ماذا يحيك الحريري؟

22

“ليبانون ديبايت” – عبدالله قمح

أسبوعٌ مرَّ على إنقضاءِ عطلةِ الأعياء في لبنان، فلا عادَ الرئيس سعد الحريري إلى مزاولةِ نشاطهِ السياسي ولا عادَ إلى “أعمالِ التصريفِ”، وما يرشح من معلوماتٍ يؤشر إلى أنّ إستقراره في الخارجِ سيطول وقد يذهب في رحلةٍ طويلةٍ في حال تشكيل الحكومة متنقِّلًا بين قصرهِ الفاخرِ في المغرب أو منزلهِ الباريسي الدافئ.

هكذا إذاً، طار الحريري إلى عمان معزياً بالسلطان قابوس من غير المعلوم ما إذا كان سيعود إلى لبنان الأحواج إلى العزاء لا تصريف الأعمال فقط أم سيكمل طريقه صوب العاصمة الأميركية أو يعود إلى قواعده البارسية سالماً.

ومع انقضاءِ نصفِ “مهلةِ التأليفِ” التي وضعها الرئيس حسان دياب لنفسه والمتراوحة بين 4 إلى 6 أسابيع تبدو الأمور مائلة إلى السواد والتآكل على مذبح تباينات الافرقاء.

في المحصلة، هذا يعني دخول الرئاسة الثالثة ضمن مدار المجهول، تأليفًا وتصريفًا.

في الشقّْ الأخير، يسود الإرباك قواعد التأليف مع بدءِ فترة تصريف الضغوطات في الإقليم، ولا يبدو أنّ الاسبوع الطالع يحمل معه الحلول بدليل تمترس كافة المعنيين خلف حصونهم ما يولد عملية “نقارٍ سياسيٍّ” واضحة تستجلب مزيدًا من الاشتباكات التي يجري إسقاطها على الواقع الحكومي، كمثل طلبات رئيس تيار المردة سليمان فرنجية و”مقاطعة” الوزير جبران باسيل للرئيس دياب.

في أبرز دلالات تطورات المواقف الاخيرة، نعت مصادرٌ مواكبة لعملية التأليف لـ”ليبانون ديبايت”، الصيغة التي قدَّمها الرئيس دياب إلى رئيس الجمهورية ميشال عون نهار الثلاثاء والتي سادَ الرهانُ على أن تكون هي الصيغة النهائية التي تسبق عملية الولادة.. والبحث عن بديلٍ لها ما زال غير متوفرٍ.

وعلى ناحيةِ تصريفِ الأعمال حدّث ولا حرج. رئيس الحكومة “الأصيل” سعد الحريري يلازمه “الحرد” في فرنسا، وما أبلغه من هناك إلى من يعنيهم الأمر، فرنسيًا ولبنانيًا، لا يشجّح وأتى على قاعدة “أنا ومن بعدي الطوفان”. معنى ذلك، أنّ من يراهن على عودة الحريري إلى بيروت لتصريفِ الأعمال، كمن يُراهن على حصانٍ عاجز ومخذول للمشاركة والفوز بسباقٍ فيه الجياد من طراز 200 حصانًا وما فوق!

من الوقائع، يظهر أنّ الحريري يبحث عن أشياءٍ أخرى أكبر من تصريفِ الأعمال في فرنسا تأتي على وزن البحث عن إمكان وجودِ تخلٍ فرنسيٍّ عن دعمهِ لتولي الأدوار السياسية مستقلبًا وسط وجودِ خشيةٍ لديه من أنّ المقاربات السياسية المتصلة بأدوار آل الحريري المحلية والتي كانت تتمتع بالاولوية، ربما يكون قد جفّ موردها في فرنسا.

وهنا، يسعى الحريري أولًا إلى التأكدِ من حقيقة تلك التكهنات، فإذا صدقت، من هي الشخصية الجديدة التي تلائم المزاج الفرنسي والمرشحة لنيل الدعم؟ وإذا كان الجواب لا، يريد الحريري معرفة مدى وحجم “الاستثمار السياسي” الذي يتوقع أن تقدمه باريس “ظرفيًا” إلى الحكومة العتيدة وثمنه.

بين هذا وذاك، ما يهم الحريري في المقام الأول والمدرج بندًا ثانيًا على جدول أعمال وجوده في حال تأكده من أنّه ما زال “عملة تحظى بدعم فرنسا” أن يبادرَ إلى إقناعِ باريس بإعادة تفعيل المبادرات والتفاهمات السياسية التي عاد على ظهرها إلى السلطة، لكن ضمن شروطٍ جديدةٍ يكون لفرنسا اليد الطولى في إنتاجها، ما يضمن عودة الحريري لاعبًا مرتاحًا لا مغلوب على أمره.

أمرٌ من هذا القبيل، يحتاج نضوجه إلى وقتٍ ليس بقصيرٍ في ظلِّ إهتمامِ وميلِ باريس اليوم إلى إعتماد خياراتٍ سريعةٍ من أجل كبحِ الإنهيار الزاحف نحو لبنان. معنى ذلك، أنّ الحريري عليه إنتظار “اختمار الأجواء الداخلية” والرهان على التطورات الإيجابية لا السلبية للعودة بحصانٍ فرنسيٍّ، لا يراه من هم على معرفةٍ بالسياسةِ الفرنسية قابلًا للتحقق ضمن الثلاثِ سنواتِ المقبلة.

ما يعزز من هذه التكهنات التي تقرأ في أسباب عدم عودة الحريري، ما يُنقَل عن مرجعٍ سياسيٍّ وازنٍ في بيروت، من أنّ الحريري يحظى بإهتمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إذ بادرَ الأخير إلى التواصل معه خلال اقامته في باريس مرات عدّة عبر الهاتف و”الواتس آب” وتابع معه الكثير من الأمور التي تتصل بالاوضاع في لبنان، ولاسيما بعد اللقاءات التي اجراها السفير الفرنسي لدى بيروت برونو فوشيه​، ما دفع المرجع إلى التساؤل “عما حاكه” الحريري في باريس؟

بالتوازي مع ذلك، كانت النصائح الفرنسية تنهمر على لبنان، إن على صعيدِ الاستعجال في التأليفِ استباقًا للمخاطر السلبية التي تلفح لبنان ماليًا وإقتصاديًا، أو في الدعوة إلى إبعادِ لبنان عن التطورات السلبية التي بدأت تطل برأسها من العراق.. فهل التقطَ رئيس مجلس النواب نبيه برّي الإشارات الفرنسية فلجأ الى استدعاء الحريري على شكل تصريف اعمال ولمّ شمل في بيروت؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.