مستقبل السياسة الخارجية العمانية في عهد السلطان الجديد

7

الوقت – بعد وفاة السلطان قابوس الملك العماني السابق، عُين ابن عمه “هيثم بن طارق آل سعيد” خلفًا له.

نظرًا لثبات السياسات العمانية على مدار الأربعين عامًا الماضية وحكم السلطان قابوس، أصبحت التكهنات المختلفة حول تحديد الاتجاه المستقبلي لسلطنة عمان في ظل حکم هيثم بن طارق، موضوعًا مهمًا للتحليلات السياسية والإعلامية لهذا البلد الخليجي الصغير.

الملك الجديد

كان أمام المجلس الملكي العماني، الذي يتألف من خمسين رجلاً من أقرباء السلطان قابوس، ثلاثة أيام لترشيح حاكم جديد. ووفقًا للقانون العماني، يجب أن يكون السلطان الجديد “عضوًا في العائلة المالكة، ومسلماً وبالغاً وعاقلاً وابناً مشروعاً لوالدين عمانيين”.

بموجب هذا التعريف، کان يمكن أن يخلف الملك أكثر من ثمانين شخصًا. ولكن من ناحية أخرى، نظرًا لظروف عمان الخاصة، فقد لعبت وصايا السلطان قابوس وضرورة اختيار شخصية معروفة وکذلك قرارات المجلس الملكي، دوراً حاسماً في تحديد الخليفة.

لقد تُركت رسالة مختومة من السلطان قابوس لتعيين الخليفة، تقليلاً للنزاعات بعد وفاته. وقد تم انتخاب “هيثم بن طارق” ملكًا جديدًا بعد اجتماع المجلس الملكي ومجلس الدفاع. وأعلن التلفزيون العماني الحكومي أيضاً أن انتخاب خليفة الملك الراحل، استند إلى رسالة كتبها السلطان قابوس في هذا الصدد.

ولد السلطان الجديد في مسقط في أكتوبر 1954، وهو عضو معروف من عائلة “آل بو سعيدي” الملكية.

لقد تخرَّج من جامعة أكسفورد، ثم واصل دراسته في کلية “بيمبروك” بجامعة “كامبردج” في عام 1979، في بريطانيا. شغل العديد من المناصب في قطاعات الثقافة والرياضة والسياسة والدبلوماسية والمؤسسات الاقتصادية في سلطنة عمان. وهو أيضًا ينتمي إلی عائلة بو سعيد، المنسوبة إلى أحمد بن سعيد(1741)، وهو أحد مؤسسي الحكم العماني.

عمل هيثم بن طارق في بعض الأحيان كمبعوث خاص للسلطان قابوس. وبين عامي 1983 و1986، كان رئيسًا للاتحاد العماني لكرة القدم، کما ترأس اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الآسيوية الشاطئية الثانية 2010.

کما شغل أيضًا منصب نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية لمدة ثماني سنوات، وبدأت هذه الفترة من أنشطته السياسية والدبلوماسية بعد أن کان رئيساً لاتحاد كرة القدم.

ثم في عام 1994، عينه السلطان قابوس أميناً عاماً لوزارة الخارجية، ثم شغل منصب وزير الثقافة العماني من عام 2002 حتى انتخابه ملکاً جديداً. وكان حاضراً في حفل تنصيب حسن روحاني للولاية الثانية في طهران.

سياسات الملك الجديد

في خطاباته الأولى بعد اختياره ملکاً، أعلن هيثم بن طارق أنه سيواصل سياسة “عدم التدخل”. وقال في هذا الصدد: “تستند هذه السياسة إلى التعايش السلمي بين الأمم، وسلطنة عمان لا تنوي التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، بهدف احترام السيادة الوطنية للدول الأخرى وكذلك التعاون الدولي”. كما أكد أن بلاده ستواصل السير على طريق السلطان قابوس.

بعد تدهور صحة ملك عمان الراحل، كانت هناك همسات منذ أشهر حول أربعة أشخاص بارزين للخلافة. وكان اختيار كل واحد منهم يدل على اتجاه عمان الجديد.

أحد هؤلاء الذي كان من أهم منافسي هيثم بن طارق، هو “أسعد بن طارق آل سعيد” ابن عم السلطان قابوس ونائب رئيس الوزراء لشؤون التعاون والعلاقات الدولية، الذي كان لديه خلفية تعليمية وعسكرية، وكان يمثل السلطان قابوس في المؤتمرات الدولية الهامة.

ومن بين الأشخاص الآخرين، “شهاب بن طارق” القائد السابق للبحرية العمانية، و”تيمور بن أسعد” وهو ابنُ ابنِ عم السلطان قابوس بن سعيد، البالغ من العمر 38 عاماً.

قبل بضعة أشهر من خلافة طارق، كتبت صحيفة “رأي اليوم” في تقرير: “إن التحالف السعودي والکيان الإسرائيلي يسعيان لخلافة أسعد بن طارق”. والسبب في ذلك هو خلفية بن طارق العسكرية ودراسته في إحدى الجامعات التي درس فيها بن زايد، ورغبة بن طارق للعب عمان دوراً أكبر في التحالف السعودي.

ومع ذلك، فإن عمان بلد يعتمد على تجارة النفط وصادراته. من ناحية أخرى، فإن الديانة المهيمنة في هذا البلد هي الأباظية، التي ليس لها اتساق ايديولوجي مع التحالف العربي. وعلى الرغم من أنه في الحرب علی اليمن، بذلت السعودية والإمارات من خلال استفزاز عمان، جهودًا كبيرةً لإخراج مسقط من الحياد، لكنهما قد فشلتا في النهاية.

يلعب مجلس عمان الملکي دوراً هاماً في تحديد السياسة الداخلية والخارجية لسلطنة عمان، وبسبب عدم وجود أحزاب في سلطنة عمان، كان دور المجلس في تحديد الخليفة حاسماً في النهاية.

لذلك، فإن وجهة نظر هذا المجلس حول تعيين الخليفة، تعني التوجهات الأساسية للمجلس الملكي لرسم السياسة المستقبلية لسلطنة عمان، والذي لم يظهر رغبةً في انتهاج سياسة أمنية في السياسة الخارجية.

البعد الكاريزمي وسجل السلطان قابوس الرائع في إصلاح الشؤون الاقتصادية وسبل العيش والشؤون الاجتماعية في سلطنة عمان، جعل الشعب والنخب في عمان يتوقعون أن يواصل الملك الجديد سياسة الحياد وتعزيز مستوی الاقتصاد العماني. وبالنظر إلى سجل هيثم بن طارق ورئاسته السابقة للجنة الرئيسية للرؤيــــــة المستقبلية “عُمان 2040″، فإن انتخابه من قبل المجلس الملكي وربما رسالة السلطان قابوس المختومة، يؤكد على حياد عمان ونهجها الاقتصادي.

من ناحية أخرى، فإن خلفيته في المناصب الثقافية والرياضية، جلبت له شعبيةً أكبر بين جيل الشباب والشعب العماني.

بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي والجيوسياسي لإيران، فإن سياسة عمان على مدى الأربعين عاماً الماضية كانت ثابتةً تجاه إيران. وبسبب هذا التأثير الجيوسياسي والسياسي، من المتوقع أن يواصل الملك الجديد نفس النهج السابق والمتزايد في المجالات التجارية والسياسية والجيوسياسية تجاه إيران.

مع ذلك، فإن الملك الجديد ليس لديه الكاريزما الخاصة للملك قابوس. حيث كان للسلطان قابوس القول الفصل في تحديد جميع التوجهات والقرارات في سلطنة عمان، ولكن في ظل الظروف الحالية سوف يزداد دور المجلس الملكي. كذلك من المتوقع أن يتوسع في المستقبل دور البرلمان العماني، الذي حل محل المجلس الاستشاري منذ عام 1991.

في هذه الظروف، وبالنظر إلى أن الملك الجديد على عكس الملك قابوس ينتمي لعائلة كبيرة، لذلك سوف يتزايد خوف المنافسين من تركيز السلطة في هذه العائلة في المستقبل، وعلى الرغم من أن القانون العماني ينص على آلية لمنع تركيز السلطة في أسرة محددة، لكن استقطابات السلطة ستزداد في مستقبل سلطنة عمان، وهذا يمكن أن يزيد من جشع التحالف العربي للتأثير في السياسة العمانية.

ومع ذلك، بالنظر إلى الآثار الإيجابية للسياسة الخارجية المتمثلة في “الصداقة مع الجميع ولا عداء لأحد”، في الحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني والنمو الاقتصادي في سلطنة عمان، في ظل الظروف المضطربة في المنطقة والنظام الدولي، يبدو من المرجح أن تكون استراتيجية استمرار الحياد في السياسة الخارجية، موضع إجماع المؤسسات المؤثرة في صنع السياسات.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.