصصين في الدعاية السعودية، عثروا على وظيفة في موقع “تويتر” نفسه، حيث وصلتهم إعلانات حول وظيفة تتطلب شبانا مستعدين للتغريد مقابل 10 آلاف ريال سعودي شهريا، أي ما يعادل 3 آلاف دولار. أما الطبيعة السياسية لنشاطهم، فإنهم لا يكتشفونها إلا بعد خوضهم للمقابلة، وتعبيرهم عن رغبتهم في الوظيفة.

وبحسب الأشخاص الذين تحدثت إليهم “نيويورك تايمز”، فإن بعض هؤلاء المختصين كانوا يخشون من أن يتم استهدافهم هم أنفسهم واعتبارهم معارضين، لو أنهم تجرأوا على رفض العرض بعد أن تم اطلاعهم على طبيعته. هؤلاء المختصون كانوا يستمعون أحيانا لمدرائهم وهم يتحدثون مع سعود القحطاني، الذي يسميه النشطاء والكتّاب “زعيم الشائعات” أو “النسخة السعودية من ستيف بانون”.

والقحطاني قام بإدارة عمليات إعلامية داخل البلاط الملكي، تضمنت توجيه شبكات التواصل الاجتماعي في البلاد، وتنظيم لقاءات صحافية بين ولي العهد وصحافيين أجانب، واستخدام حسابه الذي يتابعه أكثر 1.35 مليون شخص، لقيادة المدافعين عن المملكة في شبكة الإنترنت، ضد من يعتبرونهم خصوما مثل قطر وإيران وكندا، إلى جانب الأصوات السعودية المعارضة مثل خاشقجي.

وأصبح مدراء “تويتر” لأول مرة مطلعين على إمكانية وجود مخطط للاطلاع على حسابات المستخدمين، مع نهاية سنة 2015، عندما أخبرهم مسؤولون في وكالات استخبارات غربية بأن السعوديين كانوا بصدد استدراج الموظف، علي آل زيبارة، من أجل التجسس على حسابات المعارضين وغيرهم. وقد أخبر مسؤولو الاستخبارات مديري “تويتر” بأن آل زيبارة بات أكثر قربا من المخابرات السعودية، التي نجحت في النهاية بإقناعه بالتجسس على العديد من الحسابات، بحسب ما قالت 3 مصادر مطلعة لـ”نيويورك تايمز”.

وبعد التحقيق معه، قام مدراء شركة “تويتر” بطرد زيبارة، على الرغم من أنهم لم يجدوا أي أدلة تثبت أنه سلّم بيانات من “تويتر” للحكومة السعودية. وبعدها عاد زيبارة إلى السعودية، حاملا معه بعض ممتلكاته. وهو يعمل الآن في الحكومة السعودية، بحسب شخص مطلع على الأحداث هناك.

وفي خضم سعي الحكومة السعودية لإعادة تلميع صورتها، فإنها تحرص على مراقبة التفاعل مع قراراتها المثيرة للجدل، وكيف تقوم الشخصيات المؤثرة في البلاد بتشكيل موقف الناس من هذه القرارات، بحسب “نيويورك تايمز”.

وبعد نشر “نيويورك تايمز” التقرير المذكور، دعت مؤسسة “سكاي لاين” الدولية، في بيان، شركة “تويتر” إلى تحمل مسؤولية اعتقال السعودية مدونين معارضين، إثر اختراق حساباتهم من المهندس السعودي علي آل زيبارة، خصوصاً بعدما كشفت الصحيفة الأميركية أنه كان يعمل ويتجسس لصالح سلطات بلاده.

وقالت “سكاي لاين”، وهي مؤسسة حقوقية تتخذ من ستوكهولم مقرا لها، إن ما جرى الكشف عنه في “نيويورك تايمز” بشأن اختراق آل زيبارة يمثل وصمة عار في تاريخ “تويتر”، لأن ذلك قاد إلى اعتقال مدونين سعوديين، مؤكدة أنه يتوجب على “تويتر” ممارسة كافة الضغوط على السلطات السعودية للإفراج عنهم.

ويأتي ذلك بعدما أدرجت “نيويورك تايمز تقريرا بعنوان “صناع الصورة في السعودية: جيش من متصيدي الإنترنت، وموظف مطرود من تويتر”، يشير إلى أن مهاجمي الصحافي الراحل جمال خاشقجي على الإنترنت كانوا جزءا من جهود واسعة بذلها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ومستشاروه لإسكات المنتقدين داخل المملكة وخارجها، وأن هناك مئات الأشخاص الذين يعملون على تصيد أصوات المعارضين وقمعها.

وعلق المعارض السعودي، عمر بن عبد العزيز، على تقرير “نيويورك تايمز”، قائلاً بأن الفترة التي عمل فيها آل زيبارة لدى “تويتر” شهدت اختراق حسابات بعض المعارضين السعوديين ونشرها، مثل الحساب الشهير “مجتهد”.

واعتبر عبد العزيز، الذي كان صديقاً مقرباً من خاشقجي والذي اشتهر مؤخرا بتعرضه للتجسس من قبل السعودية، أن على شركة “تويتر” واجباً أخلاقياً تجاه ضحايا تلك الاختراقات، لأنها تسترت على مخالفات آل زيبارة وعرّضت العديد من النشطاء للسجن بسبب انكشاف هوياتهم ومعلوماتهم للسلطات السعودية، بحسب قوله.

من جانبه، قال يحيى عسيري، رئيس مؤسسة القسط لدعم حقوق الإنسان، في تصريح لـ”الجزيرة”، إن الاستثمارات السعودية في موقع “تويتر” للتواصل الاجتماعي ربما مكّنتها من إيجاد مداخل للتجسس على المغرّدين.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.