ليلة اغتال الموساد الشهيد عماد مغنيّة بضوء أخضر أميركي

25

 

قبيل الذكرى الثانية عشرة لاغتيال القائد الجهادي الكبير الحاج عماد مغنية، نشرت مجلّة “ذا نيويوركر” دراسة مطوّلة بعنوان “قاسم سليماني وكيف تقرر الدول القتل”، أوردت في جزء منها تفاصيل تتعلق بعمليّة اغتيال الحاج عماد مغنية في سوريا. فبحسب المجلة، بعد هزيمة “إسرائيل” في عدوانها على لبنان عام 2006، أطلقت مهمّة غايتها التخلّص من مغنيّة قبل أن يستجمع الحزب قواه مجدداً. وكان رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك، إيهود أولمرت، قد أوكل المهمّة إلى رئيس الموساد مئير داغان.

تفاصيل جديدة حول ظروف الاغتيال تبنّتها المجلة الأميركية، وبغض النظر عن صحّتها أو العكس، فإنها بمثابة اعتراف صريح بالمسؤولية عن عملية الاغتيال. في ما يلي الترجمة الحرفية لما أوردته المجلة:

“كانت “إسرائيل” تعرف تماماً أنّ إساءة اختيار ساحة العملية قد تخلق ردّ فعل سياسيًّا أو ربما حرباً جديدة، فاعتداء ضمن الأراضي اللبنانية قد يدفع حزب الله للردّ. وقد علم الموساد حينها أنّ الحاج عماد مغنية كان يتردّد على شقة في حيّ كفرسوسة بالقرب من العاصمة دمشق، وكان يستخدمها للقاءات المهمّة. ولذلك اعتبرها الموساد الموقع المناسب لعملية الاغتيال. وإذ تسلّل عملاء إسرائيليون إلى دمشق للتحضير لتنفيذ المهمة، لجأ داغان إلى مساعدة وكالة الاستخبارات المركزية “CIA” التي كان لعملائها وجود غير علني بين موظفي السفارة الأميركية في دمشق. وبناءً على طلب داغان، استأجرت “السي.آي.إيه” شقةّ تكشف مكان لقاءات مغنيّة، وقد جهّزها العملاء الإسرائيليون بكاميرات صغيرة يتمّ التحكم بها عن بعد، كان الغرض منها رفد مشاهد البث الحيّ إلى مقرّ الموساد في “تل أبيب”.

وبالفعل، وضع الموساد الخطّة التي قضت بإخفاء العبوة في سيارة مركونة. وقام تقنيّوه بتصميم العبوة التي تنشر الشظايا في محيط “منطقة قتل” يبلغ خمسة أمتار. وبحسب مسؤول إسرائيلي سابق، فإنّ المواد المتفجرة قد دخلت ضمن شحنة عادية وصلت إلى السفارة الأميركية، التي سلّمها عملاء “السي.آي.إيه” في دمشق إلى الموساد. ثمّ وضعها عملاء الموساد مكان الدولاب الاحتياطي في سيارة من نوع “ميتسوبيشي/باجيرو”.

ولكن في اللحظة الأخيرة دعا الرئيس الأميركي آنذاك، جورج بوش الابن، إلى وقف العملية بزعم أنه تلقّى تحذيرات من وكالة الاستخبارات تفيد بأنّ الانفجار قد يؤدي إلى مقتل مدنيين، وخصوصاً طالبات من مدرسة مجاورة للفتيات. وتعلّل الدراسة هذه الفرضية بالقول إنّ الاعتداء الأميركي الذي كان يقصد استهداف السيد محمد حسين فضل الله عام 1985 قد حصد أرواح أكثر من 80 مدنياً وجرح مئتين، ما أضرّ بسمعة “السي.آي.إيه”.

وبالرغم من ذلك، كان أولمرت مصمماً على المضيّ في العملية. ولذلك أخذه عملاء الموساد إلى منطقة بعيدة في الصحراء حيث أجروا اختباراً يحاكي العملية وخصائص المنطقة المزمع التنفيذ فيها، وقد اطمأنّ أولمرت لنتائجها. ثمّ زار أولمرت بوش في البيت الأبيض ليناقشه في إعادة تنفيذ العملية. وفيما لم يدلِ أولمرت بأي تصريح عقب ذلك اللقاء، إلا أن مسؤولاً إسرائيلياً سابقاً متورطاً بالعملية صرّح لاحقاً بأن بوش وأولمرت اتفقا على “أن يكون مغنية وحده الهدف”. وقد أرسلت وكالة الاستخبارات آنذاك رئيس محطتها في الأراضي المحتلة إلى مقرّ الموساد لمراقبة الاغتيال حال القيام به. وقد أعطى جورج بوش الضوء الأخضر لهذه العملية.

وفي مركز العمليات داخل مقرّ الموساد كان لكلّ ضابط في مهمة اغتيال مغنية دور محدد. كان أحدهم يتولّى اقتفاء أثره، وآخر يراقب البثّ المباشر ليتأكّد ولو في جزء من الثانية أنّ الرجل الموجود في دائرة القتل هو مغنية نفسه. زار أولمرت مركز العمليات ليذكّر الحاضرين أنّ علاقة “إسرائيل” بالولايات المتحدة، حليفتها الأهم، على المحكّ. وكان عليهم تطبيق الاتفاق القاضي بقتل مغنيّة ولا أحد آخر.

وفي مساء 12 شباط/ فبراير من العام 2008، تتبّع ضبّاط الموساد الأصوات المنبعثة من هاتف مغنيّة وعلموا أنه متّجه نحو شقة كفرسوسة. وفوراً أبلغوا عملاءهم في دمشق، الذين ركنوا سيارة “الميتسوبيشي” في مكان يضمنون أنّ الهدف سيمرّ بجانبه.

كانت مشاهد الطريق منقولة على شاشة ضخمة في مركز العمليّات. شاهد الضبّاط الحاج عماد مغنيّة يركن سيارته في مكانها المعتاد. كانت الخطة تقضي بتفجير العبوة فور مشاهدة الهدف يمشي ضمن المنطقة المحددة، لكن مغنيّة لم يكن وحده. كان برفقته رجلان تعرّف على هويتهما العملاء. أحدهما كان اللواء محمد سليمان، القائد العسكري السوري الذي قاد بلاده إلى إنشاء مفاعل نووي، والشهيد الحاج قاسم سليماني.

كان اجتماع هؤلاء الأشخاص مهولاً. هدفٌ يتمثّل بقادةٍ ثلاثة من لبنان وسورية وإيران، متّحدين في صراع ضدّ إسرائيل والولايات المتحدة، وكلّ منهم له دائرة اختصاصه وخبرته المختلفة.
يستذكر أحد الضبّاط الإسرائيليين تلك اللحظة بقوله: “ما كان علينا إلا أن نضغط على ذلك الزر ليختفوا جميعهم”، ثمّ يضيف: “كانت تلك فرصة قدّمت لنا على طبق من فضّة”. وكان أولمرت في تلك الأثناء على متن الطائرة عائداً من زيارة إلى برلين. وعلماً أنّ ضبّاط الموساد كانوا سيحاولون الاتصال به للحصول على الإذن بقتل الرجلين الآخرين، إلا أن الوقت لم يتّسع للقيام بذلك. وكانوا يعلمون أيضاً أن وكالة الاستخبارات كانت مخوّلة مساعدتهم في قتل مغنيّة وحده.

وبلحظةٍ دخل الرجال المبنى، فيما بقي العملاء على أهبّة الاستعداد بانتظار ظهورهم مجدداً. يقول مسؤول سابق إنهم “كانوا يصلّون كي يخرجوا متفرّقين”. وبعد ساعة تقريباً، شاهد ضبّاط الموساد سليمان وسليماني يغادران المبنى معاً ويستقلّان السيارة. وبعد عشر دقائق، خرج الحاج عماد مغنية من المبنى بمفرده. حينها فجّر قائد العملية العبوة. وقد ظهرت على الشاشة صورة الحاج عماد وهو مقطّع إلى أشلاء. يقول أحد الضباط الذين كانوا موجودين “تطاير جسمه في الهواء. مات على الفور”.

وصلت الأنباء إلى أولمرت منتصف الليل. كانت الطائرة تعجّ بالصحافيين، وقد همس مساعده العسكري في أذنه “لقد خسر العالم للتوّ أحد الإرهابيين”. فأجاب أولمرت “ليباركك الرب”، وبعد أن حطّت الطائرة تكلّم أولمرت عبر مذياع الطائرة قائلاً بغموض لم يُفهم حينها: “أريد أن أتمنى لكم جميعاً يوماً عظيماً. إنّه يوم عظيم”.

وفي صباح اليوم التالي كانت صحافة الشرق الأوسط تضجّ بالخبر. وعند الساعة الثامنة، ذهب داغان برفقة قائد العملية إلى مكتب أولمرت لإطلاعه على تسجيل عمليّة الاغتيال. وبعد مشاهدته، شغّل داغان أيضاً المشهد الذي ظهر فيه سليمان وسليماني يغادران. فقال لداغان لو أنهم استطاعوا التواصل معه لكان أمر بقتلهم جميعاً.

وفي الأيام التالية، تجنّبت الولايات المتحدة و”إسرائيل” تحمل أي مسؤولية بشأن الاغتيال. وفي هذا الصدد يقول مسؤول إسرائيلي سابق إنّ الصمت بعد القتل يجنّب الوقوع في “تعقيدات غير ضرورية”. ثمّ يضيف: “بإمكان المرء دائماً إرسال طائرة أو تفجير مكان. ويتطلّب القيام بذلك طريقة من شأنها التقليل من احتمال الرد أو اندلاع أعمال عدائية واسعة النطاق”.

وأيضاً في الأيام القليلة عقب الاغتيال، ادّعى مسؤول الاستخبارات الوطنية “مايك ماكونيل” لدى سؤاله عمّا إذا كانت الولايات المتحدة متورطة في قتل مغنية: “لا. قد تكون سوريا. لا نعلم بعد، وإننا نحاول فهم ما حصل””.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.