يعتبر ترويج أبوظبي للصوفية بمثابة قاعدة أيديولوجية ودينية لسياستها الخارجية العدوانية في المنطقة.

استخدمت أبوظبي قدراتها الإلكترونية ليس فقط للتخريب والتجسس، ولكن لتعزيز روايات تقوض المجتمع المدني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتعتبر رواية الإمارات “للتسامح” و”التعايش الديني” ليست مجرد أداة قوة ناعمة لنزع الشرعية عن الإسلام وتقويض الإسلاموية في المنطقة؛ كما أنها تسعى للترويج لشكل من الإسلام يتسم بالهدوء السياسي.

تتفهم دولة الإمارات جيدًا قوة الدين والأيديولوجية في تعبئة المجتمع المدني في العالم العربي، إن الترويج للصوفية ليس إلا علمانية، فهي بمثابة قاعدة أيديولوجية ودينية لموقف السياسة الخارجية العدواني في المنطقة.

فصل المسجد والدولة

منذ منتصف القرن الماضي، كانت أبوظبي، مركز ثقل اتحاد الإمارات السبع، في موقف هجومي، لتشجيع شكل من أشكال “الاستثنائية الإماراتية” التي لا تستند فقط إلى الحريات الاجتماعية والاقتصادية النسبية، ولكن أيضًا إلى الدعوة إلى الفصل بين المسجد والدولة.

أشاد البعض بنموذج أبوظبي باعتباره جيفرسونيا الدولة الشرق أوسطية التي تعزز العلمانية في المنطقة، وهي هدية للمحافظين الغربيين الجدد والليبراليين الذين يعتبرون دور الإسلام في دول الشرق الأوسط مشكلة.

لقد تم تصميم رواية الإمارات بشكل يستقطب الجمهور الغربي، خاصة الأمريكي، في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، والطفرة الإسلامية خلال الربيع العربي، وصعود “الدولة الإسلامية”.

ومع ذلك، بالنسبة لأبوظبي، فإن حملتها ضد الإسلام في الفضاء السياسي لها هدف آخر أكثر شرا، وهو عدم تسييس المجتمع المدني مع احتكار السلطة الاجتماعية والسياسية في أيدي الدولة.

إن خوف أبوظبي من الإسلام نابع من جاذبية القوى السياسية للإسلام السياسي باعتباره المعارضة التقليدية للوضع الاستبدادي الراهن في المنطقة.

ينبع القلق من الإسلام السياسي بين النخبة في أبوظبي من الاعتقاد بأنه في حال رواج روايات الإسلام بأهداف سياسية، لن يكون من الممكن السيطرة عليها من قبل الدولة أو النظام، ما يخلق ديناميكية اجتماعية يمكن أن تقوض الوضع الراهن، وكان الربيع العربي مثالاً على ذلك.

وبالتالي، عندما بدأ الوضع السلطوي في الانهيار في عام 2011، سارعت الإمارات إلى حشد قوتها المالية والعسكرية لتشكيل المسار الاجتماعي السياسي المستقبلي في المنطقة.

من ليبيا إلى مصر واليمن والسودان، كانت الإمارات القوة الأولى في المنطقة المعادية للثورة، حيث تحاول تثبيت الأنظمة، وتدافع عن الحكم العسكري لتظل محصنة ضد الإسلام السياسي.

تبييض الحملات الاستبدادية

لكن ما تحتاجه أبوظبي كان رواية بديلة، قادرة على تبييض الحملات الاستبدادية كعمليات مكافحة للإرهاب تعزز “التسامح” العلماني.

لقد قدمت الصوفية، وهي فرع إسلامي هادئ سردية بديلة للإسلام تقوم على نسخة أكثر قبولا لدين تم تشويهه على نطاق واسع في الغرب.

وبصفتها البطل المعلن عن نفسه في مكافحة الإرهاب، استخدمت أبوظبي الصوفية بمهارة لتمثيل “الإسلام الحقيقي” الذي يوفر علاجًا واضحًا ضد ما اعتبرته “العناصر المتطرفة”، مع إلقاء اللوم بالكامل على النص الديني لانتشار “التطرف”، وبالتالي إهمال العوامل الاجتماعية والسياسية الدافعة للتطرف.

وفي سبيل ذلك، رعت أبوظبي مراكز لاهوتية في ليبيا ومصر والإمارات، بهدف نشر نسخة هادئة من الإسلام.

وكانت الرسالة سياسية بشكل واضح عندما دعا مؤتمر جروزني لعام 2016 حول الإسلام السني، (بتمويل مشترك من الإمارات ومصر وبالتنسيق مع الرئيس الشيشاني “رمضان قديروف” الصديق الشخصي لولي عهد أبوظبي “محمد بن زايد”) إلى العودة إلى نسخة أكثر تسامحاً من الإسلام ترفض الانخراط في السياسة.

وعندما دعا منتدى الإمارات لتعزيز السلام في المجتمعات الإسلامية، بقيادة الباحث الصوفي “عبدالله بن بية”، إلى الفصل بين المسجد والدولة، كانت الرسالة سياسية، حيث دعا إلى عدم تسييس المجتمع المدني، وجعل الطاعة للحاكم السياسي فضيلة إسلامية.

وكانت الرسالة سياسية، عندما شغل “عارف النايض”، (وهو باحث صوفي من ليبيا)، منصب سفير ليبيا في الإمارات وترأس مؤسسة القلم الإسلامية التي تتخذ من دبي مقراً لها، والتي وصفت الثوريين الإسلاميين في ليبيا بأنهم إرهابيون.

الحفاظ على شرعية النظام

لقد أصبحت الصوفية أداةً جيوبوليتيكية للقوة الناعمة من قبل دولة الإمارات من خلال الترويج للمراكز والعلماء، حيث أصبحت الصوفية منبراً غير السلفية يوفر المبرر الأخلاقي لتضييق الخناق على المعارضة السياسية والمجتمع المدني، وتقديم الأساس المعرفي للمساواة بين الإسلام والإرهاب، وهما عنصران أساسيان في استراتيجية أبوظبي في المنطقة.

عندما استخدم “خليفة حفتر” الليبي العنف بشكل عشوائي للهجوم على الحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة في طرابلس؛ وعندما قام “عبدالفتاح السيسي” بحملات القمع ضد المعارضين؛ أو عندما أدار المجلس الانتقالي الجنوبي معسكرات تعذيب للإسلاميين في اليمن، فإن شبكة المعلومات الدينية في الإمارات كانت تقدم تبريرات أيديولوجية.

وخلال ذلك، قامت الإمارات بتسييس العلمانية واستخدامها كوسيلة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، وقد أصبح لذلك دور رئيسي في الحفاظ على شرعية النظام في ليبيا ومصر وأبوظبي، لذا برزت سردية “التسامح”، وهي رواية تعظ بالتعايش مع الأديان، مع إضفاء الشرعية على التعصب تجاه أولئك الذين يعارضون الوضع الاجتماعي والسياسي الراهن.

في النهاية، خلقت ممارسة أبوظبي للدين ثنائيات إسلامية زائفة بين الصوفية وغيرها من أشكال الإسلام السياسي حيث جعلتها الشكل الذي يسيطر عليه النظام، والشكل الآخر يسيطر عليه من يعارضون النظام.

 

المصدر | أندرياس كريج | ميدل إيست آي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد