مقتل أبو شباب.. سقوط أخطر مشاريع الاحتلال في غزة
مقتل أبو شباب.. سقوط أخطر مشاريع الاحتلال في غزة
يعيش المشهد الفلسطيني في قطاع غزة لحظة حاسمة تكشف حجم الفشل الذي مُني به الاحتلال في محاولاته لإعادة تشكيل الواقع الداخلي للقطاع عبر صناعة قوى محلية تدور خارج الإطار الوطني. فمع انتهاء دور ياسر أبو شباب، تتبدّى ملامح انهيار مشروع إسرائيلي كان يُعوَّل عليه لفرض وقائع ميدانية جديدة، ترتكز على خلق نماذج من الوكلاء المحليين القادرين ـ وفق تصوّر الاحتلال ـ على تفكيك البنية الوطنية وتشكيل مسارات بديلة تخدم استراتيجياته.
لقد استند المشروع الإسرائيلي منذ بدايته إلى محاولة استغلال الظروف الصعبة في قطاع غزة لصناعة مجموعات تعمل خارج التوافق الوطني، وتتبنّى أجندات لا تعبّر عن المجتمع الفلسطيني، بل تمثل امتدادًا لسياسات الاحتلال في السيطرة والتهجير وخلق “مناطق خالية من الوطنيين”. غير أنّ نهاية أبو شباب، بغضّ النظر عن تفاصيل السيناريو الذي أفضى إلى مقتله، شكّلت إشارة واضحة إلى انهيار هذا النهج قبل أن يترسخ، وإلى فشل الاحتلال في إيجاد بيئة تتقبّل مثل هذه المشاريع.
يعود هذا الفشل في جوهره إلى ثلاثة عوامل رئيسية. أولها غياب الحاضنة الاجتماعية لأي تشكيلات تعمل خارج الإجماع الوطني، إذ لطالما أثبت المجتمع الفلسطيني في غزة تمسّكه بمبادئه وقيمه ورفضه القاطع لأي جهة تحاول شقّ الصف الداخلي أو التلاعب بالبنية الاجتماعية المتماسكة. أما العامل الثاني فهو موقف العشائر والعائلات، التي لطالما شكّلت ركيزة أساسية في حماية السلم الأهلي، ورفضت بشكل قاطع أن تكون غطاءً لأي تشكيلات وظيفية تعمل ضد مصالح الشعب. أما العامل الثالث فهو قدرة المقاومة، على اختلاف مستوياتها، على تفكيك أي بنية يمكن أن تشكل تهديدًا للأمن الوطني الفلسطيني أو تمهّد لاختراق داخلي يستفيد منه الاحتلال.
وما حدث لم يكن مجرد حادثة أمنية معزولة، بل سقوط مسار كامل استثمر فيه الاحتلال سياسيًا وأمنيًا وإعلاميًا، لتصويره كأنّه خيار واقعي يمكن عبره إعادة هندسة غزة سياسيًا واجتماعيًا. لم يدرك الاحتلال أن القطاع ليس مساحة قابلة لإعادة تشكيلها وفق هوى القوة العسكرية، بل بيئة اجتماعية صلبة، تمتلك وعيًا وطنيًا متجذرًا يجعل من أي بنية مصطنعة مشروعًا هشًّا لا يمتلك الحد الأدنى من الشرعية.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن الاحتلال غالبًا ما يراهن على هذه الشخصيات لأدوار مؤقتة، ثم يتخلى عنها بمجرد انتهاء فائدتها الوظيفية، وهو ما يدركه الفلسطينيون جيدًا. لذلك، لم تكن محاولات الاحتلال لخلق نموذج محلي بديل سوى مقامرة مكشوفة، سرعان ما انتهت إلى الفشل، خصوصًا أنها لم تجد أرضية اجتماعية تستند إليها، ولم تتمكن من اختراق الوعي الجمعي الذي يرفض أي سلطة تأتي على ظهر دبابة أو على أنقاض الانقسام الداخلي.
اللافت في التطورات الأخيرة هو أن رد الفعل الشعبي كان واضحًا وحاسمًا، فقد استُقبل نبأ مقتل أبو شباب بتعبيرات واسعة عن الارتياح، تعكس إدراك المجتمع الفلسطيني لخطورة الدور الذي كان يلعبه، ووعيه بأن مثل هذه النماذج لا يمكن أن تكون جزءًا من النسيج الوطني. هذا التفاعل الشعبي يعكس مستوى الوعي الوطني المتجذّر، ويؤكد أن المجتمع الفلسطيني يمتلك مناعة داخلية تحول دون نشوء أي واقع مزيّف أو بنية مصطنعة يُراد لها أن تُمثّل الفلسطينيين أو تتحدث باسمهم.
وعلى المستوى السياسي، جاءت بيانات المقاومة لتؤكد أن المصير الذي لقيه أبو شباب يمثل نموذجًا لكل من يختار الخروج على الإجماع الوطني والتعاون مع الاحتلال. فقد شددت المقاومة على أن ما ارتكبه من أفعال يمثّل خروجًا فاضحًا عن قيم المجتمع الفلسطيني وأعرافه، وأن هذا المسار محكوم عليه بالفشل مهما بلغت محاولات الاحتلال من تضليل أو اختراق.
كما ثمّنت المقاومة مواقف العائلات والقبائل التي تبرأت من كل من يتعاون مع الاحتلال، معتبرة ذلك دليلًا على وحدة الشعب وصلابة موقفه الوطني. ووجّهت رسالة واضحة بأن الاحتلال العاجز عن حماية عملائه لن يتمكن من حماية أي من أذنابه، وأن مصير كل من يعبث بأمن الوطن أو يقدم خدمات للاحتلال هو السقوط في العزلة والنبذ الاجتماعي.
أما على الجانب الإسرائيلي، فقد أكدت إذاعة الجيش مقتل أبو شباب في رفح، وأنه نُقل إلى مستشفى “سوروكا” قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. هذا الإعلان، على ما يحمله من تفاصيل، يشير إلى ارتباك واضح لدى الاحتلال، إذ جاء مترافقًا مع محاولة لتخفيف وقع الخبر، فيما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية تصريحات لمسؤولين أمنيين تلوّح بأن “الدور انتهى”.
في المحصلة، لا يمثّل مقتل أبو شباب نهاية شخص فحسب، بل نهاية خيار إسرائيلي استراتيجي كان يستهدف إعادة تشكيل غزة من الداخل. والرسالة التي خرجت بها غزة اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: لا مجال لإنشاء وكلاء محليين، ولا مكان لأي مشاريع مشبوهة، ولا قوة يمكنها شقّ وحدة المجتمع الفلسطيني أو فرض واقع لا يعترف به أهله. فالبيئة الوطنية في غزة أثبتت مجددًا أنها أشد صلابة من الاختراق، وأن كل مشروع قائم على العمالة محكوم عليه بالانهيار قبل أن يرى النور.
■ مصدر الخبر الأصلي
نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com
تاريخ النشر:
الكاتب:
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.



