مساهمة الجيش البريطاني في مكافحة “كورونا” سترفع معنويات الشعب أظن أنّ الكثيرين سيجدون الوجود العسكري ولو كان محدوداً مدعاة لمزيد من الاطمئنان بدلاً من القلق

7

عناصر من الكتيبة الملكية الاسكتلندية الرابعة يسهمون في بناء سواتر ضد السيول بغرب يوركشاير (غيتي)

 

لقد كان إعلاناً صغيراً طغى عليه القرار الفوري بإغلاق جميع المدارس. لكن أهميته كانت كبيرة بالقدر ذاته، على الأقل. فقد ضاعف بن والاس، وزير الدفاع عدد القوات المتأهبة للمساعدة في الاستجابة لطوارئ تفشي فيروس كورونا في بريطانيا، واستدعى جنود الاحتياط.

يقف الآن عشرون ألف عنصر من “قوة دعم كوفيد” على أتمّ الاستعداد، وهو التزام كبير بالنسبة إلى بلد يبلغ قوام قواته المسلحة مجتمعة 150 ألف جندي.

إنّ قراراً كهذا حكيم بالتأكيد. ففرنسا بدأت سلفاً باستخدام قواتها العسكرية لنقل المرضى المصابين بأمراض حادة جواً من أنحاء البلاد التي تعاني مرافقُها الطبية الضغط، إلى مناطق أخرى لا تزال تتمتع بطاقة استيعابية. وفي إيطاليا، تنقل الآليات العسكرية التوابيت من المستشفيات إلى محرقة الجثث.

وعلى أي حال، فقد باتت دوريات الجنود تُشاهَد بانتظام في المحطات الرئيسة والمطارات في جميع أنحاء إيطاليا، كما هي الحال في بلجيكا وبعض الدول الأوروبية الأخرى. وفي إسبانيا، نُشر الجيش للقيام بدوريات في بعض المدن وفرض حظر التجول.

لكن، غالباً ما كانت حكومات المملكة المتحدة بشكل عام، تتردّد بنشر الجيش في الأوضاع المدنية، مُفضلةً الاعتماد على الشرطة وخدمات الطوارئ الأخرى. فقد ساعدت أعداد صغيرة منها خلال الفيضانات الأخيرة، وفي أغسطس (آب) الماضي، أُرسلت طائرات هليكوبتر تابعة لسلاح الجو الملكي لتقديم العون لجهود تعزيز سد ديربيشاير. كما حُشد الجيش خلال تفشي مرض الحمى القلاعية عام 2001. ومع ذلك، لم يُستدع الجنود إلى موقع حريق برج غرينفيل، حيث كان من الممكن أن يكمّلوا بخبرتهم ومعداتهم على نحو مفيد، خبرة فرقة إطفاء لندن.

بعدما أمر دونالد ترمب بإرسال سفينة على شكل مستشفى إلى ميناء مدينة نيويورك، لتعويض نقص الأسرّة في المستشفيات بسبب فيروس كورونا، وطُرحت مقترحات لتجربة الأمر ذاته هنا، لخّص مسؤول عسكري الموقف البريطاني بشكل جيد عندما قال: “لماذا تضع المرضى على متن سفينة نائية عارية بينما هناك غرف فنادق فارغة؟ سيكون من الأفضل حجز فندق هوليداي إن بجوار المستشفى”.

بالتالي، فإنه بالنظر إلى هذه الخلفية، يجب أن يكون إعلان وزير الدفاع مقياساً لمدى جدية حالة الطوارئ الحالية من وجهة نظر كبار المسؤولين الحكوميين في بريطانيا. لكن بماذا نفسّر انعدام الرغبة نسبياً لدى حكومات المملكة المتحدة في استدعاء الجيش، مقارنة بالحكومات في أماكن أخرى في أوروبا وحتى الولايات المتحدة؟

قد يرجع أحد الأسباب إلى حد كبير إلى الذاكرة الشعبية للفرح الذي استُقبلت به نهايةُ عملية التجنيد في الحرب العالمية الثانية. كانت نهاية التجنيد بالنسبة إلى كثيرين تعني النهاية الحقيقية للحرب، ولم تكن هناك أي شهية لإحياء الخدمة العسكرية الإلزامية منذ ذلك الحين، على الرغم من أنّ بعض البلدان، مثل السويد، فعلت ذلك حديثاً. تفخر المملكة المتحدة بجيش محترف للغاية، وتفصل تماماً بين القوات المسلحة والمدنيين، وتتجنّب أي شيء قد يخلط بين الاثنين.

يُحتمل أن يكون السبب الآخر هو الرأي السائد في أعلى هرم القوات المسلحة بأن مهمة الجيش تكمن في خوض الحروب، أو في الأقل المساهمة في حفظ السلام الدولي. يتجسّد هذا الموقف في المزحة الشهيرة لمستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس عندما قالت إن الفرقة 82 المحمولة جواً لا شأن لها في “مرافقة الأطفال إلى الحضانات”. كانت تتحدث عن عواقب حرب البوسنة في ذلك الوقت، لكن يمكنك إدراك وجهة نظرها. يمكن اعتبار مشاركة ضابط في فوج النخبة من المظليين في عمليات مدنية بمعظمها، تبديداً للتدريب والمعدات المتطورة.

في سياق المملكة المتحدة اليوم، قد تقترن هذه المخاوف بهاجسين اثنين آخرين. الأول هو أن تكليف قوات ثمينة بأداء مهام مدنية، يُفترض أنها “أكثر ليونة”، يمكن أن يعني شغل القوات المسلحة المستنزفة أصلاً، بأعمال أقل مستوى من الغرض الرئيس لوجودها والمتمثل في الدفاع عن الأمة. والهاجس الثاني، الأقل نُبلاً ربما، هو أنّ أي قبول لدور مدني إضافي للقوات المسلحة، يمكن أن يقوّض مطالباتها بمعدات عسكرية جديدة باهظة الثمن في وقت تجري فيه مراجعة السياسة الأمنية.

وحتى الآن، ليس من الواضح على الإطلاق متى سيُنشر الجيش، أو حتى ما إذا كان سيُنشر، على سبيل الاستجابة لأزمة فيروس كورونا. وحسب وزير الدفاع، سيُنشر الجيش فقط تلبيةً لطلبات رسمية من الإدارات الحكومية. ومع ذلك، أعتقد أنّ كثيرين، ممّن يشعرون بغموض مليء بالشؤم من حولهم، سيجدون حتى الوجود العسكري المحدود مدعاةً لمزيد من الاطمئنان، بدلاً من للقلق.

في الحالات النادرة التي نُشرت فيها القوات المسلحة داخل البلد، وبغضّ النظر عن الأعداد، كان الرد الشعبي إيجابياً دائماً. يشعر الناس بالامتنان عندما تظهر عناصر القوات النظامية في حالات الطوارئ، فهم يحظون بثقة الشعب كاحترافيين من الطراز الأول. عام 2012، بعد تعاقد شركة G4S الأمنية الخاصة لتوفير العاملين في نقاط التفتيش الأمنية في أولمبياد لندن، اتُّخذ قرار بتدخل القوات المسلحة. وقد لقيت مساهمتها الثناء باعتبارها حققت نجاحاً كبيراً، إذ كان العسكريون مدربين تدريباً جيداً، وفاعلين ومتواضعين.

 فلماذا لم تُبذل أي محاولة حقيقية لتكرار هذه التجربة أو الاستفادة منها، لأن دوراً أكثر وضوحاً للجيش في الوطن قد يؤثر ايجاباً في البلاد ككل. كما يمكن لدور كهذا أن يساعد في تضميد الكثير من الجراح.

 لقد ترك تورّط المملكة المتحدة حديثاً في حروب فاشلة إرثاً من عدم الثقة لدى الجمهور تجاه الحكومات والقيادة العسكرية، فمن الصعب العثور على أي نجاحات في العراق وأفغانستان وليبيا. لذا، ليست هنالك شهية كبيرة لأي تدخل خارجي جديد. عام 2011، ضغط الناخبون على نوابهم لمنع تدخل عسكري جديد في سوريا، ورضي ديفيد كاميرون بالهزيمة. ومع ذلك، أُرسل مدربون وقوات خاصة.

في هذا الصدد، اعترف كبار الضباط الأكثر واقعيةً في مناسبات مختلفة بالتآكل المؤسف لما يُعرف باسم “ميثاق القوات المسلحة”، الذي يقتضي معاملة أفراد الجيش بإنصاف واحترام من قبل المجتمع المدني. وممّا يرمز بشدة إلى العلاقات المتصدّعة بين القوات المسلحة والشعب، ما حدث في بلدة ويلتشاير في ووتون باسيت، عندما تقاطر الناس لتقديم واجب العزاء بالذين قُتلوا في أفغانستان أثناء نقل توابيتهم إلى الكنيسة من القاعدة الجوية لاينهام.

فقد أصبح هذا المشهد العام الحزين بين عامي 2008 و2011 مصدراً للحرج وليس للفخر، بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية، ولذلك تقرّر تغيير المسار. ويبدو الآن، من خلال شجب عدد من كبار الشخصيات العسكرية الانسحاب الوشيك للمملكة المتحدة من أفغانستان، أن بعض القادة العسكريين والسياسيين ما زالوا يعيشون حالة إنكار بشأن مدى الدعم الشعبي لمغامراتهم.

إنّ نشر وحدة عسكرية خاصة للمساعدة في أزمة فيروس كورونا من شأنه المساعدة في إعادة بناء الروابط المفقودة بين القوات المسلحة والمدنيين في هذا البلد، وتتمتع القوات المسلحة بالتدريب والخبرة والمعدات النوعية التي تؤهلها للتعامل مع حالات الطوارئ القصوى، وقد تكون هناك حاجة ماسة إليها للأسف في الأسابيع المقبلة.

لقد شاركوا بالفعل في إجلاء المواطنين البريطانيين من أماكن بعيدة، مثل اليابان وكوبا. إنّ رؤيتهم يعملون بجدّ داخل البلد لن يؤدي فقط إلى تعزيز الروح المعنوية، لديهم ولدينا، بل أيضاً إلى الدعم العام لميثاق القوات المسلحة وحتى لميزانية عسكرية محسّنة (قليلاً).

© The Independent

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.