صحافة

نزع السلاح كأداة ضبط، والإدارة الانتقالية كواجهة سياسية

نزع السلاح كأداة ضبط، والإدارة الانتقالية كواجهة سياسية

لا يمكن قراءة إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بدء “المرحلة الثانية” من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بوصفه خطوة تقنية في مسار تهدئة عسكرية، بل يجب التعامل معه باعتباره حلقة متقدمة في عملية سياسية–أمنية أوسع، تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني في القطاع ضمن شروط الاحتلال ومنظومة الهيمنة الأميركية، ولكن بأدوات أكثر “نعومة” وأقل صخبًا من الحرب المباشرة. فالتجربة التاريخية، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، ومن البوسنة إلى كوسوفو، تعلّمنا أن مفردات مثل “الإدارة الانتقالية“، و”نزع السلاح“، و”قوة الاستقرار الدولية”، غالبًا ما تكون الغلاف اللغوي لمشاريع ضبط سياسي طويل الأمد، لا لإنهاء الصراع بل لإدارته بما يخدم ميزان القوى القائم.

أولًا: المرحلة الثانية كإعادة صياغة للصراع

المرحلة الثانية، كما يجري تسويقها أميركيًا، تقوم على ثلاثة أعمدة مترابطة: إنشاء إدارة فلسطينية انتقالية من التكنوقراط، نزع سلاح المقاومة تدريجيًا، وإطلاق عملية إعادة إعمار شاملة. ظاهريًا، يبدو هذا المسار منطقيًا في سياق ما بعد حرب مدمّرة أبادت البنية التحتية لغزة وأغرقت سكانها في كارثة إنسانية غير مسبوقة. لكن التدقيق في شروط التنفيذ، وفي مواقف الأطراف المختلفة، يكشف سريعًا أن جوهر الخطة لا يتعلق بإعادة بناء غزة بقدر ما يتعلق بإعادة ضبطها سياسيًا وأمنيًا.

هذا الترتيب ليس جديدًا في التجربة الفلسطينية. فمنذ أوسلو، دأبت “إسرائيل” – بدعم أميركي – على فرض معادلة مختلّة: سيادة منقوصة مقابل أمن كامل للاحتلال. الجديد اليوم هو محاولة تعميم هذه المعادلة على غزة بعد حرب إبادة غير مسبوقة، وتحويل نتائج الدمار إلى فرصة لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني، لا لإنهاء الاحتلال.

حيث أن “إسرائيل”، وبحسب هيئة البث “الإسرائيلية”، لا تنوي الانسحاب من ما يسمى “الخط الأصفر” شرق غزة – وهو ما يشكل نحو 60% من مساحة القطاع – قبل إحراز “تقدم ملموس” في نزع سلاح حماس. أي أن الاحتلال يربط انسحابه، وفتح المعابر، وخصوصًا معبر رفح، بتحقيق هدف استراتيجي طالما عجز عن تحقيقه عسكريًا: تفكيك بنية المقاومة. هنا، يصبح وقف إطلاق النار أداة ضغط، لا التزامًا قانونيًا أو سياسيًا.

ثانيًا: نزع السلاح… من الأمن إلى السياسة

تُقدَّم مسألة نزع سلاح المقاومة، وخصوصًا حماس، باعتبارها شرطًا “تقنيًا” للاستقرار. لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية: السلاح في السياق الفلسطيني ليس ظاهرة منفصلة عن الاحتلال، بل نتيجة مباشرة له. المطالبة بنزع السلاح قبل الانسحاب الكامل، وفتح المعابر، ووقف الخروقات، تعني عمليًا مطالبة الضحية بتفكيك أدوات دفاعها فيما يبقى الجلاد حرًا في استخدام القوة.

اللافت أن حتى الطرح الأميركي يعترف ضمنيًا بهذه الإشكالية، حين يشير إلى أن نزع السلاح سيتم “على مراحل” وبشكل تدريجي، وأن حماس مستعدة لتسليم السلاح إلى “هيئة وطنية فلسطينية”. لا للإحتلال الإسرائيلي ولا لقوة دولية خاضعة لحق الفيتو “الإسرائيلي”. هذا الفارق ليس تقنيًا، بل سياسي بامتياز: هل يجري تحويل السلاح من أداة مقاومة إلى أداة ضمن نظام وطني سيادي، أم يجري نزعه نهائيًا لصالح فراغ أمني تتحكم به “إسرائيل” من الخارج؟

هذا الاعتراف يكشف تناقض الخطاب الأميركي: من جهة، الإصرار على نزع السلاح كهدف نهائي، ومن جهة أخرى، القبول بترتيبات انتقالية تعكس استحالة فرض هذا الهدف بالقوة السياسية وحدها.

ثالثًا: الإدارة الانتقالية… إدارة بلا سيادة

تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية برئاسة علي شعث، يضم نحو 14 شخصية مهنية من أبناء غزة، يُقدَّم كخطوة نحو “إدارة فلسطينية ذاتية”. غير أن هذه الإدارة، بحسب المعطيات نفسها، تعمل ضمن إطار مقيد: خلفيات أعضائها فُحصت أمنيًا من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل” ومصر، وصلاحياتها مرتبطة بمجلس سلام دولي، وإمكان حركتها على الأرض مرهون بقرار الاحتلال.

هنا تتجلى المفارقة الأساسية: إدارة فلسطينية يُفترض أن تدير قطاعًا لا تملك السيطرة على معابره، ولا على مجاله الجوي، ولا على حدوده البرية، ولا حتى على حركة أعضائها. إنها إدارة خدمات لا إدارة سيادة، أشبه ببلدية كبرى تعمل تحت الاحتلال، تُكلَّف بتخفيف المعاناة الإنسانية دون امتلاك أدوات سياسية لمعالجتها جذريًا.

لكن السؤال الجوهري هو: ما حدود صلاحيات هذه اللجنة؟ وهل ستعمل في بيئة سيادية حقيقية أم تحت سقف الاحتلال؟ فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن خلفيات أعضاء اللجنة خضعت لفحص أمني من الولايات المتحدة و”إسرائيل” ومصر، وأن عملها سيكون منسقًا مع ما يسمى “مجلس السلام الدولي”، برئاسة نيكولاي ملادينوف، والذي سيتولى الإشراف المالي على عملية إعادة الإعمار. هنا، يظهر بوضوح نمط مألوف: إدارة محلية محدودة الصلاحيات، مقابل مركز قرار فعلي خارجي يتحكم بالموارد، ويحدد ما هو الممكن وما هو المحظور.

رابعًا: مجلس السلام… وصاية دولية مقنّعة

الإعلان عن “مجلس السلام الدولي”، برئاسة نيكولاي ملادينوف، يعكس محاولة لإعادة إدخال الوصاية الدولية على غزة بصيغة جديدة. فالمجلس، الذي يُفترض أن يشرف على التمويل وإعادة الإعمار، يعمل بالتوازي مع اللجنة الفلسطينية، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: من صاحب القرار النهائي؟

المخاوف الفلسطينية من تحوّل المجلس إلى أداة لإعادة هندسة النظام السياسي ليست مبالغة. التجارب الدولية تُظهر أن مثل هذه المجالس غالبًا ما تتحول إلى مراكز قرار فعلية، فيما تُترك الإدارات المحلية لتنفيذ سياسات مرسومة سلفًا. وفي الحالة الفلسطينية، يصبح الخطر مضاعفًا حين تُستخدم المساعدات والإعمار كوسيلة ضغط سياسي وأمني.

حيث إن “إسرائيل”، في هذا السياق، لا تريد “سلامًا” بقدر ما تريد حرية عمل عسكري دائمة، مع تحميل الفلسطينيين كلفة الاستقرار الأمني. وهذا ما يفسر إصرارها على الاحتفاظ بحق التدخل، حتى في ظل وجود قوة دولية، وتحويل هذه القوة – إن شُكّلت – إلى مجرد آلية فصل، لا ضمانة سياسية أو قانونية.

ثم إن الغموض المحيط بتشكيل هذه القوة، وغياب جدول زمني واضح، وربط انتشارها بموافقة “إسرائيل”، يطرح تساؤلًا أساسيًا: هل نحن أمام قوة لحماية المدنيين، أم أداة إضافية لإدارة الصراع وتجميده عند مستوى مقبول إسرائيليًا؟

خامسًا: “إسرائيل”… العرقلة كاستراتيجية

في مقابل هذا الحراك السياسي، تواصل “إسرائيل” استراتيجيتها التقليدية: المماطلة، وفرض الوقائع، وربط كل تقدم بشروط جديدة. رفض الانسحاب من “الخط الأصفر” الذي يشكّل نحو 60% من مساحة غزة، الإبقاء على إغلاق معبر رفح، وارتكاب أكثر من 1187 خرقًا لوقف إطلاق النار، كلها مؤشرات على أن “إسرائيل” لا تنظر إلى المرحلة الثانية كالتزام، بل كورقة تفاوض مفتوحة.

لا يمكن فصل الموقف “الإسرائيلي” المتشدد عن السياق الداخلي، وخصوصًا اقتراب الانتخابات. حكومة بنيامين نتنياهو، المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، تستخدم ملف غزة كورقة سياسية داخلية، وتراهن على سياسة المماطلة لكسب الوقت. فالانسحاب الكامل من غزة، وفتح المعابر، والاعتراف بأي صيغة حكم فلسطيني مستقلة نسبيًا، كلها خطوات قد تُقرأ داخليًا كهزيمة سياسية. من هنا، يصبح عامل الزمن أداة ضغط إضافية على الفلسطينيين: إما القبول بشروط مجحفة تحت عنوان “المرحلة الثانية”، أو العودة إلى مربع التصعيد والفوضى الإنسانية.

سادسًا: الوسطاء وحدود الدور

تعوّل المرحلة الثانية على دور الوسطاء – مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة – كضامنين. غير أن فعالية هذا الضمان تبقى موضع اختبار. فحتى اللحظة، يعترف مسؤولون أميركيون بعدم وجود تقدم في ملف قوة الاستقرار الدولية، ويقرّون بأن فتح معبر رفح “قرار إسرائيلي”.

هذا الاعتراف يختصر جوهر الأزمة: لا يمكن لمرحلة ثانية أن تنجح ما دام الاحتلال يحتفظ بحق الفيتو على كل تفصيل ميداني. الضغوط الحقيقية على “إسرائيل“، وليس البيانات التفاؤلية، هي وحدها الكفيلة بتحويل الاتفاق من نص سياسي إلى واقع فعلي.

ما بين الإدارة والتحرر

في التحليل الأخير، تكشف “المرحلة الثانية” من اتفاق غزة عن صراع بين منطقين: منطق إدارة الصراع ومنطق حله. المقاربة “الأميركية–الإسرائيلية” تسعى إلى الأول، عبر نزع السلاح، وضبط الأمن، وإدارة السكان. أما الفلسطينيون، فيرون أن أي استقرار حقيقي لا يمكن أن يقوم دون إنهاء الاحتلال، وانسحاب كامل، وسيادة فعلية.

لجنة التكنوقراط، مهما بلغت كفاءتها، لا تملك عصا سحرية. نجاحها مرهون بتغيير قواعد اللعبة، لا بإدارتها ضمن الشروط نفسها. وفي غياب هذا التغيير، تبقى المرحلة الثانية مهددة بأن تتحول من فرصة لإنهاء الحرب، إلى محطة جديدة في سلسلة طويلة من إعادة إنتاج الأزمة الفلسطينية تحت عناوين مختلفة.

حيث أن التحدي الحقيقي أمام الفلسطينيين لا يكمن فقط في إنجاح لجنة التكنوقراط أو تأمين تمويل الإعمار، بل في منع تحويل هذه المرحلة إلى مدخل لفصل غزة سياسيًا عن الضفة، أو لإعادة إنتاج الاحتلال بصيغة أقل كلفة للإحتلال وأكثر قبولًا دوليًا. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على نزع سلاح الضحية، بل على إنهاء أسباب الصراع: الاحتلال، والحصار، وغياب العدالة. وكل ما عدا ذلك، ليس سوى إدارة مؤقتة لأزمة دائمة.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

admin

موقع Wakala News يقدم أحدث الأخبار العالمية والعربية لحظة بلحظة، بتغطية دقيقة وموثوقة للأحداث السياسية والاقتصادية والتقنية حول العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى